رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13-19 ذو القعدة 1422هـ الموافق 26 يناير -1 فبراير 2002
العدد 1512

قانون المحكمة الدستورية غير دستوري
1 : - صادر حق مجلس الأمة الدستوري بالمساهمة في تشكيلها
2 : - ألحقها بالسلطة القضائية بينما يشترط الدستور حيدتها بين السلطات
3 : - صادر الحق الدستوري للمواطنين بالوصول المباشر إليها ووضع في طريقهم العراقيل

·    مبدأ فصل السلطات يحصر وظيفة القضاء بالحكم بموجب القوانين لا الحكم عليها أو بدستوريتها

·   المحكمة الدستورية كما نص الدستور ليست جزءا من النظام القضائي ولكنها جهة دستورية مستقلة

·   أعضاء مجلس 1971 يوسف المخلد ومحمد الرشيد وبدر العجيل وجاسم الياسين ومبارك الحساوي بادروا بقانون محكمة دستورية منسجم مع الدستور فالتفت عليهم الحكومة!!

·    تلاعب فقهاء السوء فاستبدلوا عبارة “جهة قضائية” مما يعني استقلاليتها، بـ”هيئة قضائية” مما يعني تبعيتها للسلطة القضائية في تناقض صريح مع الدستور

·  الحكومة تأخرت في إعداد مشروع قانون إنشاء المحكمة الدستورية عشر سنوات لانشغالها في وأد التجربة الديمقراطية وتزييف الانتخابات

·   الدول النامية تزدحم بالدساتير الشكلية لكنها تقف ضد الاتجاهات الديمقراطية

·   الدولة القانونية هي التي يخضع فيها الحاكم والمحكوم لحكم القانون

 

بقلم  المحامي عبدالكريم جاسم حيدر

أثار الاستجواب المقدم لوزير العدل، حول بعض القرارات التي اتخذتها بعض أطراف السلطة القضائية مثل التصرف في حفظ قضية “الطفلة الموؤودة” وعزل أحد القضاة، جدلا سياسيا واسعا ونقاشا ساخنا في قاعة مجلس الأمة وفي الصحافة الكويتية، وخصوصا بعد أن أحالت الحكومة الاستجواب الى المحكمة الدستورية طاعنة في دستوريته برغم أن المجلس أبدى استعدادا في تفهم وجهة نظر الحكومة، وبرغم أن الكثير من أعضاء المجلس شاطروا الحكومة موقفها من ناحية المبدأ مع قناعتهم التامة بالقصور الشديد الذي شاب موازين العدالة في بعض ما طرحه الاستجواب، وخصوصا قضية “الطفلة الموءودة”·

وبرغم أن مجلس الأمة قد أصدر قرارا بعدم دستورية الاستجواب مما نزع من الحكومة الحجة بالاستمرار في دفعها أمام المحكمة الدستورية فأصدرت قرارا بسحب طلبها من المحكمة الدستورية، إلا أن الاستجواب ودفع الحكومة فجرا قضايا متعددة يصعب تجاوزها، حيث إنها ستعود تطل برأسها مرة أخرى وتعكر الحياة السياسية في الكويت، كما ستعكر العلاقة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية،حيث إن هذا الوضع القابل للتأزيم سيكون سلاحا جاهزا ومشهرا بيد الحكومة تستخدمه متى وجدت أن ذلك في مصلحتها·

لقد فجر الاستجواب قضايا حساسة وجوهرية مثل: كيف يتم تصحيح الأخطاء، وخصوصا الفادحة التي يمكن أن يرتكبها أي طرف في سلك القضاء؟ ومن هي الجهات المسؤولة وما القانون المطلوب لذلك؟!

وما حدود مجلس الأمة في نقاشه لأمور بالغة الحساسية مثل تلك التي طرحها الاستجواب برغم حصانة السلطة القضائية من تدخل النواب؟ وكيف لأعضاء المجلس التوفيق بين احترام فصل السلطات والدفاع عن تطبيق القانون؟

ولقد أثار الاستجواب مجددا القضية التي أصبحت متكررة في سلوك الحكومة تجاه المجلس وتجاه المحكمة الدستورية، حيث يستغل فقهاؤها فرص طلب الإحالة الى المحكمة الدستورية التي تتقدم بها الحكومة كي يحملوها بما استطاعوا من تفاصيل وطلبات تستجدي قيام المحكمة الدستورية بتفسير أكبر قدر ممكن من مواد الدستور بهدف تقليص سلطات السلطة التشريعية وتحجيم المشاركة الشعبية·

ولعل مما شغل بال الحريصين وأثار اهتمام الناس وسبب الإحراج كون القضية التي يفترض أن تنظر فيها المحكمة الدستورية - وهي محكمة مشكلة من رئيس السلطة القضائية - تتعلق في تصرفات وقعت داخل سلك القضاء نفسه مما جعل المحكمة تبدو في موقع الخصم والحكم·

إن كثيرا من النقاش الساخن الذي دار في قاعة المجلس أو الصحافة هو مثير للاهتمام من حيث الآراء الجادة لفقهاء قانونيين أفاضل وسياسيين حريصين وكتاب مجتهدين يقابله بالطبع فقه لخبراء الباطل مما جعل معظم الإحالات الحكومية للمحكمة الدستورية مثقلة بالنوايا والشبهات وفجر مخاوف الناس، وخصوصا أولئك الذين يحملون هموم المحافظة على المكاسب الدستورية للشعب الكويتي·

