رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2 - 8 رمضان 1422هـ الموافق 17 - 23 نوفمبر 2001
العدد 1503

“الأحكام السلطانية والشعر” ضمن أنشطة برنامج “الطليعة” الثقافي
د· البغدادي: “الأدبي” دعّم وفسّر وكشف مغاليق “الشرعي” ·· وحل محله!

كتب المحرر الثقافي:

ضمن أنشطة البرنامج الثقافي الخاص بـ”الطليعة”، أقام القسم الثقافي محاضرة للدكتور أحمد البغدادي أستاذ الفكر السياسي الإسلامي في جامعة الكويت بعنوان “الأحكام السلطانية والشعر”، حضر الأمسية التي أقيمت في قاعة رابطة الأدباء عدد من الأدباء والصحافيين، وقدمها الزميل نشمي مهنا·

بدأ د· البغدادي محاضرته بالحديث عن أهميته كتب الأحكام  السلطانية كمؤلفات فقهية تتناول السلطة والحاكم وإدارة دار الإسلام وعلاقتها بغير المسلمين، والتي تتأسس على المصادر الشرعية الإسلامية من قرآن وسنة نبوية واجتهاد وقياس وتاريخ دار الإسلام والمسلمين· فتأتي تلك المؤلفات “نقية” على حد تعبير البغدادي فيما يخص مرجعيتها الفكرية، وبعيدا عن شوائب التداخل بالثقافات الأجنبية مثل الثقافة الفارسية واليونانية والهندية والصينية·

وقال إن كتب الأحكام السلطانية ثابتة في أبوابها حيث يبتدئ البحث في الإمامة ثم الوزارة ثم الإمارة ويتدرج في بحث مختلف المناصب العليا في دار الإسلام· ويشير البغدادي إلى أن الماوردي قد خالف الآخرين في مناهج بحثة “الأحكام السلطانية والولايات الدينية”، وتفرد بتقديم الشعر ضمن السياق الشرعي، ذلك لأهمية الشعر في موروث المجتمع العربي، ولشاعرية الماوردي نفسه وحبه للقريض·

ثم يشير البغدادي إلى كتاب “قال ابن عباس·· حدثتنا عائشة” للباحث السعودي د· فهد العرابي الحارثي كأولى المحاولات للبحث في علاقة الشعر بالقرآن، ثم يعتمد المحاضر في شرح تلك العلاقة على المستوى التاريخي والمعنى الاصطلاحي على كتاب الحارثي، كخطوة للانتقال إلى “الأحكام السلطانية” للماوردي، لتفسير هذا التآخي بين الأدبي والشرعي·

يستعرض البغدادي مستويات “التآخي” بين الأدبي والشرعي عند الحارثي·

فالمستوى الأول: وهو من اشتراع القرآن نفسه حيث التآخي بين النص والتفسير كمحاولة لاكتشاف النص حيث يحرص المفسر على إبراز الإعجاز القرآني في البلاغة·

المستوى الثاني: يحمل حالة ومعنى المواجهة كما هو الحال مع المشركين حين قالوا: إن القرآن شعر وإن النبي ([) شاعر، ذلك أن القرآن جاء لإثبات عجز العرب في مجالهم الخاص بهم (الشعر وهو منجزهم البلاغي)·

هذا التحدي وضع “الشرعي”، الوحي، الجديد المقدس في مواجهة “الأدبي” البشري القديم التقليدي· وبذلك أقصى القرآن - ضمن سياق المنافسة - الشعر عن المنزلة المتقدمة التي كان يحتلها لدى العرب عامة·

الثالث: وهو المستوى الذي يستند فيه الشرعي إلى الأدبي ويعول عليه ويستفيد من إمكاناته، وحيث يتم إدراك أهمية دور “الأدبي” والشعر بالذات في فهم الوحي من جهة تأكيد الإعجاز والاستشهاد بالشعر لفهم التفسير والتأويل والاستنباط، وفك بعض مغاليق النص القرآني·

الرابع: مستوى يتعلق بالتأثير أو إنتاج المعرفة وإعادة إنتاجها من خلال تشكل نظرة جديدة لدى المؤمنين حول الكون والحياة والأشياء·

الخامس: توحيد الجزيرة العربية سياسيا ولغويا· فاللغة التي تكلم بها الله، هي التي التف حولها العرب وعبروا من خلالها عن فكرهم·

