العقيد طيار “احتياط”
عبدالكريم سيد عبداللطيف السيد خالد الغربللي
· الشعب الكويتي ضرب أروع الأمثلة في الصمود والدفاع عن بلده أمام الجيوش العراقية الغازية
· القوات الجوية الكويتية أثبتت نجاحا باهرا في حرب التحرير
· المقاومة الكويتية كان لها دور فاعل في توجيه طائرات التحالف نحو مواقع القوات العراقية
الشورى حصن الكويت
الكويت في نشأتها وجذورها، وفي مسيرتها التاريخية عبر القرون قد حصنت نفسها عندما مارست الشورى أسلوب حياة، ومنهج عمل يلتزم به أبناؤها صغيرا وكبيرا منذ النشأة الأولى، وحقق هذا الالتزام أهم ثبات للحكم واستقرار النظام السياسي خلال هذه القرون الماضية، وفتح في العصر الحديث آفاق التنمية بجانبيها المادي والروحي على أسس نابعة من تجربة هذا الوطن والحرص على المصلحة المشتركة لأبنائه، والترجمة العملية لمبادئ التضامن والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات، وتعزز ذلك في ممارسة هذا الإرث أسلوب حياة، وترسيخ روح التشاور وتبادل الرأي والالتقاء على قلب رجل واحد في الملمات والشدائد، فيلتحم بها الشعب في صلابة وتماسك، وهو ما حدث في مواجهة العدوان العراقي، حيث أعلن الكويتيون الذين اجتمعوا في المؤتمر الشعبي (جدة، أكتوبر 1990) خلال فترة العدوان العراقي أنهم لا يقبلون بغير الشرعية واستمرار النهج الذي اختاروه لحكمهم منذ نشأة الكويت بديلا، وقد أذهلت هذه الظاهرة الفريدة العالم حيث لم يجد المعتدي المحتل - ممن تصور أنهم معارضون - من يقبل بغير الشرعية، فانهارت كل حججه التي زيفها للعدوان، وقد أثبت هذا الاختبار المصيري لنظام الشورى والديمقراطية في الكويت أصالته وعمق جذوره وقدرته - بما رسخ فيه من قيم وما اكتسبه من مرونة - على استيعاب التنوع والثقافات والرأي والمصالح في إطار الوحدة والتكامل، وفي مناخ من الود والتسامح والشورى وسيادة القانون·
ملحمة الصمود والتضحية
غدر النظام العراقي للكويت في الأول من أغسطس 1990 محطة مهمة ليس في تاريخ الكويت فقط وإنما في تاريخ العالم بأسره برغم مرور أكثر من عقد من الزمن، لقد فوجئت الكويت بعدوان غادر لم تكن تتوقعه من جار لها ينتسب الى العروبة والإسلام شدت أزره في محنه المختلفة، فزحف عليها في جنح الليل بمئات الألوف من الجنود وآلاف الدبابات والطائرات في حرب برية وبحرية وجوية شاملة مستهدفا إبادة الشعب الكويتي ومحو شخصية الكويت السياسية والحضارية، فتصدى للعدوان الغادر رجال القوات المسلحة الكويتية جيشا وحرسا وطنيا وشرطة ببطولة في مواجهة جحافل العدوان وخاضوا معركة غير متكافئة لم تتح لهم فيها - في ظل ظروف حالة اللااستنفار وغدر وخديعة النظام العراقي - فرصة استخدام كامل قدراتهم وإمكاناتهم وكفاءتهم، وبرغم فداحة الغزو العراقي للكويت الذي راح ضحيته في التقديرات الأولية ما لا يقل عن عشرات الآلاف من الشهداء والأسرى والمفقودين وما ألحقه ذلك الغزو من أضرار فادحة باقتصادات الكويت وموارد ثرواتها الطبيعية، وصمد الشعب الكويتي أمام تلك المحنة، لقد بدأ العدوان العراقي على الكويت بتدمير البنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للكويت، من ذلك محاولته إقامة حكومة خاضعة له، وحين لم يجد من يتعاون معه أصدر النظام العراقي قرارا بضم الكويت الى العراق وإعلانها المحافظة التاسعة عشرة في 28 أغسطس 1990 باسم محافظة كاظمة، كما أصدر قرارا في 23 سبتمبر 1990 بإلغاء الدينار الكويتي· ولم تكف أجهزته الإعلامية وتصريحات المسؤولين العراقيين عن القول بأن قرار ضم الكويت الى العراق إنما هو قرار أبدي لا رجعة فيه! ومما يسجل للشعب الكويتي وقوفه خلف قيادته الشرعية، معلنا بطلان جميع القرارات والإجراءات العراقية، رافضا المساومة على سيادة الكويت واستقلالها، متمسكا بحدود بلاده وعدم التنازل عن بوصة واحدة من ترابه