لكن المثير حقا هو أن يحتدم النقاش في البلد ويرتقي الى مرتبة الصراع كلما أحالت الحكومة طلبا الى المحكمة الدستورية لتفسير إحدى مواد الدستور في الوقت الذي يفترض فيه أن تكون المحكمة الدستورية ملاذا للجميع يطمئن من يلجأ إليها ومن يُلجأ ضده بانحياز القرار للمصالح العليا التي توخاها مشرعو الدستور الأوائل وتطلعاتهم الى مزيد من الحرية والديمقراطية·

إن هذا الوضع غير الطبيعي، في اعتقادي، ناتج عن أننا طيلة هذا الوقت نتحدث من داخل الموضوع دون أن نحيط به، فالعلة الأساسية التي هي سبب هذه الإشكالات المستديمة للبلاد لا تكمن في المواضيع المطروحة على المحكمة الدستورية، بل إنها تكمن على ما أعتقد في أساس تكوين المحكمة الدستورية ذاتها· وأنا هنا لا أقصد بالطبع أشخاص المستشارين الأفاضل الذين يشغلون عضويتها وهم يستحقون الاحترام والتبجيل، ولكني أزعم أن القانون الذي أنشئت بموجبه المحكمة الدستورية هو قانون غير دستوري أوردنا منذ تجريبه على محك الواقع في متاهات وأودى بنا في مآزق ليس أقلها قضية سريان المراسيم الأميرية التي صدرت أثناء حل مجلس الأمة حلا غير دستوري·

وأنا على يقين أن هذا الجدل الذي ثار ويثور في البلاد سيستمر كلما دفعت الحكومة أمام المحكمة بعدم دستورية قانون أو قرار أو مساءلة نيابية، وسيكدر الحياة السياسية في الكويت ما لم تعد الأمور الى نصابها وتعد صياغة القانون على أسس دستورية سليمة، فلن يكون هناك استقرار سياسي ما لم تترسخ القناعة بعدالة القوانين وسلامة بنائها على أسس دستورية سليمة·

وسأحاول في البحث المتواضع الذي أنشره في هذا العدد من الطليعة أن أثبت ما ذهبت إليه من رأي علّني أسهم بقدر اجتهادي فيما يخدم الوطن·

 

 

وقبل أن نبدأ هذه القصة المشوقة والمحزنة في الوقت نفسه، أود أن أذكر بعض الحقائق التاريخية السياسية، وبعض المبادئ الفقهية الدستورية الراجحة·

أولا:

إن الطبقة الحاكمة في كل مكان وزمان كقاعدة عامة ترفض أن ترى الشعب مصدرا وحيدا للسلطة، ولا تعترف به شريكا في هذه السلطة وتحاول ما استطاعت تعظيم دورها وتحجيم حقوقه·

ثانيا:

يؤكد الفقه الدستوري أن هناك طريقا غير مباشر لتنقيح الدستور، يكون طريقا مفروشا بالورد للسلطة التنفيذية تنقح به الدستور كما تشاء، إذ أصبح يوما ما تحت هيمنتها بوساطة النظر في دستورية القوانين وتفسير النصوص والقواعد الدستورية، والتي تقوم به الجهة المناط بها هذه المهمة· وذلك أمر في غاية الخطورة والأهمية وقد تفوق هذه الأهمية وضع النص الدستوري ذاته في الوثيقة الدستورية·

ولذلك فإن الفقه الدستوري يعتبر المادة التي تحدد الجهة التي تراقب وتفسر نصوص الدستور ومراقبة مبدأ المشروعية في الدساتير كالمادة 173 في الدستور الكويتي من أهم المواد في الدستور·

ثالثا:

هناك فرق بين دولة لها دستور، ودولة لها نظام دستوري فكل دولة أيا كان نظام الحكم فيها يمكن أن يكون لها دستور، ولكن الدولة لا يكون فيها نظام دستوري إلا إذا وجدت فيها حكومة مقيدة لا مطلقة، تتقيد فيها السلطات كلها بنصوص الدستور الذي يكفل الحقوق والحريات وينظم السلطات، فالدول النامية تزدحم بالدساتير الشكلية ابتغاء إضفاء صفة الشرعية على نظمها السياسية في حين تقف ضد الاتجاهات الديمقراطية الحقيقية آخذة بديمقراطية الكلام رافضة جوهر الديمقراطية، وبالطبع لا مجال فيها أيضا للحديث عن الحقوق والحريات العامة وحقوق الإنسان·

رابعا:

إن الدولة القانونية هي التي تخضع “لمبدأ المشروعية” أو “مبدأ هيمنة القانون”

(Principe de la superioritصe de la loi)

ويعرف العميد الفقيه ديجي (Deguit) هذا المبدأ السامي “يقصد بمبدأ المشروعية سيادة حكم القانون، والدولة القانونية هي التي يخضع فيها الحاكم والمحكوم لحكم القانون، بمعنى خضوع وتقيد الأفراد وجميع السلطات العامة في الدولة على السواء للقانون وأحكامه في جميع أعمالها” فإذا خالف أحد القانون كان تصرفه غير مشروع ينزل عليه جزاء عدم المشروعية، لذلك يجب تغليب القاعدة القانونية الأكثر قوة إذا ما تزاحمت القواعد القانونية، فكل قاعدة قانونية تصدر عن سلطة أعلى تعتبر أقوى من التي تصدر عن سلطة أدنى، ولما كان الدستور في قمة التشريعات أي التشريع الأعلى الذي يسمو على جميع التشريعات الأخرى، فإنه يجب الالتزام والتقيد فيما يشتمل عليه من نصوص ومبادئ صدرت عن الشعب، صاحب السلطة التأسيسية الأصلية، فهي أقوى النصوص القانونية إطلاقا، أما القوانين الصادرة من مجلس الأمة مثل (قانون إنشاء المحكمة الدستورية) فهي قوانين عادية تأتي بعد النصوص الدستورية مرتبة فلا يجب أن تخالفها، أما اللوائح بأنواعها التي تصدر عن الحكومة تأتي بعدها ومن ثم يجب أن تكون متفقة مع القانون والدستور·

