بقلم: د· وليد خدوري**
تحفل وسائل الإعلام الغربية هذه الأيام الكثير من المقالات والأخبار والبرامج الوثائقية حول إمكانية الاستغناء عن النفط العربي· ومن نافل القول إن هذه الحملة هي جزء لا يتجزأ من الحملة الأكبر التي يتم شنها عبر وسائل الإعلام ضد الأقطار العربية كافة بعد الهجوم الذي حصل في الولايات المتحدة يوم 11 أيلول/ سبتمبر· وما يعطي هذه الحملة بعض المصداقية هو التصريحات حول بعض الإجراءات التي من الممكن أن تتخذ هنا وهناك، مثل احتمال زيادة المخزون الاستراتيجي الأمريكي أو تصريحات المسؤولين الروس عن استعدادهم لكي يصبحوا المزودين الأساسيين للنفط في المستقبل·
ما هي الحقيقة وما هي بعض التصورات المحتملة في هذا المجال؟
الحقيقة الأولى أن الأقطار العربية معرضة في الأشهر والسنوات المقبلة لحملة ضخمة لم تشهدها المنطقة في تاريخها المعاصر· ومن غير المعروف حتى الآن إطار وأبعاد هذه الحملة، وبالذات فيما إذا ستخلط الحابل بالنابل بحيث يصبح العمل السياسي الفلسطيني من أجل إقامة دولة فلسطينية مشروعاً إرهابياً كما هو ممكن تصوره من خلال قانون مكافحة الإرهاب الذي وافق عليه مجلس الأمن في الشهر الماضي، أو أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير صادق في كلامه هذه المرة حول إقامة دولة فلسطينية مستقلة· كما أنه من غير المعروف كم سيفلح التحالف القائم الآن ما بين اللوبي الصهيوني واليمين الجمهوري في تأليب الرأي العام الأمريكي الغاضب ضد العرب، وما هو المدى والبعد السياسي الذين يريدون أن يصلوا إليه وما هو المخطط حقيقة لبعض الدول العربية مثل العراق؟·
حتى الآن، تحاول الحكومتان الأمريكية والبريطانية وضع أطر معينة للحملة العسكرية· إلا أن هذه المحاولات تواجه صعوبات حقيقية نتيجة للضغط الشعبي في الولايات المتحدة من جهة، وبالذات مع ازدياد مشكلة الجمرة الخبيثة، وللحملة الإعلامية من جهة أخرى والتي مردها محاولة اللوبي الصهيوني تعمية أي رؤية إيجابية للوصول إلى مرحلة متقدمة وإيجابية وملموسة لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني· وما تعامل الإدارتين العلني مع المملكة العربية السعودية من جهة والتعامل المناقض لذلك من قبل الإعلام من جهة أخرى إلا مثال بسيط للصراع القائم بالذات في واشنطن حول التأثير على القرار والأبعاد التي من الممكن أن تأخذها الحرب الحالية·
الحقيقة الثانية أن النفط جزء أساسي من الحملة المعادية ضد العرب هذه الأيام - فهناك من يحاول تضخيم القرار الذي من الممكن أن تتخذه الإدارة الأمريكية من أجل زيادة المخزون الاستراتيجي النفطي، وهناك من يحاول أن يضخم من الإمكانات النفطية في منطقة بحر قزوين أو روسيا وكأن تطوير الاحتياطات هناك ستغني العالم عن النفط العربي· كما هناك من يحاول أن يرسم صورة قاتمة لمستقبل النفط وكأن البدائل الطاقوية الأخرى، ومن ضمنها استعمال خلايا الوقود، متوفرة وجاهزة للاستعمال غداً·
من الواضح أن تطوير بدائل نفطية أو طاقوية عملية تأخذ وقتاً طويلاً - سنوات بل عقود من الزمن· كما أنه من الواضح أن العالم، ومنذ اليوم الأول الذي تم فيه اكتشاف الفحم ومن ثم النفط وبعده الغاز الطبيعي، هو في عملية مستمرة ومتواصلة لاكتشاف مصادر طاقوية جديدة ومتعددة ومتوزعة على دول وقارات مختلفة· ومن الواضح أيضاً أن الدول الصناعية الغربية تحاول منذ منتصف السبعينات إيجاد بدائل جديدة للنفط، سواء أكان ذلك من خلال اكتشاف وتطوير حقول جديدة مثل بحر الشمال، أو استعمال مكثف لبدائل طاقوية مثل الغاز الطبيعي، أو تطوير تقنية جديدة محل “ماكينة” الاحتراق الداخلي في السيارة مثل بطارية خلية الوقود· وأخيراً، ومن الواضح كذلك أن الدول تحاول كل جهدها في عدم الاعتماد على مصدر نفطي واحد من بلد معين أو بديل طاقوي معين في جميع استعمالاتها للطاقة· لذا نجد أن الدول تستورد النفط من أقطار منتجة متعددة وتستعمل البنزين والديزل في المواصلات والغاز الطبيعي أو الفحم أو الطاقة الذرية في توليد الكهرباء·
