كتب محرر الشؤون السياسية:
انهارت دولة طالبان فجأة، تفتتت وتبددت وتلاشت· وتناثر ما تبقى من شظايا في الصحارى والجبال والكهوف· وتذكر الناس ذلك التحدي الجاهلي للعالم من قبل طالبان والاستهزاء بالقصف وقاذفات B52 وانتظار قوات الطلبة الأميين أن يأتيهم الأمريكان والإنجليز الحمر بعمليات مشاة لينازلوهم بالسكاكين، وفي الكويت تذكر الناس ذلك التشابه الغريب بين انهيار قوات الطغمة الطالبانية الباغية وانهيار قوات الطاغية العراقي بعد أربعين يوما من القصف الجوي وهربها في ليلة حالكة السواد، وتذكروا العنجهية والرعونة والطغيان وتذكروا التفتت والتبدد والفرار·
وشاهد الناس عبر الفضائيات دخول المنتصرين لمزار الشريف وكابول وغيرها والناس يرقصون بفرح على صدح الموسيقى في حالة ابتهاج بزوال الغمة وطوابير حلاقة اللحى التي امتدت حتى الى من كان يحتفظ بلحية قبل طالبان تعبيرا عن التحرر من الكابوس وامتلاك المقومات الأساسية للكرامة الإنسانية·
وسرت في الكويت موجة من الابتهاج على ما حل في طالبان ليس تشفيا واستمتاعا بمصائب وضحايا الحرب بل للأمل الذي بدأ ينبعث لوضع حد لمعاناة الشعب الأفغاني البائس من جهة ولسقوط نموذج الدولة الدينية الفاشية المتطرفة الذي مثلته طالبان والذي أصبح النموذج الذي يحتذى به في منطقتنا وفي بلدنا من جهة أخرى، هذا النموذج الطالباني - وإلى ما قبل أيام - كان قبلة أنظار منظمي الندوات من الجماعات الدينية في الكويت وكان موضوع كتابهم الرئيسي في الصحف، الذين غالبا ما يذرون الرماد في العيون بتنديد لفظي بالإرهاب ثم يدعمون طالبان بل يتباهى بعضهم بتشرفه بمعرفة المتطرف المعتوه سليمان بوغيث·
وفي مواكبة احتفالات الأفغان بتحررهم من طالبان والأفغان العرب الذين يعتبرون من قبل الشعب الأفغاني كقوة أجنبية مرتزقة محتلة· دشنت في الكويت احتفالات من نوع آخر إذ بدأت في جمعية الخريجين مساء الثلاثاء الماضي احتفالية العام الأربعين لولادة دستور دولة الكويت وهي إن اختلفت في طبيعتها المباشرة عن احتفالات الشعب المقهور والمحرر في أفغانستان إلا أنها تلتقي معها في أنها تحتفي بقيم الحرية والكرامة الإنسانية والتصميم علي الدفاع عنها·
ولم تكن الندوة التي أقيمت في تلك المناسبة حدثا عاديا أو عابرا فلقد تحولت بفضل تفاعل الناس العفوي والغريزي الذي يستشعر المخاطر إلى تظاهرة شعبية فاجأت المنظمين مثلما فاجأ رجال الأمن الذين لم يحسبوا حساب التجمع الكبير فحضروا متأخرين والى درجة أن أحدهم مازح بعض من كانوا في الخارج قائلا·· “ها·· ردينا على دواوين الاثنين؟!”·
ولم تكن ملاحظة رجل الأمن خارجه عن مكانها بل كانت في الصميم، فاحتفالية الدستور تنطلق كأول رد فعل شعبي في مواجهة هجمة شرسة تستهدف دستور الكويت لتخريبه من الداخل وإسقاطه· والقضاء على الحريات الأساسية للشعب الكويتي التي حققها عبر تاريخه وجسدها في نصوصه·
وهي هجمه أخطر بكثير مما تعرض له الدستور في السابق عندما عطلت السلطة أحكامه مرارا وحاولت تنقيحه للاستئثار والانفراد بالحكم·
في تلك الحالات كان أعداء الدستور محدودين ومعزولين وآفاق المعركة للدفاع عنه واضحة لأبناء الشعب· ولكن هذه المرة المتربصون بالدستور يجدون لهم حلفاء أساسيين وفاعلين ومتحركين ومع الأسف من أبناء الشعب فاستطاعوا أن يضللوا قطاعا من المجتمع من خلال التذرع بالدين والتستر به ومزجه بالنعرات الجاهلية مع الإغراق وتيسير المستعصي بالأموال “الخيرية” التي تجمع من جيوب حسني النوايا من المواطنين·
هم الآن يرفعون شعارات تطبيق الحدود الشرعية بتعديل الدستور تحت مظلة الدين الإسلامي الحنيف وهو منهم براء ليحولوا الكويت إلى دولة دينية وطرح نسخة كويتية لدولة طالبان المنهارة· هم الآن يحاولون التغرير بالناس برفع شعارات الدين وشعار “القرآن هو دستورنا” مثلما رفع جماعة معاوية المصاحف على أسنة الرماح متذرعين بتحكيم شرع الله في وجه الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بينما كانوا هم يهدفون فقط إلى الاستيلاء على السلطة السياسية في البلاد والهيمنة على مقدراتها وعلى حياة الناس·