خامسا:

المقصود بالرقابة على دستورية القوانين قيام هذه الجهة بالتحقق من مدى مطابقة القانون لأحكام الدستور، وتفسير النصوص والمبادئ الدستورية·

 وهذا النظام من الرقابة يتطلب أول ما يتطلب حتى يكون مؤثرا وفعالا أن تتمتع الهيئة القائمة بالرقابة والتفسير بالاستقلال والحيدة في مواجهة جميع السلطات الثلاث في الدولة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) فتمارس رقابتها في حيدة تامة بعيدة عن المؤثرات والأهواء وهو ما لا يتوافر بالنسبة لهيئة رقابة دستورية إذا تم تشكيلها بطريقة أو بأخرى تجعل منها هيئة تابعة لغيرها من السلطات المنشأة للدولة:

أ - فإذا تم تشكيلها من جانب السلطة التشريعية فقط (كما أغلب الدول الاشتراكية سابقا) ستكون عرضة للخضوع لاتجاهات البرلمان ورحمته وتكون امتدادا للسلطة التشريعية وانعكاسا لاتجاهاتها وآرائها·

ب - أما إذا تم تشكيلها عن طريق التعيين من جانب الحكومة أي السلطة التنفيذية، في تلك الحالة سوف تكون هيئة للرقابة تابعة لها وخاضعة لتعاليمها، وتكون امتدادا للسلطة التنفيذية، موجهة من جانبها·

ج - أما إذا تم تشكيلها من السلطة القضائية فقط، ذلك يعني إخضاع إرادة الشعب لسلطة تقديرية للقضاة وتتحول الى حكومة من القضاة أو تتحول السلطة القضائية الى سلطة أعلى من السلطة التشريعية والتنفيذية ويصبح مصير أي قانون أو لائحة معلقا على رأي مجموعة من القضاة ليست لديهم خلفية سياسية ويملكون أن يعطلوا إرادة السلطة التشريعية المنتخبة من الشعب، وقد تكون للسلطة القضائية مصلحة فيما يعرض عليها أو تكون خصما أو طرفا في الخصومة كما لو نظرت مثلا تعديل قانون تعديل المحكمة الدستورية، وربما انطبق عليها قول المتنبي:

يا أعدل الناس إلا في محاكمتي

            فيك الخصام وأنت الخصم والحكم

وماذا يكون إذا جاء زمان أصبحت فيه السلطة القضائية تحت هيمنة وسيطرة الحكومة؟؟

إن مبدأ الفصل بين السلطات يقضي بحصر وظيفة القضاء في الحكم بمقتضى القوانين، أي بتطبيقها لا الحكم عليها والبحث في دستوريتها، وإن القول بإعطاء القضاء حق الرقابة الدستورية من شأنه أن يجعل منه سلطة سياسية تسمو سائر السلطات في الدولة، وتمارس عملا سياسيا مما لا يدخل أصلا في طبيعة الوظيفة القضائية، ويعد تعديا على السلطة التشريعية والتنفيذية، خصوصا وأن مجلس الأمة هو الممثل للأمة ولا يمكن أن يخضع لرقابة جهاز غير ممثل للأمة كالسلطة القضائية، فلا يتصور إذن فتح الرقابة لهيئة تابعة للسلطة القضائية من القضاة فقط ينعدم لدى أفرادها القدرة على فهم السياسة وما يثار حولها من مشاكل إذ ستعمل هذه الهيئة على تغليب الاعتبارات القانونية بحكم تكوينها على الاعتبارات السياسية·

إن كفالة احترام الدساتير هو بالرقابة على دستورية القوانين، وذلك منذ بدأ التاريخ الدستوري في الدول الديمقراطية العريقة في ظل الدساتير المكتوبة والجامدة ومن أهم طرق أو أساليب الرقابة طريقتان:

1 - أسلوب الرقابة السياسية·

2 - أسلوب الرقابة القضائية·

 وتقرير هذه الرقابة والأسلوب المتبع يكون متوقفا على نص صريح في كل دستور من الدساتير، فالدستور كما ينص بوضوح على الطريقة المباشرة لتنقيحه (كما الدستور الكويتي في المادة 174) ينص أيضا على الطريقة غير المباشرة التي يمكن استغلالها كطريق غير مباشر لتعديل الدستور عندما ينص بصراحة أسلوب الرقابة على دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور (كما الدستور الكويتي في المادة 173) والجهة المناط بها ذلك·

 ونستعرض بإيجاز كلا من الطريقتين لنقرر بعدها أي طريقة الاختيار الدستور الكويتي:

1 - أسلوب الرقابة السياسية

(Controle politique)

في هذه الحالة يعمل الدستور على إنشاء محكمة خاصة تشكل خصيصا للرقابة على دستورية القوانين وتفسيرها وتسمى غالبا (بالمحكمة الدستورية) والمقصود أن تكون هذه الجهة ذات طبيعة سياسية، حيث إن مصدر هذه الرقابة هو الدستور ولا تتبع ولا تنبع من أي من السلطات الثلاث في الدولة، وتسمية الرقابة بالسياسية غير المقصود بها أن تشكيلها يكون من السياسيين فقط وإنما من السياسيين الذين لديهم خلفية قانونية والذين عملوا بالسياسة أثناء وبعد اعتزال أعمالهم القانونية الأصلية، سواء القضاة أو المحامين أو أساتذة القانون الدستوري ورؤساء مجالس الأمة السابقين والأعضاء المخضرمين الذين لديهم الخبرة الدستورية·