السادس: انتشار لغة القرآن، اللغة العربية التي أصبحت لغة الفاتحين، خارج الجزيرة العربية، بسبب ارتباطها بالدين·

السابع: مستوى مواجهة اللغة العربية كنسق ثقافي وفكري وإبداعي مع لغات وثقافات أخرى كالفارسية والهندية واليونانية·

الثامن: مستوى التآخي في إنتاج المعرفة الجديدة أثناء فترات الاستقرار الحضاري حيث تجاوزت اللغة العربية اللغات القائمة للبلاد المفتوحة، لتصبح لغة الحضارة والثقافات لغير العرب الذين عبروا عن إنتاجهم المعرفي الجديد باللغة العربية·

وأعاد البغدادي قول د· الحارثي في أن الشاهد القرآني والشاهد الشعري ظلا يتسابقان دائما لدى المفكرين والمثقفين عموما، وكانت النتيجة أن العصور الإسلامية اللاحقة لم تكن تحمل سوى التأكيد على الالتحام الشديد بين اللغة والدين أو ما هو “أدبي وما هو “شرعي” في الثقافة العربية·

الأحكام السلطانية

حالة دراسية

ثم انتقل د· البغدادي إلى أساس دراسته القيمة في ما اصطلح عليه “التآخي” بين الأدبي والشرعي من خلال قراءته الخاصة “للأحكام السلطانية” للماوردي، وفي ذلك قال إن هذا المؤلف يجسد هذا التآخي باستثناء نادر ضمن منظومة مؤلفات الفكر السياسي الإسلامي والتي تعرف بكتب السياسة الشرعية وأشار إلى ضرورة التفرقة وكتب السياسة الشرعية وكتب الأدب السياسي التي عرفت بـ “مرايا الأمراء” والتي لا تتخذ من هذا التآخي أسلوبا في عرض موضوعات الكتاب كما فعل الماوردي، باعتبار أنها مؤلفات شرعية لا يجوز لها أن تتجاوز المصادر المعروفة للشريعة الإسلامية قرآناً وسنة واجتهاداً وقياساً، وهذا ما جعل كتاب “الأحكام” متفردا بين المؤلفات الأخرى مع استبعاد كتاب يحمل العنوان نفسه للقاضي “أبو ليلى بن الفراء” يرى المحاضر أنه سرق كتاب الماوردي ونسبه إلى نفسه بسبب الصراع بين الحنابلة والشافعية· مثل كتاب “السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية” لابن تيمية، وكتاب “الطرق الحكيمة في السياسة الشرعية” لابن قيم الجوزية، وذكر البغدادي أن الماوردي قد تمكن باقتدار من أن “يوآخي” بين “الأدبي: الشعر” و”الشرعي”، ولكن بأسلوب خاص يتمثل في استخدامه “الأدبي”، معاضدا ومساندا وتابعا لـ “الشرعي”، هادفا في النهاية خدمة “الشرعي”·

وأشار إلى أن الأسلوب الذي اتبعه الماوردي في كتابه “الأحكام”·· ليس بجديد في حد ذاته، إذ كانت له سوابق في مسألة التآخي، كما في مؤلفاته التي سبقت كتاب “الأحكام”· مثل كتاب “أدب الدنيا والدين” و”نصيحة الملوك” و”تسهيل النظر وتعجيل الظفر” لكن تلك المؤلفات لم تكن مؤلفات فقهية، كما هو حال كتاب “الأحكام··” الذي يقع ضمن مجال “الفقه السياسي”·

ثم ذكر إحصائية بالاستشهادات الشعرية عند الماوردي وهي مئة وواحد وثمانون بيتا من الشعر، مقارنة بتسع وستين آية وأربعة وثمانين حديثا نبويا· مما يراه البغدادي تمكناً من الماوردي في الجانب الأدبي والشعري، وهو أمر نادر بين الفقهاء، واستشهاده بشعر أربعة وخمسين شاعرا متنوعين بين جاهلي وإسلامي ومخضرم، مثل الأفوه الأودي وكعب بن لؤي وزهير بن أبي سلمى والشماخ بن ضرار وحسان بن ثابت، ولم يتردد حتى في الاستشهاد بشعر أبي نواس وقيس بن حبابة وهو من الذين ارتدوا عن الإسلام وكذلك شعراء اليهود، مما يدل على توافر قدر كبير من التسامح الفكري أباحه الماوردي لنفسه في مجال لا يحتمل مثل ذلك، ألا وهو الفقه، ويشير المحاضر الى انسجام ذلك وفكر الماوردي حيث كان الفقيه الوحيد الذي تفرد بين الفقهاء بجواز ولاية الذمي لوزارة التنفيذ، وهو مأخذ لم يسلم من انتقاد الفقهاء له كالجويني وابن تيمية·

