رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2 - 8 رمضان 1422هـ الموافق 17 - 23 نوفمبر 2001
العدد 1503

قصة قصيرة

التوقـــــــــيع··

هبة بو خمسين

أمسكت القلم بدأت تضرب به الدفتر·· جالسة على مكتبها في المنزل قضمت أظافرها حتى كادت تلتهم اللحم! إنه توتر ممزوج بانتشاء· غدا·· سوف يُدفع مركبها للأمام خطوة· سبع سنوات من الجهد والكد والتعب· أشبعتها كلمات الشكر والتقدير فما عاد لها أي مفعول لديها· زيادة في المرتب لمرة أو مرتين لا·· لم تعد كافية·· ولم يعد هذا حدود منالها·

بدأت ترسم أشكالا تليق باسمها· إنه مميز·· “صابرين” مليء بالحروف حتى يبدو التوقيع لافتاً للانتباه· بإمكانها التطويل أو التقصير فيه·· تفصّله كمصمم محترف تبتسم حينا وحينا تعبس لا، ليس هكذا··”·

قاربت الساعة من منتصف الليل· مرّ بها زوجها، رأى انفعالها الظاهر، فهي في الحزن تبالغ·· وفي الفرح تبالغ·· لا تستطيع النوم! كما هي عادتها، عملها يأتي على قمة هرم اهتماماتها· كم من مرة هددها زوجها بالانفصال· تأخير في العمل·· العمل أيام العطل، كان ينقصها فقط المبيت في تلك الشركة! ولكن كل ذلك يهون، فهي تبني للمستقبل· واليوم جاءها الخبر يؤكد لها ظنونها ففي الغد يُعتمد الكتاب وخلاله سوف تزيد صلاحياتها في الشؤون الإدارية، حتى أنهم طلبوا توقيعها المعتمد· ياه! سبع سنوات من العناء، إنها حتى لا تملك توقيعا· ضحكت من نفسها في عتمة المكتب· لا نور سوى ضوء الأبجورة، أجواء رومانسية تعيشها وحدها بعد أن تركت زوجها يقصد الفراش خائب الأمل منها!

سرحت في خيالها·· وتلونت أحلامها· فهذه الخطوة لا بد من أن تكون مصحوبة بترقية، لا بد أن ترتفع في سلم درجات العمل· ومع الوقت سيأتونها بمكتب جديد·· أكبر من هذا، ولن تبقى جالسة بين باقي الموظفين هي الرئيسة القادمة لقسمها·

كلما صممت شكلا حاولت أن ترى انسيابية يدها عندما تخطه· كيف لم يكن لها توقيع من قبل! وتهكمت عندما عادت لذاكرتها المرتان الوحيدتان التي اضطرت للتوقيع بهما كاتبة اسمها فقط·· عقد العمل·· والإجازة السنوية اليتيمة التي طلبتها عنوة خلال السنين السبع إرضاء لزوجها وأبنائها·

كانت تعمل باستمرار لا تريد لأي أمر الحدوث دون علمها، توطد علاقاتها مع الجميع، خصوصاً كبار الموظفين على أمل· الجميع يحب لطافتها وأسلوبها الطري في التعامل مع الكل دون استثناء، والجميع يشفق عليها، على لهثها الواضح وراء المركز·· كلما سكبت الدموع شلالاً من خيبة الأمل عندما تتعثر وتسقط إثر تعلق رقبتها عاليا·· في السماء!

استقرت على تصميم يليق بشخصيتها· هي الموظفة المتميزة المتمكنة من كل صغيرة وكبيرة في عملها· “هذا هو توقيع رئيسة القسم”· وقررت أخيرا·· أن تنام·

وصلت إلى عملها أبكر من ساعاتها المبكرة المعتادة· كانت ممسكة بالقلم منذ الصباح·· متى يطلبون منها التوقيع! هاجس مضحك!

عطرها صارخ بالجميع “أنا هنا!”·· تجملت كأنها تستوقف كل من يمر بها·· “عفوا·· انظروا إلي!”·

نشطت كل حواسها، خاصة السمعية·· كلما رن الهاتف· تتوجس بلهفة مكالمة مدير الإدارة المنتظرة·

دعيت لاجتماع “تطوير عمل الإدارة”· اختارت مكانا بارزا·· حيث ترى الجميع ويرونها· وابتدأ المدير الكلام مذيل بكلام مرفق به بعض الأوامر والتعليمات، وسماء صابرين مكشوفة·· والشمس حارقة كلما صمت المدير وعاود الكلام مصحوبا بتنهيدة·· تكاد هي تقفز من على كرسيها لتردد مع قلبها·· “نعم·· نعم·· وبعد”، طال انتظارها· متى يتوجونها! ألن ينطق المدير بالقرار!

وهكذا هو الحال·· حتى انتهى مدير الإدارة من خطابه· أمر الجميع بالعودة لعملهم مع ضرورة التقيد بما دوّن في محضر الاجتماع· وبجملة عابرة نادى عليها·· “آه·· صابرين، كدت أنسى· رتبي مع السكرتيرة لإرسال توقيعك للاعتماد·· فسوف تقومين بالتوقيع مؤقتا على معاملات العمالة الوافدة!”·

ابتسمت كالبلهاء· فكل ما هو مطلوب منها التوقيع على معاملات ملّ المسؤولون منها لكثرتها· وكما هي دائما·· اتجهت إلى استراحة النساء·· أذنان حمراوان·· وإطلالة دمعة·

طباعة  

إضاءات
 
من أوراق ندوة منتدى الفكر العربي
أبو عودة: بوادر تفكك النظام الأبوي السياسي في الوطن العربي

 
الحمد: تغيب الإدارة السياسية أهم مظاهر الإخفاقات العربية
 
خبر ثقافي
 
“الأحكام السلطانية والشعر” ضمن أنشطة برنامج “الطليعة” الثقافي
د· البغدادي: “الأدبي” دعّم وفسّر وكشف مغاليق “الشرعي” ·· وحل محله!

 
شعر
 
وتد
 
أخبار ثقافية