 ويتم تعيين أعضائها بوساطة السلطات الثلاث الذين يختارون أعضاؤها ويكون حق السلطة التشريعية (ممثلة الأمة) في التعيين أكثر من السلطات الأخرى، ويختارون الأعضاء من كفاءات متخصصة في بحث المسائل الدستورية، كفقهاء القانون الدستوري والمحامين والقضاة الذين اعتزلوا وظائفهم ويمارسون العمل السياسي، فالرقابة على دستورية القوانين لها طبيعة قانونية وسياسية لا يمكن إنكارها، الأمر الذي يفترض مراعاة الجانب السياسي والجانب القانوني في تشكيل الهيئة القائمة بإجرائها، فإجراء الرقابة يتطلب مؤهلات فنية خاصة وكفاءة قانونية وخبرة سياسية على مستوى معين لدى القائمين بها حتى يستطيع هؤلاء الوقوف على حقيقة أحكام الدستور ومدى موافقة القوانين الصادرة عن السلطة التشريعية لهذه الأحكام أو عدم موافقتها، وكذلك معرفة الاختصاصات المقررة للسلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية وحدودها والقدرة على تفهم أحكام الدستور نصا وروحا، حتى لا تكون هيئة لها طابع سياسي خالص تعمل على تغليب الاعتبارات السياسية بحكم تكوينها على الاعتبارات القانونية، ولا تكون قضائية فقط فتعمل على تغليب الاعتبارات القانونية على الاعتبارات السياسية·

 إن المحكمة الدستورية كما نص عليها الدستور الكويتي لاتعتبر جزءا من النظام القضائي فهي ليست مؤسسة قضائية صرفة، ولكنها مؤسسة دستورية تخضع للدستور، وهي إن لم تكن مؤسسة سياسية، إلا أنها تؤكد وتعبر عن السياسة بطريق القانون وفي إطار التطبيق المباشر للدستور، والدستور يحدد اختصاصاتها والمجلس التشريعي هو الذي ينتخب أعضاءها أو على الأقل تنتخبها السلطات الثلاث مع إعطاء ممثلي الأمة نصيب الأسد·

 إن إناطة الاختصاص بهذه الطريقة يؤدي الى عدم حساسية السلطة التشريعية عند صدور الحكم، وذلك خلاف الطريقة الأخرى (الرقابة القضائية) التي تثير الكثير من الحساسيات بينها وبين هذه المحكمة، لما يرسخ في عقيدة السلطة التشريعية من أن هذه المحكمة تعلو السلطة التشريعية وبإمكانها تعديل الكثير من مواد الدستور بطريقة غير مباشرة·

ففي فرنسا وهي الوطن الأم لنشأة هذا الأسلوب منذ قيام الثورة الفرنسية، قرر المشرع صراحة الأخذ بالرقابة السياسية وكذلك دستور 1964 ودستور 1958 وحتى اليوم، ويختص المجلس الدستوري (Conseil constitution) بمراقبة دستورية القوانين من دون أن يكون للسلطة القضائية أدنى حق في ذلك ويتكون المجلس الدستوري من:

1 - أعضاء وجوبيون يكتسبون العضوية حكما وهم جميع رؤساء الجمهورية السابقين لمدى الحياة للاستفادة من خبرتهم السياسية والدستورية ولإعطاء المجلس الهيبة والمكانة اللازمتين·

2 - أعضاء معينون وعددهم تسعة: يقوم رئيس الجمهورية بتعيين ثلاثة منهم وتقوم السلطة التشريعية باختيار الستة الآخرين (أي أن الأغلبية من السلطة التشريعية) ومدة العضوية تسع سنوات غير قابلة للتجديد·

 بالإضافة الى فرنسا فهناك الكثير من دساتير الدول تأخذ بهذا الأسلوب كالدستور الألماني الحالي والسوري والنمساوي الحالي الصادر سنة 1945 ويأخذ به الدستور الكويتي الحالي الصادر 1962 كما سنوضح لاحقا والدستور الأسباني الصادر 1931 والإيطالي الحالي 1947 وكذلك الدستور السوفييتي الصادر عام 1936 والدستور البلغاري الصادر عام 1948 وكذلك الصين الشعبية الصادر عام 1954 والتشيكي الصادر عام 1960 والدستور المغربي الصادر 1972·

وأهم ما يؤخذ على هذا النظام أنه لا يقر للأفراد (كما في الكويت) بحق الطعن أمام المحكمة بدعوى أصلية وإنما عن طريق الدفع بعدم الدستورية، الأمر الذي يتضمن إضعافا للرقابة·

2 - أسلوب الرقابة القضائية

(Control juridictionnel)

الدستور نفسه يسند هذه المهمة للسلطة القضائية مع تحديد الجهة، على سبيل المثال المحكمة العليا (التمييز) في النظام القضائي العادي أو مجلس الدولة بالإضافة لاختصاصاتها، فلا يعمل على إنشاء محكمة خصوصا لهذه المهمة (الدستور الكويتي حدد جهة قضائية ولم يسند ذلك الى أية محكمة من محاكم السلطة القضائية)·