ماذا يعني كل هذا؟ هل أن الأوضاع ستستمر كما كانت عليه بالنسبة للنفط، أي لا تغير يذكر ويبقى الاعتماد على البنزين والديزل في المواصلات والاستيراد من نفط الشرق الأوسط·
أعتقد أن الصورة ستتغير - فالحروب عادة تخلق أوضاعاً جديدة غير واردة سابقاً - فهناك تحالفات سياسية جديدة ومهمة - وهناك بعض الأقطار التي ستستغل علاقاتها الجديدة مع الولايات المتحدة من أجل تحسين وضعها التفاوضي والحصول على امتيازات اقتصادية لم تكن متوافرة لها سابقاً - يبقى السؤال كم كمية الإنتاج والتصدير من هذه المناطق وغيرها؟ وهل ستفي بالغرض؟ أي هل ستفي بحاجات العالم من النفط؟ أم ستلعب دوراً هامشياً مهما؟ فبحر الشمال، رغم أهميته، ينتج اليوم حوالى 5.5 مليون برميل يومياً من مجموع الإنتاج العالمي البالغ 75 مليون برميل يومياً، والإنتاج من بحر قزوين ليس بالأمر السهل لأن الأنابيب تمر في دول سياسية مضطربة والمنطقة معرضة للقلاقل أكثر مما هو الوضع في الشرق الأوسط· ورغم كل هذا وذاك فإن المؤشرات تدل على انخفاض في احتياطات الحقول العملاقة والقديمة في حدود %4 سنوياً· هذا يعني أنه إذا أخذنا بعين الاعتبار نمواً اقتصادياً طبيعياً طوال هذا العقد وانخفاضاً طبيعياً في احتياطات الحقول الحالية، فإن العالم سيحتاج في نهاية هذا العقد حوالى 30 مليون برميل إضافي، أو حتى أكثر· والسؤال الطبيعي هو من أين سيستخرج هذا النفط وأين هو ذاك البديل عن الشرق الأوسط؟
طبعاً في نهاية المطاف المهم في الأمر ما هو وضع الاقتصاد العالمي، وهل هو صحي أم لا؟ ففي الأوضاع الاعتيادية تبلغ كمية الزيادة السنوية في الطلب على النفط حوالى 1.5 مليون برميل يومياً، وهذه كمية كبيرة ومهمة لا يجب أن يستهان بها وحسب المعلومات المتوفرة حالياً من الصعب خلق توازن في العرض والطلب واستقرار والأسعار على مستوياتها الحالية دون نفط الشرق الأوسط·
الحقيقة الثالثة هي أنه من واجب الحكومات والشعوب العربية الانتباه بحذر ودقة للوضع الجديد الذي نحن فيه الآن· فهناك فترة سياسية صعبة مقبلة ستلقي أعباء جديدة على المنطقة· وفي الوقت نفسه فإن هذه المسؤوليات السياسية والعسكرية نفسها ستخلق أوضاعاً اقتصادية جديدة· لذا من الواجب هذه المرة على الأقل، حيث تواجه واحدة من أخطر العواصف التي لحقت بالشرق الأوسط، عدم الاستمرار بالتعلق بالفرضيات نفسها والنظم الاقتصادية التي تم تبنيها سابقاً· فمن المحتمل جداً ألا تستطيع هذه المعطيات القديمة الصمود أمام تحديات المرحلة المقبلة أو حتى التعامل معها· لذا من الواضح، وبغض النظر عن موضوع الاعتماد على نفط الشرق الأوسط لأن هذا الموضوع أساسي للاقتصاد العالمي كما نعرفه حالياً، فإنه قد آن الأوان أن نراجع بدقة المسيرة الاقتصادية المحلية والإقليمية والإنطلاق في مسيرة جديدة تعتمد على الإنتاجية والشفافية والتعاون الإقليمي والدولي·
* ينشر بترتيب مع جريدة “الخليج” الإماراتية
** رئيس تحرير نشرة “ميس” النفطية المتخصصة