ولذلك، جاء رد الفعل الشعبي العفوي في كثافة الحضور ونوعيته ليمثل قطاعات واسعة من المجتمع ومن جميع الأعمار ومن الجنسين وفسر سياسي كويتي بارز التحشد الشعبي المفاجئ قائلا: الكويتيون ما يظهرون بهذا الشكل إلا عندما يشعرون بالخطر· والخطر الذي أمامنا حقيقي فتعديل المادة الثانية من الدستور وطرح موضوع مثل العقوبات الشرعية والحدود يعني اللي راح يشرع ويسن القوانين ملالي وشيوخ دين واللي يطبقون القوانين ويصدرون الأحكام هم أيضا ملالي ورجال دين·
فالمطلوب تعديل المادة الثانية من الدستور لكي ينص على أن تكون الشريعة “المصدر الرئيسي للتشريع” بدلا من النص الحالي وهو أن الشريعة هي “مصدر رئيسي للتشريع” وعندما يطبق ما يريدون ينتهي مجلس الأمة ويبقى شكلا فقط لأن كل موضوع مهم سيأتي من يقول هل هذا متطابق مع الشريعة أم لا؟ سيحال الأمر الى لجنة من الشيوخ للفتوى فيه وهم الذين سيقررون ما يعرض وما لا يعرض على المجلس· وهذا سيفرغ الدستور تماما ولكن بالإضافة الى ذلك، الناس كلها تعرف أن معظم المشايخ اللي عندنا ينتمون إلى أحزاب دينية، وهذه لها ارتباطاتها المعروفة خارج البلاد، يعني تنظيم الإخوان العالمي الذي يؤيد صدام وأيده إلى العظم أثناء الغزو هو الذي يسير إخوان الكويت حتى لو تخفوا تحت اسم الحركة الدستورية وبن لادن سيحكم من خلال ارتباطاته بالإخوان والسلف والسلفية العلمية وتفرعاتهم وشظاياهم· يعني الكويت ستحكم بالفعل من شريحة واسعة من ذوي الاتجاهات والانتماءات تبدأ من عبدالله العلي إلى سليمان بو غيث مرورا بالطبع بحاكم المطيري الذي صدق أنه أصبح حاكما بالفعل فأخذ يكفر الناس·
وأضاف أن هذا يهدد بتقويض الدستور وتقويض الدولة وأمنها، ونلاحظ أن الهجمة التي تمت لتغيير المادة 2 من الدستور والدفع بزخم لتطبيق الحدود جاءت مواكبة للعمليات الإرهابية على نيويورك في 11 سبتمبر وتصاعد حملة بن لادن وتحدياته لأمريكا وتكفيره لحكام المنطقة ومطالبته برحيل القوات الأمريكية عن الكويت والسعودية مع مساندته لنظام صدام· وهذا الزخم واحد في أفغانستان وعندنا ومترابط ومتناغم في سبيل إقامة الدولة الدينية ونموذجها دولة طالبان على حساب كل ما نطمح إليه كشعوب من تقدم وعلى حساب حرياتنا ونظامنا الدستوري وربما فوق جثثنا لا سمح الله·
لكن يضيف السياسي الكويتي، “ربك ما يطق بعصا” الحمد لله أن زخمهم أصابته صدمة عنيفة محطمة والآن نشوف هذه الدولة الدينية الطالبانية تتحطم وتتفتت، وتنقشع غمامة الفكر الجاهلي المتحجر التي خيمت على سماء أفغانستان الكئيبة وعلى سماء منطقتنا· تبخرت تشتتت وطارت طالبان وتلاشت في الجو مع تلال وأتربة أفغانستان· لكن “إحنا مهمتنا ما انتهت”· في الواقع مهمتنا بدأت فالكويت والسعودية ودول الخليج أصبح لديها تركة ثقيلة من الفكر المتحجر والخطر الذي يعتنقه بعض أبنائنا بسبب تغرير أحزاب الإسلام السياسي بهم، نريد أن نحميهم من خطورة الفكر الذي يحملونه ونريد تصحيح وعيهم وحماية النشء من أن يصابوا بعدوى بن لادن وأمثال بن لادن، لكن الآن أمامنا مهمة تبدأ بحماية الدستور وتثبيته كمظلة لحرياتنا ثم توسيعها مثل ما نص الدستور· معركة لتصحيح مسار الكويت وحرياتها المختطفة من قبل الفكر الرجعي والإرهابي الذي أخذ يهيمن على حياتنا ابتداء من مناهجنا الدراسية ومدارسنا ومساجدنا وإعلامنا· معركة لتجفيف الأموال التي تغذي هذا الفكر وتعطيه بقوة لتوسيع تنظيمي وكسب المؤيد والمال·
ويستطرد السياسي الكويتي: إحنا، وأنا أقصد جميع الكويتيين الذين يحبون حرياتهم ويتشبثون بالأسلوب الحر الذي يعيش فيه الكويتيون حياتهم وهم الغالبية الساحقة، أمامنا مهمة إحداث هزيمة ساحقة بالفكر الطالباني وبطالبان الكويت وأنصارهم وأمثالهم، على غرار الهزيمة التي حدثت في أفغانستان، وهذا يتطلب عملاً مضاعفاً وتحمل مسؤولية بشكل مضاعف لاستنهاض جميع القوى الحية والفاعلة في المجتمع الكويتي الحر وتوحيدها للدفاع عن نفسها وعن مستقبل أبنائها خصوصا أن الزمن والظروف الآن مهيأة على المستويات المحلي والإقليمي والدولي وهي في الواقع فرصة من فرص العمر يجب أن لا تفوّت، “واضرب لما تكون الحديدة حامية”· ولهذا ما حدث في جمعية الخريجين يفتح الأمل ولكن يجب أن يدفع به بزخم وأن يتصاعد·