 ولذلك فإنه يجب أن يلاحظ أن تقرير هذه الرقابة يكون متوقفا على نص صريح في الدستور يجيزها ويقررها (لا نص بذلك في الدستور الكويتي) كما سنشرح لاحقا· أما إذا سكت الدستور في هذه الخصوص أو لم يقررها بنص صريح أو حددت جهة قضائية فإنه لا يجوز أن يصدر قانون بإعطاء هذا الحق لأية محكمة في الدولة مهما علت·

فالدستور في هذه الحالة لا يعمل على إنشاء محكمة خاصة تشكل خصيصا للرقابة على دستورية القوانين وإنما يعهد بهذه المهمة الى السلطة القضائية بتحديد إحدى محاكمها العليا·

 تعتبر الولايات المتحدة من أسبق الدول التي تبنت فكرة الرقابة القضائية على دستورية القوانين، وهناك نص صريح في المادة الثالثة من الدستور الأمريكي على أن يباشر السلطة القضائية في الولايات المتحدة محكمة عليا واحدة والمحاكم الأدنى درجة التي يقرر الكونغرس (البرلمان بمجلسيه النواب والشيوخ) إنشاءها حسبما يتراءى له، ومن ثم فإن النظام القضائي الأمريكي سواء النظام الاتحادي أو نظام الولايات هو على شكل هرم قمته المحكمة الاتحادية العليا وما يقابلها في الولايات من محكمة عليا·

ويعنيني أن ألفت النظر أن الدستور يحدد بدقة وبصراحة المحكمة المختصة بهذه الرقابة (بخلاف الدستور الكويتي الذي انتهج الأسلوب الآخر في الرقابة) وهناك الكثير من الدساتير اختارت أسلوب الرقابة القضائية مثل الدستور المصري في المادة 175) والدستور الروماني الصادر في 1923 الذي جعل الاختصاص للدوائر المجتمعة لمحكمة النقض بالمراقبة، وكذلك الدستور السويسري الحالي ودستور فنزويلا الصادر 1931 ودستور السودان الصادر في 1973·

أما النقد الموجه الى هذا الأسلوب فقد تعرضنا له في (البند ج من “خامسا”) بالإضافة الى أن من شأن ذلك إعطاء السلطة القضائية قوة غير عادية، ويمنحها نفوذا ضخما تجاه السلطة التشريعية، الأمر الذي قد يؤدي الى الاعتقاد لدى السلطة التشريعية بأن هذه المحكمة جهة رقابة تعلوها، بل وقد تعتقد هذه السلطة القضائية بأنها تعلو جميع السلطات باعتبارها جهة رقابة، فتسرف في فرض العراقيل أمام السلطة التشريعية، وتبالغ في بسط رقابتها بحجة أنها الحارس على الدستور، الأمر الذي يثير الكثير من أوجه الحساسية بين المحكمة والسلطة التشريعية (خصوصا إذا أصبحت في يوم ما تحت هيمنة السلطة التنفيذية) فيؤدي ذلك في غالب الأحيان الى الاصطدام بين الجهتين مما يعمل على تهديد نظام الدولة بالخطر والانهيار، أما إذا حاولت السلطة القضائية توقي وقوع هذا الاصطدام فلن يكون ذلك إلا على حساب وظيفتها الرقابية، حيث لا تجد هذه المحكمة مناصا في التراخي في القيام بالرقابة إرضاء للسلطة التشريعية، وفي هذه الحالة لن تكون الرقابة مرضية على دستورية القوانين·

 بعد أن تعرضنا بإيجاز لما تجري عليه دساتير الدول الأخرى في تحديد الجهة المناط بها الرقابة على دستورية القوانين وتفسيرها، لنناقش مدى دستورية قانون إنشاء المحكمة الدستورية في الكويت·

 تأخرت الحكومة في إعداد مشروع قانون إنشاء المحكمة الدستورية عشر سنوات والتزمت الصمت (لانشغالها في محاولة وأد التجربة الديمقراطية وتقليصها وتزييف الانتخابات والتأثير بكل الأساليب الإدارية لإيقاف المسيرة وخوضها معركة شرسة ضد القوى الوطنية التي كان همها وما زال صيانة الدستور) وفور أن تقدم خمسة من أعضاء مجلس الأمة هم: يوسف المخلد وبدر العجيل، ومحمد الرشيد، وجاسم الياسين، ومبارك الحساوي بمشروع قانون بإنشاء المحكمة الدستورية متفق ومنسجم من حيث طبيعته مع المادة (173) من الدستور هبت الحكومة فزعا واستعانت بمستشاريي الباطل الذين قاموا بالالتفاف على نص الدستور ولي هذا النص لأغراضها وإخضاع الواقع لهدفها وصبغت عملها حبكة ظاهرة توهم عدم المخالفة وهي في حقيقة أمرها تضرب بالنص عرض الحائط وصبغت عملها بالمشروعية الظاهرة للوصول الى عدم المشروعية الحقيقية، واستغلت حسن نية السلطة التشريعية وأوقعتها في غلط بسبب ما خلقوه في ذهنها من صورة تخالف الواقع قصد به تضليلها وحملهم على الموافقة على قانون نتيجة هذه الحيل بتدليس يمقته الشرع ويسترذله القانون· قانون يعطي السلطة القضائية فقط من دون شريك حقا بتكوين هذه المحكمة وأن تكون عضويتها لهذه السلطة فقط، واغتصاب حق السلطة التشريعية ومنعها حتى من الاشتراك في هذه المهمة وهي الجهة الأصلية وممثلة الأمة، كان هاجس القوى الديمقراطية المستنيرة في المجلس أن تحقق إنجاز قيام محكمة دستورية على أمل أن تصحح وتعدل قانونها فيما بعد ليستقيم الأمر، حيث اعتبرت موافقة الحكومة على مبدأ قيام محكمة دستورية هو مكسب في حد ذاته·

