الأستاذ عبداللطيف الحمد شارك بورقة تطرق فيها إلى ملاحظات حول خصائص النظام العربي الحالي، مثل رأيه قيام النظام العربي على أساس الانتماء الجماعي لأمة واحدة بكل مقوماتها· والسمة الثانية تتعلق بكون الدول العربية العنصر المكون لهذا النظام· أما الثالثة فهي أن النظام العربي ينطوي على أنساق عدة من العلاقات والروابط الثنائية والجماعية الرسمية وغير الرسمية التي تبرز في أطر تنظيمية كالجامعة العربية والمؤسسات والمنظمات المتخصصة والصناديق التمويلية والاتحادات· إن حصاد مسيرة النظام العربي يشير إلى نجاحات وكثير من الإخفاقات، ومن النجاحات جهود جامعة الدول العربية في إرساء قواعد العمل الاقتصادي العربي المشترك، وإنشائها مؤسسات وصناديق تمويلية· وكذلك انتقال اليد العاملة وقيام مشاريع عربية مشتركة، مثل مشروع الربط الكهربائي وربط شبكات الاتصالات وشبكات النقل العربية· أما مظاهر الإخفاق فهي كثيرة، وفي مقدمتها تغيب الإدارة السياسية الفاعلة على المستوى القومي، بل إن تداعيات الإخفاقات السياسية امتدت من البعد السياسي لتشمل المجال الاقتصادي إذ عجزت آليات النظام العربي ومداخله عن تحقيق التكامل الاقتصادي، وبالعكس فإن الواقع الراهن يشير إلى مزيد من التشتت·
ويعزو الحمد هذا الفشل إلى مجموعة من العوامل، ومن ذلك غياب الواقعية والمصداقية في طرح المداخل التكاملية، وعدم استقرار التوجهات السياسية الوطنية وغياب الإرادة السياسية وعدم إقحام العمل الاقتصادي في الخلافات السياسية·
ويوجز الحمد في بحثه هذا أبعاد الواقع الحالي للنظام العربي بجملة من الأمور· وأول هذه الأمور التجزئة السياسية المتمثلة في عمق النوازع الوطنية على حساب العمل القومي المشترك، واشتداد الاتجاه إلى الانفراد والقطرية، والأمر الثاني هو الشرذمة الاقتصادية التي تتمثل في تجزئة الدول العربية إلى وحدات اقتصادية منعزلة كل منها عن الأخرى، برغم فقرها وضعف إمكاناتها وهذا التشرذم هو السبب في ضعف الأداء الاقتصادي والإداري والاجتماعي والتعليمي ويزيد من حدة المشكلة هنا ضآلة النمو الاقتصادي والارتفاع الكبير في معدلات التزايد السكاني (مئة مليون عام 1970 مقابل 280 مليون نسمة عام 2000) تمثل الشريحة العمرية دون 15 سنة منها نسبة %43 ولعل القصور السلبي للنمو السكاني يتضح أكثر بتعمق ظاهرة الفقر في الدول العربية، إذ إن %22 من السكان لا يزيد متوسط دخلهم على دولار واحد يوميا·
هذه الصورة تزداد قتامة وتعقيدا حيال ضعف القطاع الخدمي المطلوب لمواجهة هذا النمو السكاني· فخمس السكان لا يحصلون على المياه النقية، وثلثهم بلا خدمات صرف صحي، ونصفهم بلا مساكن صالحة، ونحو ربعهم يعاني من الأمية، كما أن نسبة عشرين بالمئة من إجمالي قوة العمل العربية عاطلة عن العمل· لقد كان مأمولا أن تأخذ الصناعة التحويلية دورا كبيرا في تحسين الصورة الاقتصادية العربية وتحريكها، لكن هذه الصناعة لا تزال ناشئة وتواجه منافسة قوية محليا وخارجيا ولا تزيد قيمة الصادرات العربية على 28 في المئة من إجمالي الواردات الصناعية·
الأمر الثالث هنا هو محدودية المسيرة التكاملية وانحصارها في ما يسمى العمل الاقتصادي العربي المشترك، الذي يشمل الصناديق العربية الإنمائية ومجالس ذات طبيعة تكاملية رسمية واتحادات نوعية للمنتجين ومشروعات مشتركة أو أجهزة علمية عربية· وهذه كلها إنجازات محدودة برغم دورها في تحقيق تقارب عربي عربي·
ويقول الحمد إن ذلك كله لم يحل دون قيام المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمواجهة هذه التحديات، بوضع لبنة أساسية للتوجهات التكاملية، بإقرار البرنامج التنفيذي لمشروع منطقة تجارة حرة عربية كبرى، وإزالة القيود غير الجمركية الإدارية والفنية والمالية والنقدية والكمية·
والأمر الرابع والأخير من هذه السمات في هذا البحث هو محدودية الفعل المؤسسي للنظام العربي· إن تعزيز النظام العربي أمر كبير الأهمية بغرض تفعيل كل ما يتعلق بها من هياكل وآليات ومنظمات على كل المستويات، الوطني والعربي المشترك، وتحديدا الأمانة العامة لجامعة الدول العربية التي كلفت قيادتها الجديدة من قبل القمة العربية بالتعاون مع المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالعمل على دعم الجهاز الفني في الأمانة العامة·
ويختتم الحمد بحثه بالقول إن النظام العربي يتضح من واقعه أن التصدي لتحدياته وتناقضاته يشكل نقطة فاصلة في إعادة بنائه وتعزيز مسيرته· ولا بد من التبصر في معاينة الواقع، لأن إصلاح النظام العربي يقتضي إصلاح الدول القطرية نفسها وإعادة بنائها المؤسسي، وتوفير الخيار الديموقراطي ووضعه في موقعه اللازم، والاحتكام إلى القانون واحترام الحرية الفردية·
ومما لا شك فيه أنه في ظل مثل هذه الإصلاحات يمكن للدول العربية أن تخطو للأمام في طموحاتها التكاملية والإنمائية، وتقليل آثار الخلافات السياسية في العمل المشترك اقتصاديا، وجعل هذه العلاقات في منأى عن الخلافات السياسية بربط الاقتصادات العربية بعضها ببعض فيتحقق العمل التكاملي الذي يصعب تفكيكه·