تسرب الحكومة بين حين وآخر أنباء عن نيتها التخلي عن قرارها الجائر بعدم السماح لقيام جمعيات نفع عام جديدة حيث تراكم على جدول مجلس الوزراء أكثر من سبعين طلباً جديداً لإشهار جمعيات شعبية معظمها قدم لوزارة الشؤون بعد انتهاء الأحكام العرفية التالية لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي البغيض· فالحكومة تطرح تصورها الجديد بشكل غامض فهي تتحدث عن دمج الجمعيات المتماثلة في الأهداف وهذا طبعاً بناء على قراءتها الخاصة لهذه الأهداف كما لا يشمل تصورها الجديد إعادة فتح نادي الاستقلال الذي أغلقته بقرار جائر ضمن هجمتها على الدستور والمؤسسات الديمقراطية بعد حل مجلس 1976· فهل ما زالت هذه الحملة مستمرة الى اليوم ليستمر إغلاق النادي ويستمر الإصرار غير المفهوم على تجريد أعضائه الذين أدوا قسطهم في تطوير الحياة الكويتية من حقوقهم في المواطنة الحرة وما يتبع ذلك من امتلاك أدوات ووسائل التعبير المتاحة لغيرهم؟! وإذا كان في الأمر انتقام فلنعرف ممن الانتقام؟!
فعلى الرغم من كون هذا التوجه الجديد خطوة في الطريق الصحيح فإن هذه الخطوة قاصرة وتأتي ضمن ضيق الحكومة بالعمل الشعبي الحر·
فتسريبات الحكومة تأتي غالباً كبالونات اختبار ولا نعلم لماذا لا تمتلك الحكومة الشجاعة الكافية لإعلان موقفها وإصدار القرارات اللازمة لإلغاء قرار مجلس الوزراء الذي ألغى صلاحية وزارة الشؤون بالموافقة على طلبات الإشهار وأحال الموضوع إلى مجلس الوزراء ليضمن عدم السماح بإشهار أي جمعية جديدة إلا بموافقة المجلس الذي لم يوافق خلال تلك الفترة إلا على جمعيات تقدم بها بعض نساء وأبناء الأسرة الحاكمة فقط· إلغاء ذلك القرار يجب أن يكون الخطوة الأولى على الطريق الصحيح يتلوها - أو ربما يسبقها إن أرادت الحكومة إصلاحاً جذرياً - التقدم بمشروع قانون بديل لقانون الجمعيات الحالي· القانون الجديد يجب أن يحترم الدستور وينطلق من قاعدة أن حرية إنشاء هذه الجمعيات هي الأساس والمنع هو الاستثناء· كما على الحكومة أن تبين مدى قدرتها على تحمل كل تفاصيل الحكم الديمقراطي دون انتقائية ممجوجة تضخم من خلالها ما تريد من أسس الديمقراطية وتهمل ما ليس لصالحها تطبيقه· إن حرية تكوين الجمعيات حق أساس ضمنه دستور 1962 وجميع المواثيق الدولية التي صادقت عليها الحكومة وعليها الالتزام التام بها· ففي المجتمعات الديمقراطية لا تحتاج أي مجموعة من الأفراد إلى موافقة الحكومة المسبقة أو اللاحقة كي تقيم لنفسها جمعية أو اتحاداً أو نقابة أو أي شكل من أشكال التجمع المدني، ولا حاجة لها لإشهار من الحكومة أو دعم مادي· بل تحرص كل الجمعيات والمؤسسات المدنية أو الأهلية على اجتناب قبول أي دعم مادي من قبل حكوماتها، لما في ذلك من إخلال باستقلاليتها ومكانتها بين الجمعيات الأخرى· الدور الذي يمكن للحكومة اتباعه في هذه الحالة هو مراقبة مدى التزام هذه الجمعيات وغيرها من المؤسسات بقوانين البلاد وعدم الإخلال بها كما لها أن تتحقق بين فترة وأخرى من عدم تلقي هذه الجمعيات لدعم من جهات خارجية سواء كانت هذه الجهات دولاً أو جماعات، اللهم إلا إذا كان ذلك بعلم الدولة