بينما كانت القوى المتنفذة في السلطة التنفيذية تتحرك على أمل أن يأتي زمن رديء تكون السلطة القضائية تحت هيمنة وسيطرة الحكومة فتفعل ما تشاء بالدستور·

لنستعرض بداية نص المادة (173) من الدستور في تحديده لهذه الجهة الرقابية:

“يعين القانون الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ويبين صلاحيتها والإجراءات التي تتبعها”·

ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح·

“وفي حالة تقرير الجهة المذكورة عدم دستورية قانون أو لائحة يعتبر كأن لم يكن”

لنغص في أعماق الدستور لنستخلص ما وقر في ضمير المشرع الدستوري عندما شرع المادة (173) منه، وكشف العوار الدستوري الذي (لحق بالقانون رقم 14 لسنة 1973 بإنشاء المحكمة الدستورية) باعتبار أن نص المادة (173) هو النص الواجب العمل به، والذي يصم أي قانون يصدر بالمخالفة لأحكامه بأنه قانون غير دستوري·

الأمر الأول: طبيعة المحكمة أو الجهة أو الهيئة الرقابية

هل هي سياسية أم قضائية؟ أي أسلوب اختار المشرع الدستوري الكويتي، أسلوب الرقابة السياسية أم أسلوب الرقابة القضائية؟

 نصت المادة 173 من الدستور “يعين القانون الجهة القضائية التي تختص··”

1 - المشروع بالقانون الذي قدمه نواب المجلس اختار وكان (على حق) أسلوب الرقابة السياسية فأسرعت الحكومة بالاستعانة بمستشاريها (طيبي الذكر) لتفصيل مشروع قانون مشوه مضلل من حيث طبيعة هذه الجهة، فهي من الناحية الموضوعية تتبع الأسلوب القضائي حيث جعل القانون المحكمة (من دون وجه حق) تحت هيمنة وسيطرة السلطة القضائية، فرئيس مجلس القضاء هو الذي يشكل المحكمة ويختار أعضاءها من القضاة فقط بالخلاف لما قرره الدستور·

أما من الناحية الشكلية فإنها اتبعت الأسلوب المتبع في الرقابة السياسية المستقلة عن السلطة القضائية، فقرر القانون إنشاء مكتب فني خاص بالمحكمة وكما وأوجب توكيلا خاصا غير التوكيل العادي والذي يصلح لجميع أنواع المحاكم عدا المحكمة الدستورية وقلم كتاب خاص بالمحكمة·

وفي رأيي المتواضع أنه كما هناك الاحتيال الجنائي والتدليس المدني أجد في هذا القانون نوعا جديدا من الاحتيال والتدليس ألا وهو (التدليس والاحتيال الدستوري) فقد نجح مستشارو الحكومة في أن يضللوا أعضاء المجلس بإيهامهم والزرع في يقينهم وضميرهم أن المقصود بعبارة الجهة القضائية الواردة في نص المادة (173) هي هيئة تابعة للسلطة القضائية وأن قصد المشرع هو أن تكون هذه الجهة القضائية تحت سيطرة وهيمنة السلطة القضائية ورئيس هذه السلطة هو الذي يقوم بتشكيلها ويحدد أعضاءها من قضاة هذه السلطة فقط (على خلاف ما ورد في المادة 173 ومذكرتها التفسيرية)·

- تذكر الحكومة في المذكرة التفسيرية لمشروع القانون (··· إنما وضع الدستور الكويتي قيدا واحدا هو أن تكون الجهة التي تختص برقابة دستورية القوانين جهة قضائية أي جهة تشكل من قضاة مستبعدا أن يعهدوا الأمر الى جهة سياسية أي جهة تشكل من غير القضاة)·

إن مما يستدعي النظر في هذا التفسير الالتفاف على نص المادة الدستورية (173) والتجني على الحقائق الدستورية والواقعية والمنطقية، ولنعد الى المذكرة التفسيرية للمادة (173) من الدستور ولنفحص هل هناك قيد بأن تكون جهة الرقابة قضائية أم العكس تدعو الى أن يكون بينها عناصر سياسية؟

 تنص المذكرة التفسيرية للمادة (173) من الدستور بصريح العبارة··· “فوفقا لهذه المادة يترك للقانون الخاص بتلك المحكمة الدستورية مجال إشراك مجلس الأمة بل والحكومة في تشكيلها الى جانب رجال القضاء العالي في الدولة،···”·

ولا يعني بالتأكيد هذا التفسير الدستوري ما ذكرته الحكومة في مذكرتها التفسيرية، بل إن الدستور يؤكد على أن أهمية إشراك السياسيين من السلطة التشريعية والتنفيذية في هذه المحكمة الى جانب رجال القضاء، ومن الطبيعي أن يتم اختيار السياسيين من رجال القانون، فالدستور لم يضع هذا القيد الذي يدعيه واضعو القانون·

لقد تلاعب فقهاء الحكومة في تشريع قانون المحكمة الدستورية بتسميتها “الهيئة القضائية” مما يعني تبعيتها للسلطة القضائية بينما ينص الدستور على أنها جهة قضائية أي مستقلة عن جميع السلطات·

 ومن الملفت للنظر أن المذكرة التفسيرية نفسها للقانون بإنشاء المحكمة الدستورية بعد فقرتين مما سبق قوله تناقض نفسها عندما تذكر في معرض كلامها عن الفصل في الطعون الانتخابية أو صحة عضوية الأعضاء “ونظرا لأن مثل هذه المسائل تعتبر من قبيل المسائل القانونية التي تخالطها وقائع سياسية لذلك استحسن أن ينضم الى عضوية المحكمة أربعة من أعضاء مجلس الأمة عند النظر في هذه المسائل·

