رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 21-27 شوال 1422هـ الموافق 5-11 يناير 2002
العدد 1509

ساعتان صدمتا العالم*

·         الأصوليون دوافعهم سياسية ويسعون للاستيلاء على السلطة

·         هجمات 11 سبتمبر استهدفت دول الشرق الأوسط أكثر من أمريكا!

·         مؤسسات أمريكية تلعب دور الاستعمار تحت مسمى العولمة

·         طبيعة بعض دول الشرق الأوسط أنتجت التطرف الأصولي

 

*كتاب من تأليف: فريد هاليدي - عرض وتحليل: ضياء الدين سردار - ترجمة وإعداد: محمد أمين

لم يستقيظ الإرهابيون ذات صباح ليقرروا فجأة خطف طائرة، بل إن هناك تاريخاً وسياقاً لدوافعهم· إن ثمة منطقاً - مهما يكن ملتوياً - لسلوكهم وهناك شكل من أشكال الاستراتيجية ذات الدلالات المستقبلية لأعمالهم· ومن أجل تقدير أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 حق قدرها، فإننا في حاجة إلى فهم أوسع لسياق هذه الأحداث، وهذا بالضبط ما يحاول أن يفعله البرفيسور فريد هاليدي في كتابه الجديد “ساعتان هزتا العالم”· وربما يكون هاليدي من أجدر من يقومون بهذه المهمة· فلديه اطلاع ومعرفة بعوالم الإرهاب تمتد لعقود·

لقد أنجز هاليدي معظم فصول كتابه قبل الحادي عشر من سبتمبر، ولكنه أضاف فصلين للكتاب لمعالجة هذه الأحداث بصورة مباشرة· وعلى أي حال، فإن تعثر عملية السلام في الشرق الأوسط وتنامي الأصولية والغزو  العراقي للكويت والأوضاع السياسية المعقدة في إيران وبعض دول الخليج العربية تمثل عوامل أساسية لوقوع الهجمات على نيويورك وواشنطن دي· سي·

ويعتقد هاليدي أن هذا اليوم (11 سبتمبر) سيُنظر إليه مستقبلاً باعتباره نقطة تحول في العصر الحديث· لقد أحدث حركة ارتجاعية عنيفة ربما يكون لها أثرها الهائل على الأصعدة العسكرية والاقتصادية والثقافية· فالتدخل العسكري الأمريكي في الصراعات الإقليمية زاد اتساعاً، والعلاقات بين الدول شهدت تحولاً رئيسياً وحدثت تحولات إصلاحية داخلية في الولايات المتحدة وأوروبا في ما يتعلق بالأمن والاستخبارات والتجسس والإجراءات العادية·

والانعكاسات الاقتصادية لهجمات 11 سبتمبر ستمتد لفترة طويلة، وستشعر كل المجتمعات الأن، بالأثار الثقافية والفلسفية والنفسية للعنف وغياب الأمن·

إرهاب مستقل

لقد وصلنا إلى هذا المنعطف بصورة رئيسية من خلال عمليتين تاريخيتين، أولاهما الحقبة الاستعمارية، وثانيهما الحرب الباردة· فالإرث التارخي لهاتين العمليتين غذّى مشاعر السخط والاستياء في العالم الإسلامي ضد الغرب، وهي المشاعر التي تفاقمت بفعل المظالم التي أبرزتها العولمة· وتقع المسؤولية أيضاً، على عاتق الدول الغربية التي غذّت وساندت الحركات الأصولية إبان الحرب الباردة، ولاسيما تعزيز ما يمكن وصفه بـ “الإرهاب المستقل” الذي بلغ أوج قوته ببروز حركة طالبان وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن·

ويجادل هاليدي بأن جذور الأعمال الإرهابية لا تتصل بفلسطين أو بالدين· وإن علينا أن ننظر إلى السياق الأوسع “للأزمة الأكبر في غرب آسيا”· فدول غرب آسيا - الدول العربية وإيران وأفغانستان وباكستان - شهدت حالة من الفوضى لعقود، مما أدى إلى تفاقم مشاعر السخط والاستياء في أوساط شعوب هذه المنطقة· ولم تلعب فلسطين أي دور في إثارة مشاعر الثورة، كما لم تلعب الحرب الإيرانية العراقية أو الغزو العراقي للكويت أو الارتفاع الكبير في أسعار النفط عام 73، أي دور في ذلك·

فبعض هذه الدول، كلبنان واليمن وأفغانستان، يعاني ضعفاً أساسياً· والكثير منها يؤيد أنظمة دكتاتورية وسلطوية·

وطبيعة هذه البلدان هي التي أنتجت الحركات الأصولية والمتطرفة· ولكن الحركات الأصولية التي انتشرت في دول غرب آسيا ليس دافعها الدين أو الثقافة أو القيم، كما يرى هاليدي، بل إن دافعها بشكل أساسي هو سياسي، فهي تسعى إلى الاستيلاء على السلطة، وفي اللحظة التي يتسنى لها ذلك، فإنها ستعمل على الحفاظ عليها بكل ما أوتيت من وسائل· وهذا الأمر يقود إلى نتيجة مفادها أن الهدف الرئيسي للهجمات الإرهابية لم يكن قوة الولايات المتحدة أو العالم الديمقراطي، بل دول الشرق الأوسط ذاتها·

