ضمن فعاليات ندوة “آفاق التعاون العربي بين الإقليمية والعالمية” التي أقامها منتدي الفكر العربي بالتعاون مع المجلس الوطني والثقافية والفنون والآداب·
شارك أ· عدنان أبو عودة (المستشار السياسي السابق للعاهل الأردني الراحل الملك حسين والملك عبدالله) بورقة بعنوان “مستقبل النظام العربي”·
حلل فيها أبو عودة النظام العربي من خلال مؤسسة جامعة الدول العربية، ووظيفتها المنصوص عليها في ميثاقها· أما بالنسبة للأداء فيرى أنه غالبا ما يشكل موضوع النقد والبحث باعتباره المعيار الرئيسي للحكم على أهلية النظام·
وعلى هذا الأساس، يعتبر أن مشكلة النظام الإقليمي العربي لا تكمن في غياب الأسس التي تمنحه القدرة على الوجود والانبعاث والتجدد· وتعرض لقضيتين حول عدم نضوج واستقرار ونجاح جامعة الدول العربية كمؤسسة، والثاني يتعلق بامتلاك الواقع العربي الحوافز اللازمة لتفعيلها في ضوء الواقع الدولي· ليصل إلى أن الأزمة في اللبس المفاهيمي، أي في عدم وضوع الرؤية حول هل إن هذا النظام تعبير أيديولوجي عن الوحدة العربية أو وسيلة لتحقيقها، أم هو ترتيب تعاقدي بين أطراف مستقلة هدفه خدمة مصالحه السياسية والأمنية والاقتصادية والثقافية؟”· ويضيف: إن جذور هذه الأزمة قد تلازمت ونشوء الجامعة العربية·
وأشار أبو عودة إلى أن المحك المعياري هنا كان الموقف من القضية الفلسطينية، وهو توتر ظهرت مؤشراته الأولى بعد عامين من نشوء الجامعة، حيث وجد النظام العربي نفسه يخفق في تحقيق الأهداف العربية المعلنة فيما يخص القضية الفلسطينية، وهو إخفاق شكل مع عوامل أخرى سبيلا لتعميم التوتر المقيم في الدول العربية في محيط اتفاقية سايكس - بيكو، حتى صار توترا عربيا شاملا·
وقد حكم هذا التوتر مسار العلاقات البينية العربية طوال سنوات الحرب الباردة، وتمخض عن سلبيات من بينها طغيان البعد السياسي في هذه العلاقات على الأبعاد الأمنية والاقتصادية· والحال، فقد وجد بعض الأطراف من النظام العربي غموضا مفهوميا لهذا النظام، واتخذ منفذا لتبرير عدم الالتزام بقرارات الجامعة العربية·
ويرى أن هذا الغموض على مدى النصف الثاني من القرن العشرين أسهم بإدامة قضايا خلافية في مسار النظام العربي إقليميا ودوليا· ومن هذه القضايا يعدد أبو عودة قضية الوحدة العربية التي حكمت بطغيان المفهوم الأيديولوجي القومي على مفهوم التعاون الإقليمي العربي، وبخاصة على خلفية القطبية الثنائية في ظل الحرب الباردة·
ولا يجد الباحث بدا من اعتبار هزيمة يونيو 1967 العسكرية بداية تلاشي الغموض المفاهيمي للنظام العربي لصالح مفهوم النظام الإقليمي العربي، وهو مفهوم أخذ يتجذر في خطاب النخب العربية بعد حرب أكتوبر 1973·
وثاني هذه القضايا الخلافية هي القضية الفلسطينية والموقف منها، أما الثالثة فهي القضايا الحدودية التي انخفض عددها بشكل ملحوظ، كما تراجع عدد القضايا الأمنية - وهي الرابعة هنا - أيضا ليحل محلها قضايا جديدة تتعلق بالتنظيمات السياسية المعارضة التي اعتمدت الإرهاب إحدى وسائل العمل السياسي· وأخيرا هناك قضية خامسة هي قضية الصدع الذي أصاب الجسم العربي نتيجة غزو الجيش العراقي دولة الكويت عام 1990·
وفيما يتعلق بالسؤال الثاني “هل الواقع العربي على خلفية الواقع العالمي يمتلك من الحوافز والأدوات ما يسمح له بتفعيل النظام الإقليمي العربي؟”، قال الباحث إن حقبة طغيان النظام الأيديولوجي لم تكن دون نجاحات· وذكر بعض هذه النجاحات وفي مقدمها التضامن العربي مع الدول المهزومة في حرب 1967، والدول المحاربة عام 1973 ومع القضية الفلسطينية ولو في أدنى المستويات المطلوبة·