وهكذا تعمد واضعو القانون إضفاء الصبغة القضائية على المحكمة وجرها بعيدا عن مقصد الدستور ليكون تشكيلها تشكيلا باطلا·

إن المحكمة الدستورية كما نص عليه الدستور لا تعتبر جزءا من النظام القضائي، فهي ليست مؤسسة قضائية صرفة، لكنها مؤسسة دستورية تنبع من الدستور فلا يجوز لأي سلطة منفردة الهيمنة عليها وقد يقبل ضمير الأمة أن تكون الهيمنة للسلطة التشريعية الممثلة للأمة والوريثة الشرعية للسلطة التأسيسية لا لغيرها، فلا يمكن الاطمئنان الى حرية ممارسة هذه المحكمة لمسؤوليتها وهي تنتمي في تشكيلها وتابعيتها لإحدى السلطات منفردة·

2 - تمادي واضعي القانون بتضليل أعضاء مجلس الأمة بتحريف النص عن مواضعه والتلاعب الممقوت بعبارات الدستور، وذلك بإحلال كلمة “هيئة” والتي لم يرد ذكرها في النص الدستوري للمادة (173) في قانون إنشاء المحكمة والمذكرة التفسيرية بدلا من كلمة “جهة” للالتفاف على النص الدستوري وإقناع الناس بأن الدستور يقصد أن تكون هذه الجهة الرقابية هيئة تابعة للسلطة القضائية، وشرع باستخدام “هيئة قضائية” في قانونها والمذكرة التفسيرية بدلا من “جهة قضائية”، ومن المعروف للكل أن مفهوم كلمة هيئة في علم الإدارة العامة والقانون وحتى النصوص الدستورية ليست مستقلة تمام الاستقلال وإنما تتبع إحدى السلطات وتكون تحت هيمنتها ورقابتها وتوجيهها·

 ولكن المقصود (بالجهة القضائية” أن تكون جهة مستقلة تماما من سيطرة وهيمنة وتوجيه السلطات الثلاث، وأن تكون (طبيعتها) قضائية لا (تكوينها) أو تشكيلها وطبيعتها قضائية تعني أنها تنظر الدعاوى وتصدر الأحكام الواجبة النفاذ، كجهات كثيرة أخرى محلية وعالمية لها طبيعة قضائية ولكن لا تتبع أو تخضع للسلطة القضائية، ولا يشترط في أعضائها أن يكونوا من القضاة العاملين في السلطة القضائية، وإن كان يفضل أن يكون أعضاء المحكمة الدستورية من السياسيين القانونيين أو المحامين أو القضاة السابقين أو الفقهاء الدستوريين أو من لهم خلفية دستورية كرؤساء مجالس الأمة السابقين أو الأعضاء المخضرمين·

3 - مما يؤكد عدم تابعية المحكمة الدستورية للقضاء أيضا قانون تنظيم القضاء الصادر في 10 مارس 1990 حيث تنص المادة الثانية من الباب الأول “ليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة”·

وفي المادة الثالثة (ترتيب المحاكم التابعة للسلطة القضائية وتنظيمها) تتكون المحاكم من:

أ - محكمة التمييز

ب - محكمة الاستئناف

ج - المحكمة الكلية

د - المحكمة الجزئية

 نلاحظ بأن المشرع أبعد المحكمة الدستورية من اختصاص السلطة القضائية بكل صراحة، كما أن التوكيلات الصادرة للمحامين لمتابعة القضايا في محاكم السلطة القضائية بأنواعها، غير مقبولة أمام المحكمة الدستورية، وإنما يطلب توكيل خاص ومستقل لهذه المحكمة·

الأمر الثاني : تشكيل المحكمة الدستورية واختيار طريقة أعضائها

على الرغم من أن هذه المحكمة مؤسسة دستورية نابعة من الدستور، وعدم جواز سيطرة إحدى السلطات عليها، إلا أن القانون رقم 14 لسنة 1973 بإنشاء المحكمة الدستورية أعطى حق اختيار الأعضاء للسلطة القضائية فقط من دون غيرها ممثلة بمجلس القضاء الذي يختار أعضاءها من مستشاري محكمة التمييز، ونلاحظ هنا مخالفة صريحة للمادة (173) من الدستور الذي آثر أن يراعي في صريح النص إشراك مجلس الأمة بل والحكومة في تشكيلها الى جانب رجال القضاء العالي في الدولة·

فالمذكرة التفسيرية وفي صريح النص تذكر “··· فوفقا لهذه المادة يترك للقانون الخاص بتلك المحكمة الدستورية مجال إشراك مجلس الأمة والحكومة في تشكيلها الى جانب رجال القضاء العالي في الدولة···”·

 وكان مشروع القانون المقدم من أعضاء مجلس الأمة قد أشرك مع جهة القضاء مجلس الوزراء “السلطة التنفيذية” بشرط أن يختار واحد من رجال القانون والآخر من فقهاء الشريعة الإسلامية وكذلك مجلس الأمة ليختار من أعضائه السابقين قانونيا من غير العاملين في مهنة المحاماة وكذلك إشراك رئيس قسم القانون العام في جامعة الكويت·

وهذا المشروع كان أكثر انسجاما وتطابقا مع الدستور نوعا ما، إلا أنه لم ير النور بعد أن فرض القانون الحالي على مجلس الأمة·

