كتب المحرر الثقافي:
بفكرة من وليد المسلم وبإشراف مباشر من الكاتب والقاص حمد الحمد كونت رابطة الأدباء منذ أشهر تجمعاً أدبياَ شبابياً تحت مسمى “منتدى المبدعين الجدد”، يضم هذا المنتدى مجموعة كبيرة من الشباب من ذوي الكتابات الإبداعية المختلفة من شعر وقصة ومقال أدبي، وبعد ورش عمل جماعية أثمر هذا المنتدى عن إبداع متميز·
ففي مساء الثلاثاء الماضي أقامت رابطة الأدباء أمسية شعرية، شارك فيها الشعراء عبدالناصر الأسلمي وراشد الصادر ومحمد هشام المغربي وسعد الجوير وحمود الشايجي، قدمت الأمسية الزميلة انتصار يوسف، وسط حضور كبير من أعضاء رابطة الأدباء ومن المهتمين والصحافيين·
الرابطة تنشد “الهولو”
في بداية الأمسية ألقت الكاتبة والقاصة ليلى محمد صالح كلمة شكرت فيها المشرفين ورعاة المنتدى، ثم شاركت مي الشراد بكلمة كإحدى عضوات منتدى المبدعين الجدد ونيابة عن زملائها، قالت فيها:
“نحن نقف على الضفاف، يشدنا ذلك الأزرق الملحي إلى أعماقه، نتوحد بشعور المغامر في لجته·
كان ومازال··
كان أجدادنا، يطوفون أعماق الخليج يلتقطون المحار، يبحثون فيه باهر اللؤلؤ·
مازال حاضرنا··
الحفل الكريم إنا مرصودون، عيونهم ترقبنا وآذانهم تسمعنا وجوارحهم تختلج مع نبضاتنا إنهم على الجدران، أجيال من أدباء الكويت يرصدون تعاقب الأجيال على هذا المنبر”·
وتوجهت بالشكر إلى رابطة الأدباء وإلى الشيخة باسمة مبارك عبدالله الجابر وإلى الصحافة قائلة:
“اسمحوا لي أن أتوجه بالشكر الجزيل إلى رابطة الأدباء في دولة الكويت التي مازالت تنشد الهولو على ظهر سفينة الأدب، باحثة، تستخرج ما في نفوس أبنائها من در الإبداع الكامن في أعماقهم، تعرضه لنور الشمس ليُظهر أصالته وسموه· كما أشكر الشيخة باسمة مبارك العبدالله الجابر الصباح التي دفعت تلك السفينة باقتدار حيث كان منتدى المبدعين تحت رعايتها·
ولا أغفل دور الصحافة وجميع وسائل الإعلام التي تفضلت مشكورة بتسليط الضوء على إنتاج أعضاء المنتدى، وأشكر القائمين على هذا الملتقى الذين وجهوا الدعوة لنا للمشاركة·
كان ومازال المبدع هو ذلك المغامر باني هذه النهضة بإحساسه وإيمانه بقوة جهوده”·
وقدمت زملاءها المشاركين:
“أترككم مع عقد من لآلئ، الكويت
مع مجموعة من أعضاء المنتدى الشباب المشاركين بإنتاجهم الشعري في هذا المساء الجميل
نيابة عني وعن أعضاء منتدى المبدعين الجدد، شكراً لكم جميعاً جيلاً بعد جيل”·
الأسلمي وتطور التجربة
الشاعر عبدالناصر الأسلمي شارك بقصائد عدة، بدا فيها واضحاً تطوره السريع والواضح في كتاباته الشعرية، وخلقه لأجواء وصور لم تكن ترد في قصائد البدايات، ألقى قصيدته الأولى “جابر الخير” مصوراً أفراح الكويت وأهلها بعودة والدهم الأمير جابر الأحمد الصباح من رحلته العلاجية:
جابر الخير عمّ نورك فينا
وانجلت عن جبينك الأسقامُ
وأظلت سماك من رحمة
الله - رياحين قريةٍ··وسلامُ
وتباهتْ بك الكويتُ وشاحاً
طرّزَ المجدُ صدَره يا هُمامُ
في قصيدة أخرى “الطبيعة البكر” يتغنى الأسلمي بالأمل ويتذكر الألم”:
أطبيعهٌ بكرٌ
أم الأحلام في مرآة عيني ساطعة؟
أم أنها كذبات عقلٍ عاشقٍ؟
أم مُنْيةُ القلبِ الكسيرِ
بواقع الوجه المعفَّر بالأمل؟
وجميعها أملٌ على ألمٍ بدنيا من حصير
ومن أجواء “الشوقيات” الرومانسية، إنما بأنفاس “أسلميات” يقول:
عتاباً يا أحبتنا عتابا
لعلّ على العتاب لكم جوابا
شربنا كأس صحبتكم زلالاً
وبعد البُعْد صار الحلو صابا
لقد أضحت محبتكم بقلبي
كمثل النبت حين زكا وطابا
هي الدنيا تقيدنا افتتاناً
بزخرفها وتنهبنا انتهاباً
مشينا في مناكبها زماناً
وصرنا في خزائنها كتاباً
ألا يا صاح مزقنا ثياباً
من الدنيا وخيطنا ثياباً
فماهي غير مضحاك لعوب
تشيبنا وما برحت كعاباً
ومن أجمل ما ألقى الأسلمي، قصيدة “من وحي مداي” التي حلق بها في سماوات المعنى الشفيف:
من أجل مَنْ
هذا التبتل والتقى؟
من أجل مَنْ صبح البكاء معلّق بمجيئنا
ورمالنا السمراء تخفي حزنها
وتبيده علناً إذا احتاجت مدى
وشارك أيضاً بقصيدة “تصريح المجد”:
يغمز لي لأهرّب جهلي
يحرمني أن أصحب فألي
وإذا ناقشت خطيئته
أفرغني الظالم في شنطي··
وبقصيدة سياسية بعنوان “تحت أقدام النساء”·· ختم الأسلمي مشاركته:
البعاد واللقاء والشوق عند الصادر
الشاعر راشد فهد الصادر كانت له مشاركات جميلة، حينما ألقى خمس قصائد جميعها عمودية، ففي “أشواق” يقول:
يا من بها قلبيِ المولّع قد همى
وانساب في أطيافها يتردَّدُ
كم من مصابٍ ما عداك حَمَلْتُهُ
كلٌ عداك هيّنٌ يتبدّدُ
يا من لها أوصال روحي قد بدت
طلِّي فقد طال الفراقُ المجهدُ
وبصياغة مشابهة لقصيدته الأولى في الصور والمعاني يقول في “ذكريات”:
عيني ترقّ لذكر الأمس روعتها
والصدر صابٍ مع الأيام يعتصرُ
بين الرياح وبين الموج مرتحلاً
والقلبُ جرحٌ بقاع البحر يغتمرُ
أصارع الصبرَ ساعٍ في أجّمته
والنفْسُ غرقى تصاب ثم تعتذرُ
وألقى قصائد “تمضي الجواري”، و”لهفة للقاء” و”طال البعاد”، وفي الأخيرة يتطرق الصادر لمأساة الأسرى الكويتيين في السجون العراقية وطول غيابهم عن أعين أهاليهم:
طال البعاد ودان الليل صاحبه
كيف المنام لمن ضاعت به السُبُلُ
فيها الكويت كتابُ ليس إحدى وعشر من الأعوام ماضيةَ
بها الأسير عناءُ في عصائبها
والعين تبكِي ووجه الصدر يقتتل
المغربي·· المغربي
هذا الشاب مختلف·· جميع قصائد محمد هشام المغربي ألقاها على أسماع الحضور كانت معزوفات تضج بالحركة، وبالصور الشعرية المكتملة، إضافة إلى حسن إلقائه الذي أضفى على قصائده أبعاداً أخرى، ففي إحداها “يجوب الدنيا بحثاً عنها” يقر بمطلع جميل:
الحبُ كريمٌ··
لكن ما أكثر في بلدي البخلاءُ
أمشي
وسْط زحام الشارعِ
لكني وحدي
لستُ أحسّ بهذا الجمعِ
يستمر المغربي في البحث عن حبيبته في “شفاه الحسناوات” وفي “عيون النسوة” وفي “الشعر الأسود والأشقر والأحمر”·
لكنه لا يصل في بحثه “المجنون” إليها، إحداهن - في لقطة شعرية رائعة - تخشى على طفلتها منه:
أعرف تلك المرأة
تبصرنيِ، فتقول لطفلتها:
هندُ··سيأكلكِ المجنون إذا لم تبقي هادئةً
رحلة مشوقة طويلة يقطعها المغربي “جواباً على سؤاله إلى أن يناديه من خلف الظلمة قمر:
لابد سآتي·· مهما بطشت كفُّ الظلماءْ
في “عبثية هذا العصر” يتمثل ضياع آخر هو ذاته يضيع، بعد ضياع محبوبته في القصيدة الأولى،
في هذي العبثية
يجمعني برقٌ
لكن بعد ضياع العمر يبعثرني رعدٌ
ورحلة أخرى يقطعها مراقباً من شبح، يحرق أوراقه يكسر عظمه، ثم يعترف بأن هذا الشبح يسكن بين أضلاعه، وصورة أخرى لقطاة في صدره تهرب:
لا تعرف·· أين ستهربُ
لكن تهربُ
لا تعرف·· مما تهربُ
لكن تهربُ