ويضيف أبو عودة أن هناك عدة حقائق إقليمية ودولية لا بد من الالتفات إليها لتحديد إجابة عن هذا السؤال، ومن أبرزها رسوخ مفهوم الدولة القطرية العربية بصفة شاملة، وتشابه المشكلات الداخلية في هذه الدول في الاقتصاد والتعليم والمجتمع، وشبه غياب للأحزاب الوطنية والقومية الليبرالية وغياب التعددية، ويضاف إلى هذه الحقائق ما ظهر من بوادر انفكاك نفسي عن النظام الأبوي السياسي، ما أدى إلى تمهيد الطريق أمام مجتمع مدني تحتل في إطاره مشاكل السكان وحقوقهم ومصالحهم مكانة أولى· وإلى ذلك فهناك أيضا بروز متزايد لمشاعر السخط نحو سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وتحكمها وهيمنتها بعد حقبة الحرب الباردة· وترافق ذلك بتجدد الشك في جدوى السياسة العربية نحو السلام مع إسرائيل، وتنامي الشعور بالعجز العربي·
ينتقل الباحث إلى البعد الدولي حينما يشير إلى أن ظروف العولمة ومنظمة التجارة العالمية قدمت تحديات أمام العالم الثالث والأمة العربية جزء منه، كما أن ثورة المعلومات قد أثرت في تطور الوعي وفي توحيد المفاهيم لدى الشعوب العربية في مختلف دولها، وبخاصة نتيجة الدور المهم الذي لعبته الفضائيات والاتصالات· ولعل من أهم الاعتبارات الدولية في هذا الصدد تبني الدول الغربية المانحة سياسة الربط بين حصول الدول النامية للمعونات الخارجية بالتزام هذه الدول بتنفيذ سياسة إصلاحات إدارية وسياسية واقتصادية لديها· كل ذلك أدى في نظر الباحث إلى إنتاج توترين في داخل الوطن العربي: الأول يتمثل في ظهور قوى تغيير مقابل القوى المحافظة في الدولة القطرية، ويتمثل الثاني في علاقة حكومة الدولة القطرية الخائفة من تفجر أوضاعها الداخلية وبين الدول المانحة والمؤسسات الدولية الكبرى (مجلس الأمن، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي··)·
وأضاف: وكان من نتائج انشغال الدولة العربية بهذين التوترين أنها فقدت القدرة على المبادرة واتباع سياسة دفاعية توسلية· وأخيرا فإن الباحث يحدد معنى مصطلح المستقبل العربي بواحد من أمور ثلاثة: فهو إما يعني التنبؤ بمستقبل الإقليم العربي باستخدام منهج المقايسة، أو ذلك المستقبل الذي يتمناه المرء، أو ما يتوجب عمله لتطوير وتحسين صورة الواقع مستقبليا· وفي أي حال، يختم أبو عودة، فإن تطوير نظام عربي إقليمي يكمن في تعظيم الإيجابيات التي نشأت بالتجربة وعقلنتها وتثبيتها، والعمل على تنمية الوعي وهو دور المفكرين والمثقفين ودور المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، وهو يكمن أيضا في التطوير الهيكلي والتشريعي للجامعة العربية وإعادة الاعتبار إليها، وفي قيام الجامعة برعاية بذرة السوق العربية المشتركة وإيجاد دراسات سليمة توفق بين اندفاع الدول العربية نحو اتفاقات التجارة الحرة مع منظمات إقليمية أخرى· “وأخيرا ينبغي الأخذ بالاعتبار الحاجة إلى الاحتذاء بدولة عربية مثال للديمقراطية والتنوير، والاتجاه للتعامل مع الغرب الأمريكي على أساس موازنة المصالح والندية”· غير أن ذلك كله يبقى أمرا نظريا إن لم يتحقق توسع فعلي في مساحة حرية التعبير والعمل على زيادة التفاعل بين النخب الحاكمة وغير الحاكمة من خلال تفعيل ودعم المجتمع المدني ومراكز البحث·