الأمر الثالث: اختصاص المحكمة ومخالفة هذا القانون للدستور بالانتقاص من حق التقاضي

 تنص المادة (166) من الدستور على أن “حق التقاضي مكفول للناس··”

والتقاضي حق مضمون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء الى قاضيه الطبيعي، الأمر الذي يصبح معه أي انتقاص لحق التقاضي الذي كفله الدستور لكل متضرر أو صاحب مصلحة مخالفة جسيمة للدستور·

 ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة المحكمة ويندرج في عموم النص وإطلاق أي عمل صادر من السلطة التنفيذية وحتى التشريعية نفسها·

ولذلك فإن منع قانون إنشاء المحكمة الدستورية الأفراد ذوي الشأن أو المصلحة من رفع دعوى أصلية - مباشرة أمام هذه المحكمة، وتحديده فقط عن طريق الدفع بعدم دستورية القانون - أمام المحكمة التي تنظر نزاعا ما، بمعنى أنه يجب أن يكون هناك نزاع معروض أمام محكمة عادية أو إدارية أيا كانت درجتها ويراد تطبيق قانون معين عليه ثم يثير أحد أطراف الدعوى دفعا بعدم دستورية هذا القانون، فإذا رأت المحكمة جديته فإنها توقف السير في الدعوى وتحدد للخصوم ميعادا لرفع الدعوى بعدم الدستورية أمام المحكمة الدستورية (كما قضايا حقوق المرأة أمام المحاكم الإدارية)·

 إذن هذا القانون يضيق من رقابة الدستورية فلم يأخذ بطريق الطعن في دستورية القوانين عن طريق الدعوى الأصلية، وإنما عن طريق الدفع· بجانب أن ترك للمحاكم على اختلاف درجاتها حرية تقدير جدية الدفع بعدم الدستورية المثار أمامها·

وهذا وضع غير منطقي ومخالف لنص المادة (173) الذي أعطى ذوي الشأن في رفع دعوى مبتدئة (أو أصلية) بعدم دستورية القانون أو اللائحة من دون أن يكون هناك قضية مثارة أمام القضاء تتعلق بالنص المطعون دستوريا عليه·

ونصت المادة 173 من الدستور على: “ويكفل القانون حق كل من الحكومة وذوي الشأن في الطعن لدى تلك الجهة في دستورية القوانين واللوائح”·

 ذوو الشأن المنصوص به في هذه المادة يقصد به المشرع الدستوري كل ذوي المصلحة أو المتضررين من الأفراد المواطنين وليس المقصود به مجلس الأمة فقط، وحتى القانون نفسه فسر ذوي الشأن (بمجلس الأمة + الأفراد) ولكن قيد الأفراد بطريق الدفع بعدم الدستورية وليس عن طريق الدعوى الأصلية، وهذه بدعة غير مستساغة، فإذا أقر القانون بأن المقصود بذوي الشأن هم المواطنون أيضا، فلماذا منعهم والانتقاص من حق منحهم إياه الدستور، في حين أعطى هذا الحق لمجلس الأمة الذي هو نادرا أو قد لا يحتاج أبدا الى المحكمة الدستورية، لأن، مجلس الأمة هو الذي يشرع ويصدر القوانين، فمن غير المعقول أن يطعن في القوانين التي يشرعها بنفسه، ولذلك فإن ما ينسجم مع المنطق أن المقصود بذوي الشأن هم المواطنون أولا ثم مجلس الأمة·

ولذلك فإن الدستور قصد إعطاء الحق لكل متضرر أو صاحب مصلحة من ذوي الشأن في رفع دعوى أصلية وليس فقط الدفع بعدم الدستورية·

 وأخيرا، إن هذا القانون إجمالا هو تجني على الحقائق الدستورية والمنطقية والواقعية، وهو التجني الذي يدين نفسه بنفسه من دون حاجة الى استشفافه الى عميق نظر أو تطرق الى التفصيل التي تشهد بين ثنايا السطور، والتي يطول تعقبها بالتفنيد ولا يصحح عوارها الدستوري، إن هذا القانون قد وافق عليه مجلس الأمة وأصدره، فالأعمال التشريعية غير محصنة من الطعن بدستوريتها وإنما على العكس هي مجال الطعن الأصلي·

 وعلى مجلس الأمة واجب إصدار قانون جديد ينسجم ويتطابق مع مواد الدستور وخصوصا المادة (173)، فقد يأتي زمن غير هذا الزمان تكون فيه السلطة القضائية تحت هيمنة وسيطرة وتوجيه السلطة التنفيذية تستطيع بوساطة ذلك تفريغ الدستور من محتواه وتقلص بل وتنتزع من الشعب حقوقه وسلطاته·

 ويومها سيقول الناس لمجلس الأمة ما يقوله الفقه الدستوري الفرنسي في هذه المناسبات (Souffre loi que tu as Fait toi meme) (أي، كابد معاناة القانون الذي وضعته بنفسك أو بادر بتعديله)·

 

طباعة  

أيام كويتية في البحرين
جمعية العمل الوطني الديمقراطي ناقشت في نادي العروبة مسيرة التجربة الديمقراطية الكويتية
التحول إلى الدولة الدستورية والقانونية أساس بناء مجتمعاتنا وهو مطلب أهل الخليج منذ الثلاثينات

 
جمعية العمل الوطني الديمقراطي ناقشت في نادي العروبة مسيرة التجربة الديمقراطية الكويتية
 
د· المنيس: نظام التسجيل الجديد ناجح
 
يعانون الكثير من المشاكل
موظفو “الطيران المدني” يناشدون أعضاء مجلس الأمة إنصافهم