مستويات التآخي وأنواعها

يقول د· البغدادي إن ما كتبه الماوردي يمثل الثقافة الجديدة في دار الإسلام بعد أن أصبح التآخي بين الأدبي والشرعي في حال تبادل الأدوار بشكل تعاضد وتساند· لذلك تعددت وتنوعت مستويات التآخي بين الاثنين في كتاب الأحكام السلطانية، ليس فقط بين الأدبي والشرعي ممثلا بالنص القرآني، بل اتسع مدى هذا التآخي ليشمل السيرة النبوية والأحكام الشرعية خصوصا تلك الصادرة عن النبي ([) وكذلك الحدث التاريخي وعدد المحاضر أمثلة: في الباب الأول “في عقد الإمامة” حيث لم يجد الماوردي في الشرع ما يؤيد إقامة السلطة العامة في المجتمع، لجأ إلى “إجماع العقلاء” ثم يقدم الدليل “الأدبي” بما قاله الأفوه الأودي وهو شاعر جاهلي:

“لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا”

ويلاحظ أن تلك الأبيات الخالدة في الحكمة يستشهد بها في  كل زمان ومكان، بل وتتطابق مع آراء مفكري العقد الاجتماعي في الفكر السياسي الغربي، كما ويلاحظ أن “الأدبي” قد حل محل “الشرعي”، وهو أمر نادر الحدوث·

كما يشير إلى أن الماوردي في مواضع عدة في كتابه قد استخدم فيها “الأدبي” لتدعيم “الشرعي” وتأكيده على المستوى الإنساني باعتبار أن الشعر نزعة إنسانية نفسية في المقام الأول، وذلك في أكثر من موضع حيث تقدم الشرعي على الأدبي كدليل شرعي على الفكرة موضوع البحث، كما في الحالات التالية:

في معرض ذكر الماوردي لقول الله سبحانه {يا داوود إنا جعلناك في الأرض خليفة فاحكم بين الناس بالحق··) كدليل على ضرورة قيام الحاكم بنفسه على مراقبة أمور الدولة، أيد الماوردي، ذلك بقول لقيط بن معمر (لقيط الإيادي):

(وقلدوا أمركم لله دركم

رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

ما يتصل بالحكم الشرعي الخاص بما للزوجة من حق على الزوج في إتيان الفراش، وكان ذلك في عهد عمر بن الخطاب·

الحكم الشرعي فيما ورد في القرآن بالمن والفداء لأسرى الحرب كما في قوله تعالى (فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها)، جاء الماوردي بما يؤيد ذلك بفعل النبي ([) حين سمع شعر قتيلة ابنة النضر بن الحارث صاحب لواء المشركين يوم بدر بعد مقلته:

يا راكبا إن الأثيل مظنة

عن صبح خامسة وأنت موفق

ما كان ضرك لو مننت وربما

من الفتى وهو المغيظ المحنق

فقال النبي ([) “لو سمعت شعرها ما قتلته”· ويعلق الماوردي على ذلك بالقول “ولو لم يجز المن لما قال هذا لأن أقواله ([) أحكام شرعية·

استعان الماوردي بالشعر لتوضيح ما غمض في أحكام الخراج حيث بين مرجعية معنى القفيز الذي يزن ثمانية أرطال وثمنه ثلاثة دراهم، وذلك كما يقول الماوردي “لانتشار ذلك بما ظهر في جاهلية العرب بقول زهير بن أبي سلمى:

فتغل لكم ما لا تغل لأهلها

قرى بالعراق من قفيز ودرهم

وفي حكم قتل المسلم بالكافر كما فعل القاضي “أبويوسف” في عصر هارون الرشيد، فلم يوافق عليه الماوردي لأنه شافعي المذهب الذي يأخذ بحديث “لا يقتل مسلم بكافر”، فقد استشهد الماوردي بأبيات شعرية لمجهول تعارض حكم القاضي أبي يوسف، تقول:

يا قاتل المسلم بالكافر

جرت وما العادل كالجائر

جار على الدين أبو يوسف

بقتله المؤمن بالكافر

وبذلك استعان الماوردي بالأدبي لتأييد الشرعي

للتآخي مع الحدث

التاريخي

ذكر البغدادي أدلة أخرى لاستخدام الماوردي “الأدبي” للتآخي مع الحدث التاريخي في أكثر من حادثة مثل:

“ في غزوة بدر الكبرى حيث رثى كعب بن مالك، عبيدة بن الحارث وهو من شهداء بدر بقوله:

أيا عين جودي ولا تبخلي

بدمع وكفا ولا تنزري

واستشهد بشعر هند بنت عتبة حين قتل عبدها وحشي، عم النبي ([) حمزة بن عبدالمطلب حين بقرت بطنه وأكلت كبده:

نحن جزيناكم بيوم بدر

والحرب بعد الحرب ذات سعر

“ في غزوة الخندق سمح النبي ([) لعلي بن أبي طالب بمبارزة عمرو بن عبد ود بعد أن تردد المسلمون في مبارزته وهو القائل (عمرو بن عبد ود):

ولقد دنوت إلى النداء

لجمعهم هل من مبارز

ورد عليه علي بن أبي طالب:

أبشر أتاك يجيب صوتك

في الهزاهز غير عاجز

أني لأرجو أن أقيم

عليك نائحة الجنائز

وبارزه وقتله ويستنتج الماوردي من ذلك “جواز البَراز مع التغرير بالنفس”·

“ وفي حكم جواز قتل كبار السن والرهبان، استشهد الماوردي بمقتل دريد بن الصمة في حرب هوازن وهو يوم حنين، وقد جاوز مئة سنة من عمره ورسول الله ([) يراه فلم ينكر قتله، ودريد هو القائل:

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم وقد أرى

غوايتهم وأنني غير مهتد

“ وفي حكم جواز قطع الشجر والنخل لإضعاف العدو أو رأى فيه الإمام صلاحا للمسلمين، استشهد الماوردي بما فعله الرسول ([) في حرب بني النضير بقطع نخيلهم فقال شاعرهم سماك اليهودي:

ألسنا ورثنا الكتاب الحكيم

على عهد موسى فلم نصرف

ورد عليه حسان بن ثابت

هم أوتوا الكتاب فضيعوه

فهم عمى عن التوراة بور

وفي ذلك نزل قوله تعالى: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين)·

“ وفي قضية حروب الردة التي سادها اللاتيقن في بداية الأمر، استدل الماوردي بالشعر على ردة المرتدين ومن ثم جواز قتالهم، من قول زعيمهم حارثة بن سراقة:

ألا فاصحبينا قبل نائرة الفجر

لعل المنايا قريب ولا ندري

أطعنا رسول الله ما كان بيننا

فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر

سنمنعكم ما كان فينا بقية

كرام على العزاء في ساعة العسر

“ استعان الماوردي بالشعر لشرح سبب إقامة حلف الفضول في دار ابن جدعان الذي شهده رسول الله ([) قائلا: “ما لو دعيت إليه لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم”، ويقرر الماوردي بأن تأكيد النبي ([) هو حكم شرعي في جواز قيام مثل هذه الأحلاف وإن كان فعلا جاهليا دعت إليه السياسة·

“ في وصف الكعبة وتاريخ بنائها اعتمد الماوردي على الشعر الجاهلي في أكثر من موضع كما في استشهاده بقول عامر بن الحارث في المشهور من شعره:

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيس ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلها فأبادنا

صروف الليالي والجدود العواثر

“ وفي باب الحمى والأرفاق (من الأراضي)، يستشهد الماوردي بتاريخ الجاهلية لمعرفة معنى ذلك شرحا وتفسيرا لمعنى مصطلح “الحمى”، بقول العباس بن مرداس بما كان يفعله كليب بن وائل حيث كان يأتي بكلب على مرتفع من الأرض ثم يستعويه (يجعله يعوي)، ويحمي ما انتهى إليه عواؤه من كل الجهات، ويشارك الناس فيما عداه حتى كان ذلك سبب قتله:

كما كان يبغيها كليب بظلمه

من العز حتى طاح وهو قتيلها

على وائل إذ يترك الكلب نابحا

وإذ يمنع الأقناء منها حلولها

في تفسير غريب

القرآن واللغة

ينتقل البغدادي إلى جانب آخر “للتآخي” عند الماوردي حينما لجأ - في حالة واحدة - إلى الشعر لتفسير غريب القرآن لشرح معنى كلمة “مكة” التي ذكرت في الكتاب الكريم باسمين: مكة وبكة، حيث قيل إن “مكة” مأخوذة من قولهم تمككت المخ من العظم، أي أن مكة، تمك الفاجر وتخرجه منها، على ما رواه راوية العرب، الأصمعي بقوله:

يا مكة الفاجر مكي مكا

ولا تمكي مذجحا وعكا

أما في قوله تعالى {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا} قال الأصمعي، وسميت بكة لأن الناس يبك بعضهم فيها أي يدفع، وأنشد:

إذا الشريب أخذته أكّه

فخله حتى يبك بكّة

وفي تفسير اللغة يقول البغدادي إن الماوردي في أحكامه السلطانية استعان بالشعر ليفسر معنى سواد العراق، حيث بين أن العرب يجمعون بيّن الخضرة والسواد في الأسامي كما قال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب وكان أسود اللون :

وأنا الأخضر من يعرفني

أخضر الجلدة من نسل العرب

أو قول الشاعر

سقتم إلى الحق لهم وساقوا

سياق من ليس له عراق

في ختام محاضرته يعود د· البغدادي إلى رأي د· الحارثي في أن ابن عباس الذي يمثل الجيل الثاني من الصحابة، هو الذي ابتدأ عصر التآخي بين الأدبي، الشعر تحديدا، والشرعي، القرآن تحديدا، وذلك بعد زوال تحرج الجيل الأول من الصحابة في اللجوء إلى الشعر لتفسير غريب القرآن، خشية أن يلهيهم الشعر عن القرآن، إضافة إلى انشغالهم بمسؤوليات المجتمع الجديد في المدينة، ودون إنكار لتوظيف الشعر في تلك المرحلة الأولى لخدمة الدعوة الإسلامية·

ويشير إلى أن ما ساعد على هذا الانفتاح على الأدبي هو مرونة الموضوع السياسي وعدم اعتباره من أصول الدين كما يرى كثير من الفقهاء مثل إمام الحرمين أبي المعالي الجويني الذي قرر أن “معظم مسائل الإمامة عّرية عن مسالك القطع خلية عن مدارك اليقين”، وذلك في كتابه “غياث الأمم في التياث الظلم”، وقد ساعد هذا الانسياح الفكري الماوردي على أن يتوسع في استخدام نزعته الأدبية فكان ديوان العرب: الشعر، له مرجعا فكريا وزادا ثقافيا، يغترف منه بذاكرة موسوعية وثقافة واسعة، كما يشاء لتعضيد الحكم الشرعي في موضعه، ولتفسير الحدث التاريخي المؤدي إلى حكم شرعي، وأحيانا الموقع الجغرافي والغموض اللغوي·

بعد فتح باب المداخلات والنقاش علق الأستاذ الشاعر أحمد السقاف على التفسيرات اللغوية التي ذكرها المحاضر لـ “مكة”، حيث أرجع السقاف أصل التسمية إلى اللغات الآرامية لتأخذ معنى “بيت العبادة”، مستدلا على ذلك بتسميات أخرى واردة في التاريخ مثل “بعلبك” أي “بيت بعل”، الشاعر د· خليفة الوقيان تمنى على د· البغدادي التوسع أكثر في هذا المبحث الذي رأى جدته، وعدم التطرق له من قبل الباحثين، كما رأى في موضوع الدراسة استجلاء لصورة الفقه الشرعي في أزمانه الأولى وسماحته، واتساع أفق أهله وعلمائه في قبولهم للأدبي، واستشهادهم به، دون نفور أو تحريم·

طباعة  

إضاءات
 
من أوراق ندوة منتدى الفكر العربي
أبو عودة: بوادر تفكك النظام الأبوي السياسي في الوطن العربي

 
الحمد: تغيب الإدارة السياسية أهم مظاهر الإخفاقات العربية
 
قصة قصيرة
 
خبر ثقافي
 
شعر
 
وتد
 
أخبار ثقافية