تهرب من كل الدنيا ولكل الدنيا تلجأُ
أحياناً·· أكبر أعداءك·· يغدو حضناً
وصديقك غدراً يغدو
ألقى رائعة أخرى “انعتاق الروح”:
لا يكون الحب حباً
دون أن تمسي بنا الروحان روحاً··
مثلما الجسمان جسماً في عناقٍ
إنّ للروح عناقْ
إن للروح عناقْ
كما ألقى المغربي “ما أصعب الكلمات” (بالرغم من سلاسة الكلمات وبراعة الصور):
رجلٌ ينام الطفلُ داخل خاطري
رجلٌ يضيء الشمعَ للسمّارِ
يعرف ما بداخلهم
ولا أحدٌ يحسٌ مشاعري
قصيدة اللقطة أو المشهد التي تمتاز بها قصيدة النثر - بعمومها - استطاع المغربي أن يركبها سفينة “التفعيلة”:
في البحر سفينة ركابٍ
تكتظّ ببحارين اكتظوا بالخسّةْ
تنزل للبحرِ فيلفظها
ترجع·· يلفظها ثانيةً
ويتمتمُ: نجسةْ
الجويّر·· يسكن ذاكرة الشعر
يقول سعد الجويّر في مقطع من إحدى قصائده “كتاب الأيام التي لا تموت”:
روحٌ
خطٌ من نبضِ القلب··
ذكرى··
كلماتٌ تسكن كالعشق بذاكرتي
جرحٌ ينزف وردَ الماضي··
والآن··
·· ألمٌ أعشقه
هو بالفعل يسكن ذاكرة مستمعيه كالعشق، ولسوف يسكن ذاكرة الشعر أيضاً، لموهبته المتميزة والغنية، والجويّر بقصائده (التي لم نستطع الحصول عليها كاملة) أمل صادق، ومراهنة شعرية رابحة:
أتكوّن كالوردة في فصل ربيع
أصرخ كالعاشق في بحرٍ من شوق
أتبعثر كالكلماتْ··
في شِعرٍ حرْ··
أتعلق في صدر الباب
اسماً··
انصب أول هذا العام··
شمعة
وتدق الأوتارُ
سلم ذكرى··
يتألق في قصيدة أخرى “أنشودة الوداع” منادياً إلى الانتحار عشقاً، ولكن حرام أن يموت شوقاً ولهفة على محبوبته، وحرام أيضاً أن تموت عليه:
جميلٌ أموت؟!
جميلٌ تموت؟!
تناديك كلُ الموانئ لا تحتويها وغادرْ إليَّ
تصيرُ السماءُ وداعاً
وتصبحُ كلُ قناديلنِا المتعباتِ حلالاً
تضيعُها الغرباءُ··
تضيعُها الغرباءُ··
تموت عى نائحات الرحيل
سلامٌ·· سلامٌ·· سلامٌ·· سلامٌ
أمد يديَ إليك··
أجيءعلى أصابع كفي··
حرامٌ عليك أموتُ
وأنت تموتُ··
حرامٌُ عليّ!
وفي أغنية للقلب·· يخلق الجويّر في ليلة ملهاة غريبة، ويعيد تشكيل قلبه:
من هذاالقلب··
أرسمُ حبةَ رمان··
أرسمُ بحراً··
قمراً··
ورداً لا يأيته خريفُ
أرسم روحاً
وطناً··
من هذا القلب··
أمتدُ تواريخ غناءٍ شرقي··
أبدو تحريكاً للأشياءْ··
أتكونُ في أوراقِ الليلةِ شعراً··
أرسمُ كأساً··
أخلقُ تقريباً بين هنا وهناك··
ورسولاً··!
هذه لعبةٌ للقلب··
هذه··
لعبة القلب!!
الشايجي·· ينثر شعراً
تطور ملحوظ في قصائد حمود الشايجي النثرية بدا واضحاً من خلال مشاركته في الأمسية، إذ كثف مقاطعه بالصور الشعرية، وتمكن أكثرمن اصطياد اللقطة، يقول في “صرخة الطين”:
صبيةٌ حنطاويةُ الجبينِ
تنقشُ الفأسَ بِكفِهَا
تُخْفِيِ
الرجالَ، السكاكينَ، الأفاعي
الصحراءَ، البئرَ العتيقةَ
بين نهديها الصغيرين
والمحراثُ يَقْطِعُ مسافاتهَ
بالنسيَانَ
قصائد أخرى شارك فيها الشايجي إلا أننا لم نتمكن من الحصول عليها·
خاتمة
كانت الأمسية الشعرية مبادرة طيبة من رابطة الأدباء في تشجيع أبنائهم الأجيال الشابة، وثمرة لجهود الرابطة في “منتدى المبدعين الجدد”، فساحتنا الأدبية تحتاج إلى كثير من هذه “الغرسات” الإبداعية لتخضر صحاريها، كما أنها تحتمل العشرات والمئات من الشعراء والروائيين والقاصين وجميع صنوف الأدب والثقافة·· فلا تضيق ساحتنا “بشاعرين”·· ولا سماؤنا “بأعضاء منتدى”··!!