وموافقتها· الرقابة الحكومية تشمل كذلك تأكدها من أن هذه الجمعيات لا تدعم جهات خارجية تضر بمصلحة البلاد وأمنها كدعم تنظيمات أو جماعات إرهابية بصورة مباشرة أو غير مباشرة· الحالات التي تحتاج مؤسسات المجتمع المدني التسجيل لدى الحكومة فيها هي عندما تمارس هذه المؤسسات جمع الأموال وترغب بإعفائها من الضرائب لارتباطها بعمل الخير· الدور الحكومي هنا يراد منه التأكد من ارتباط تلك المؤسسات بالعمل الخيري المعفى من الضرائب من جهة، والتأكد من طرق إنفاقه، كي لا يدعم عمل غير خيري من الأموال العامة من جهة أخرى· إن هذا الموقف المتردد من قبل الحكومة لا يعكس سوى خشيتها من تطبيق المبادئ الديمقراطية وضيقها بالرأي الآخر، ولا أدل على ذلك من استثناء نادي الاستقلال من "لفتتها الكريمة" المسربة· فإلغاء قرارها بإغلاق نادي الاستقلال وهو القرار الذي خالف القانون والدستور يفترض أن يكون أسهل وأيسر على الحكومة من تغيير قانون الجمعيات بكامله، خصوصاً وأن كل المبررات والحجج الجائرة التي استخدمت لإغلاقه قد انتفت الآن· اللهم إلا إذا كانت الحكومة غير راغبة في إعلان أسبابها الحقيقية وراء إغلاق النادي وإزاء ذلك ليس أمامنا إلا افتراض أن إغلاق نادي الاستقلال وعدم الرغبة في إعادة فتحه مرة أخرى يأتي ضمن التحالف غير المبدئي بين أطراف في الحكومة والجماعات الدينية التي استخدمت واستفادت من ضرب القوى التقدمية والديمقراطية طيلة العقدين الماضيين· الآن تضطر الحكومة تحت ضغوطات المجتمع الدولي لتحجيم الحليف المحلي ولو بحركات إعلامية لا تعكس توجها أو تصوراً واضحاً أو منهجاً· فهي تطلب من الجماعات الدينية أن تقدم لها تصوراً حول كيفية تحجيمها· فتقدم الحكومة على خطوة صغيرة ثم تردد وتعتذر لحلفائها بامتداحهم وكأنما لا يمكن لأي قوة أخرى في المجتمع الكويتي القيام بالعمل الخيري إلا إذا انتمت لجماعات الدين السياسي أولاً·
على الحكومة أن تعلن موقفها من هذا القانون بشكل واضح وعلى لسان المسؤولين فيها ونتمنى أن تكون هذه بداية صحوة ولو متأخرة لإلغاء بقية القوانين غير الدستورية والتي تحد من الحريات التي كفلها الدستور ومواثيق حقوق الإنسان الدولية كقانون الانتخاب الذي يحرم المرأة؛ نصف المجتمع من التصويت والترشيح وقانون التجمعات وقانون المطبوعات والنشر، أو أن تكفينا الحكومة - على الأقل - شر حليفها الذي ينوي إلغاء الدستور عن طريق إقرار مزيد من القوانين المتعارضة مع نصه وروحه كقانون العقوبات الشرعية أو أن يقر قوانين تحرم الإنسان من حرية الاختيار في التعليم كقانون منع الاختلاط الذي ينتقص من حريات الأسرة في أن تختار لأبنائها التعليم في جامعات مشتركة أو غير مشتركة· هذا القانون يمثل أحد أشكال التعسف حيث تستخدم "الأغلبية" بصورة مطلقة دون أدنى اعتبار لأحد أهم أسس الديمقراطية وهو أن الأغلبية لا يمكنها أن تقرر ما يتعارض مع الحقوق الممنوحة في الدستور ولا يحق للأغلبية أن تلغي النظام الديمقراطي ولا يحق لها تعديل الدستور إلا لمزيد من الحريات· فهل نأمل بدور حكومي جديد ينتصر لمبادئ الدستور ونحن نحتفل بسنته الأربعين، لعلنا لا نحلم!!!