الوطني، لقد أثبت شعب الكويت أنه أسرة واحدة تسامى بوطنيته فوق كل محاولات الدس الواقعية، ولم ترهبه قوات الغزو فأعلن العصيان والامتناع عن العمل ومضى في تنظيم عمليات المقاومة في الداخل، وأدرك المعتدون أنهم أخطؤوا الحساب حين تصوروا أنهم يستطيعون بالوعد والوعيد أن يجدوا من يتعاون معهم فإذا بهم يخيب أملهم ويفشلون في العثور على من يقبل التعاون معهم أو المشاركة في حكومتهم الزائفة التي أقاموها في الكويت مما اضطرهم الى الإفصاح عن حقيقة نواياهم والكشف عن مخططهم بإعلان ضم الكويت الى العراق، وخلال فترة الاحتلال العراقي للكويت التي قاربت سبعة أشهر رفض النظام العراقي جميع الجهود والمبادرات السلمية التي وجهت إليه واستمر في تحديه للإرادة الدولية ولم يتراجع عن موقفه المتعنت برغم الاتفاق الدولي على إدانة عدوانه على الكويت·
هكذا بدأت المعركة الجوية “عاصفة الصحراء”
هي أول معركة يتابعها معاصروها - على الهواء مباشرة - وكأنهم في ميدانها وبرفقة قادتها والمشاركين فيها، حيث أتاحت التقنية المتقدمة التي سخرت لهذه المعركة متابعة أحداث المعركة في مراحلها المختلفة عبر وسائل الإعلام المرئية، وذلك منذ لحظة إعلان المتحدث الرسمي باسم البيت الأبيض عن بدء الغارات الجوية لتحرير دولة الكويت الى مشاهدة الصواريخ وهي تنطلق والطائرات الحربية وهي تقلع باتجاه أهدافها ومشاهدة أجهزة التسديد داخل الطائرة وهي تنتقي أهدافها لا يحول دون ذلك ظلام الليل من انطلاق القذائف والقنابل لتدمير الأهداف بدقة متناهية وصلت لدرجة إدخال القنبلة في فتحة التهوية الصغيرة لدشم المعتدي لتنسف محتوياتها من طائرات وذخائر·· ففي منتصف يناير 1991 وهو الخط الزمني الفاصل بين انتهاء الوسائل السلمية لتحرير الكويت وبداية استخدام القوة العسكرية لتحقيق هذا الهدف· ففي السادس عشر من يناير 1991 بدأت الغارات الجوية لقوات التحالف الدولية بقيادة الفريق طيار شارلز هورنر تحت اسم عاصفة الصحراء معلنة بداية حرب تحرير الكويت بعد أن رفض الرئيس العراقي كل مبادرة للسلام وبعد أن استنفد المجتمع الدولي كل الجهود للتوصل الى حلول سلمية· فلقد انطلقت الصواريخ الكروز والتوماهوك تبعتها الطائرات العمودية تحت جنح الظلام لتدمر الرادارات العراقية، تلتها الطائرات المقاتلة نوع F117 “الشبح” التي قامت بنسف جميع مراكز القيادة والسيطرة ومواقع الدفاعات الجوية العراقية والمطارات ومدارج الطائرات، وبذلك وخلال فترة قياسية قصيرة انتقلت قوات التحالف من وضعية التفوق الجوي “Air Superiority” الى وضعية السيادة الجوية “Air Supremacy” بعد ان خرجت القوات الجوية العراقية مبكرا من المعركة ولم تعد تصلح إلا كأهداف لرماية قوات التحالف، ولم تفلح معظم محاولات الطائرات العراقية للهروب الى ايران الا كما يبدو بالقدر الذي سمحت به قوات التحالف· وفي هذه الوضعية البائسة للقوات العراقية التي باتت مكشوفة وبلا غطاء ولا اتصالات واصل النظام العراقي تصلفه وإصراره على عدم الانسحاب من الكويت!!! واضعا قواته المسلحة تحت نيران قوات التحالف التي سحقت الروح المعنوية للقوات المعتدية قبل ان تدمر معداتها ومعسكراتها بالعمق شمال وجنوب بغداد، وكانت القائمة الرئيسية لعاصفة الصحراء مكونة من اثني عشر هدفا وهي: مراكز القيادة والسيطرة، محطات الطاقة الكهربائية، مراكز وفروع الاتصالات والقيادة، مواقع الدفاعات الجوية الاستراتيجية، مواقع القوات الجوية والمطارات، المنشآت والمستودعات ومراكز البحوث النووية والبيولوجية والكيماوية، مواقع إطلاق وتخزين وإنتاج صواريخ السكود، القوة البحرية ومنشآتها وموانئها، مصافي البترول ومنشآت التوزيع، السكك الحديدية والجسور، وحدات الجيش العراقي والحرس الجمهوري، المخازن ومواقع الإنتاج العسكرية العراقية· ولقد شهدت منطقة المطلاع باعتبارها عنق الزجاجة للخروج من الكويت منطقة هلاك للغزاة وهم يجرون أثواب الهزيمة مندحرين من تراب أرض وطننا الطاهر ولقد تنبأ بما حدث في منطقة المطلاع قبل وقوعه ضابط كويتي هو الملازم أول محمد خليف العنزي، فالنظام العراقي كان يراهن على نشوب الحرب البرية التي كان يعتقد أن سوف يكون له حظ أوفر بها كما فعلت مؤخرا حكومة طالبان في أفغانستان وهم يتوعدون قوات التحالف بقيادة أمريكا عند بدء الحرب البرية!!! ولم يستفيدوا من دروس تحرير الكويت برغم مشاركة أفغانستان مع التحالف في حرب تحرير الكويت·