إذن كيف ينبغي لنا الرد على السياق والتغيرات التي أطلقتها هجمات الحادي عشر من سبتمبر؟ يقترح هاليدي بالمنطق الهادئ وبالالتزام بالمبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة ومواثيق حقوق الإنسان· والأهم من كل ذلك، يجب أن يكون ردنا مبنياً على تفسير ما نفعله، وأن يأتي التفسير من الأكاديميين في مجال العلاقات الدولية·

ذاكرة جماعية

المشكلة أن العلاقات الدولية ليست علماً أو ميدانا أكاديمياً واضحاً· فهو - كمبدأ - لا يعدو كونه ذاكرة جماعية لأحدث التجارب السياسية الغربية ولا يمتلك هيكلاً نظرياً· وعلى الرغم من أنه يمتلك مخزناً ثرياً من الأفكار، فإن هذه الأفكار نظمت بشكل سيئ· وبالإضافة إلى ذلك، هناك القليل من القواعد أو النظم الأكاديمية الأوروبية كما هي الحال بالنسبة إلى العلاقات الدولية، من حيث عدم الرغبة في تقبل الأفكار السياسية غير الأوروبية ومن حيث الرفض الأوروبي للتحليل السياسي من منظور غير أوروبي·

وفي الواقع، فإن قوة وضعف كتاب “ساعتان صدمتا العالم” هما نقاط قوة وضعف هاليدي أكاديمياً· فالكتاب، شأنه شأن العلاقات الدولية نفسها، جيد جداً من حيث التحليل السطحي، ولكنه يميل إلى القبول على نحو مسَّلم به، بالأفكار التقليدية، ويتميز بقصر النظر في تعاطيه مع التاريخ·

إذ يضع هاليدي الدولة باعتبارها “المؤسسة الواقعة في قلب الأزمة” لأنها ببساطة تشكل الوحدة الأساسية لتحليل العلاقات الدولية· فالعلاقات الدولية تشبه كثيراً النظرية السياسية في كونها تفسيراً وتبريراً للشكل السياسي المهيمن على العالم الحديث·

الخوف من الإسلام

وبما أن الدول القابلة للحياة هي مؤسسات علمانية من حيث التعريف، يستبعد هاليدي الدين كقوة في صوغ أو حكم الدول· فالحركات الأصولية قد تكون دوافعها سياسية، ولكن قد يكون من المفاجئ لها أن تكتشف أن الدين لا يلعب أي دور في مغامراتها· وهذا التركيز على الدولة يقدم تفسيراً جزئياً على حساب رؤى أخرى· وهناك نظرية ثقافية تكشف أن هناك مشكلة خطيرة أبعد من الدولة، وتتعلق بفكرة “الوطن القومي”· فالأقليات والتجمعات الدينية التي لا ترى نفسها جزءاً من الدولة العلمانية، تجد نفسها مهمشة وبعيدة عن السلطة، ويحدد هاليدي السبعينات من القرن التاسع عشر بداية “للعصر الاستعماري” بدءاً بسقوط إفريقيا· ولكن النظرة المعمقة للحقبة الاستعمارية تضع بدايتها في عام 1492· فالشعور بعدم  الرضا في العالم الإسلامي ربما يزيده تفاقماً حقيقة أن الاستعمار مازال حياً ومزدهراً·

وفي مناقشته لموضوع العولمة يحرص هاليدي على نهج متوازن، ومع ذلك، فإنه لا يثير أي تساؤلات حول دور رأس المال أو تحليل حقيقة أنه في ظل العولمة، أصبحت مؤسسات انتقالية - معظمها أمريكي - تلعب الدور الذي كان يقوم به الاستعمار· ففي الولايات المتحدة، العلاقات الدولية هي التعبير المخفف عن دراسة السياسة الخارجية الأمريكية من منظور أمريكي، ولذلك، لم يجد هاليدي الكثير ليقوله عن الولايات المتحدة في ما عدا أن علينا ألا نندد بها ويجب أن نقدر سياستها لما بعد الحرب الباردة·

ولم يكشف هاليدي عن هدفه الحقيقي إلا حين يبتعد عن إطار العلاقات الدولية·

فتحليله للسياسات “المناوئة للإسلام” حتى وإن خلا من الإطار الأوسع للاستشراق، يحفل بالأفكار اللامعة، تماماً كما هي الحال بالنسبة إلى الجزء الخاص بـ “الخوف من الإسلام”· وهذا الأمر يقود المرء للتساؤل عن السبب الذي جعل هاليدي يضع على نفسه القيود الأكاديمية التي حدَّت من حريته في البحث·

اندبندنت

طباعة