لقطات من المعركة الجوية
للمرة الأولى في التاريخ تحسم القوة الجوية نتيجة المعركة، القوة الجوية الكويتية شاركت في الطلعات الجوية الأولى لتحرير الكويت حيث قاد العقيد الركن طيار يوسف ضويان أول تشكيل كويتي مشارك في عاصفة الصحراء، كان لسقوط طائرة الطيار الكويتي المقدم محمد مبارك والتي كانت تذكر في نشرات الأخبار يوميا أكثر من مرة ضمن إحصائيات طائرات التحالف التي أسقطت كان لها أثر إعلامي إيجابي على إثبات مشاركة القوات الكويتية وبشكل فعال في التحرير وليس كما كان يروج بعض ضعاف النفوس أن الشباب الكويتي كان يسكن الفنادق “الخمس نجوم” بينما قوات التحالف تقوم بتحرير الكويت، سرب السكاي هوك الكويتي كلف من قبل قيادة التحالف بإلقاء مجسات مرتبطة بالأقمار الصناعية لرصد حركة الدروع العراقية، المقاومة الكويتية كان لها دور فعال في توجيه طائرات التحالف نحو مواقع ومعدات القوات الغازية، أما أهم الإحصائيات المتعلقة بعاصفة الصحراء فهي: حققت قوات التحالف الجوية 109876 طلعة جوية خلال مدة الثلاثة والأربعين يوما للحرب بمعدل 2555 طلعة يوميا وهذا بلا شك يعكس كفاءة الإدارة العسكرية التي كانت تقف وراء تحقيق هذا الرقم القياسي، طائرات التحالف 2600 طائرة جناح ثابت فقدت منها 44 طائرة، بالإضافة الى 1959 عمودية فقدت منها 17، القوة الجوية العراقية 800 طائرة جناح ثابت فقدت منها 240، و160 عمودية فقدت منها 7، عمليات الحرب النفسية كان لها أثر فعال من خلال عاصفة الصحراء فلقد كانت المنشورات تلقى من الجو على الجنود العراقيين لإخلاء مواقعهم والنجاة بأنفسهم محذرة إياهم من أن مواقعهم سوف تقصف بالغد، يتلو ذلك قيام طائرات B52 القاذفة العملاقة بالتحليق على هذه المواقع بعد فصل تناغم سرعة دوران محركاتها “Unsynchronized Engines” الأمر الذي يحدث صوت أزيز هادر يدخل الرعب لسامعه كان الكويتيون في الداخل يطربون لهذا الصوت المعبر عن قرب الفرج، وفي الموعد المحدد في المنشور يتم قصف الموقع وعادة لا يسلم منه أحد، وعليه كان مفعول هذه المنشورات لا يقل عن فعل القنابل لما تحتويه من تهديد ووعد صادق لتدمير العدو نفسيا ومعنويا قبل حصده جسديا، القوات الجوية البريطانية والإيطالية غيرت من أسلوب طيرانها المنخفض واستعانت بمساعدة الطائرات الأمريكية نوع A6 التي كانت ترافق التشكيلات البريطانية والإيطالية للتحليق على ارتفاعات عالية لتجنب المدفع الثلاثي المضاد للطائرات والذي أبلى بلاء حسنا - ولكن غير مؤثر - لصالح القوات العراقية فكانت طائرة A6 تسدد حزمات أشعة الليزر على الأهداف التي تقود قنابل الطائرات المرافقة لإصابات مباشرة على أهدافها، تألق صاروخ الباتريوت في ميدان القتال وذلك لنجاحه بالتصدي لصواريخ السكود الروسية، ومن الطرائف أن وسائل الإعلام العراقية كانت تردد أن صواريخها “الحسين” نجحت بتدمير صواريخ الباتريوت!!!
نتواصل معكم في عدد لاحق للحديث عن المعركة البرية لتحرير الكويت “درع الصحراء” متناولينها من منظور جديد··· ترى هل كان للمعتدي فيها حظ أفضل؟ ومن هم نجوم الإعداد والكفاح الوطني؟ وما قصة اشتراك بعض من قواتنا الوطنية بمعركة التحرير بملابس التدريب الرياضية؟! وما أهم الدروس المستفادة على المستويين الدولي والوطني؟