“هل وصلت أمريكا إلى فرنسا”· هكذا سأل عمر ابن الرابعة أحد سكان بيت ريما، وهو يرتجف في حضن والدته حين كانت أصوات إطلاق النار تسمع بلا انقطاع في خارج المنزل· إطلاق النار كان يصدر من طائرة هليوكبتر عسكرية ودبابات ورشاشات ثقيلة وبنادق هجومية· وكانت تسمع أيضاً جلجلة سلاسل الدبابات ومحركات عشرات العربات العسكرية الأخرى·
لم يكن عمر الشخص الوحيد الذي ربط ما كان يجري في بيت ريما بالحرب في أفغانستان·
أحد الجنود الإسرائيليين، ممن طوقوا ثلاثة منازل فجرها الجيش الإسرائيلي لاحقاً، قال لأحد سكان المنازل: “إن كنت تسألني (أقول لك إن أسامة بن لادن) موجود الآن في بيت ريما”· وقد نقل ذلك أحد سكان المنازل الثلاثة في هذه القرية التي تؤوي أربعة آلاف· واستناداً إلى الجيش الإسرائيلي، جاء الفدائيون الذين فجروا مطعم “سبارو” في القدس والذين اغتالوا وزير السياحة الإسرائيلي من هذه القرية·
ما حدث في بيت ريما في الأسبوع (قبل) الماضي هو صورة مصغرة عما يحصل في الأراضي المحتلة في الأشهر الاثني عشر الماضية، لما كانت إسرائيل تستعمل قوة عسكرية كبيرة حتى تظهر للفلسطينيين قوة الجيش الإسرائيلي·
الانطباع الأولي الذي خرج به المراسلون الصحافيون من دخول القوات الإسرائيلية إلى بيت ريما هو أن هذه القوات كانت تقاتل فلسطينيين مسلحين· وقائد لواء “ناحال” العقيد يائير غولان قال للمراسلين إن “نيراناً أطلقت على القوات الإسرائيلية قبيل دخولها القرية· وقد رد الجنود الإسرائيليون على النار تساندهم طائرات الهليكوبتر”·
صار وصف المجابهة بين الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين أيضاً نصاً معيارياً في السنة الماضية: أي أن القوتين المتجابهتين هما (على سبيل الافتراض لا الدقة) قوتان متكافئتان بمجرد أن إحداهما تجابه الأخرى، وأن الجيش الإسرائيلي لم يبدأ إطلاق النار إنما (على سبيل الادعاء) كان يرد على أعمال بدأها الفلسطينيون·
يدعي الجيش الإسرائيلي أيضاً أنه “قبيل بدء العملية في بيت ريما تلقى الفلسطينيون تعليمات بأن يبقوا في مواقعهم وأن لا يظهروا أي مقاومة· ربما كان ذلك هو ما حصل، وربما لا تكون هناك حقيقة في تقرير من مصادر فلسطينية أن الإعلان جاء في الثالثة صباحاً، أي قبل ساعة من استخدام طائرات الهليكوبتر الإسرائيلية الأسلحة الثقيلة لقصف قاعة بيت ريما البلدية وموقع قوات الأمن الوطني الفلسطيني· واستناداً إلى الجيش الإسرائيلي وعلى الرغم من الإعلان، فتح ضباط أمن فلسطينيون كانوا موجودين في قاعة البلدية النار على القوات الإسرائيلية فإذا كانت النار أطلقت على القوات الإسرائيلية من قاعة البلدية، فلماذا أطلقت طائرة هليكوبتر إسرائيلية النار بلا انقطاع على المبنى الجاهز لقوات الأمن الفلسطينية الساعة الثانية صباحاً؟ في هذا المكان لقي ثلاثة أشخاص حتفهم وجرح ثلاثة آخرون·
كان هناك نحو عشرة ضباط شرطة في مخفر الشرطة المحلي، أو على سبيل الدقة في مخفر الشرطة الموجود في كرم زيتون حيث كان ضباط الشرطة يقضون لياليهم في الآونة الأخيرة لخوفهم من تعر ض المخفر للقصف· وهناك، قتل ضابطان وأصيب خمسة بجروح· ويقول الجيش الإسرائيلي إنه “كشف هوية نحو عشرين مسلحاً فلسطينيا أطلقوا بعضهم النار على القوات الإسرائيلية”· فهل وجه هؤلاء المسلحون الفلسطينيون نيرانهم إلى الهليكوبتر الإسرائيلية؟ أو إلى العدد الكبير للجنود الإسرائيليين الذين بلغوا القرية على الأقدام وكانوا غير مرئيين إلى حين أطلق النار عليهم ضابطان فلسطينيان حاولا الفرار وأصيبا بنيراهم؟ ربما· فقد شهد عضو في قوات الأمن الفلسطينية أنه سمع نحو 50 طلقة من بندقية “آي· كي - 47” (كلاشنكوف) إنما بعد أن فتح الإسرائيليون النار· ولم تحدث إصابات في صفوف الإسرائيليين·
في أحد المنازل التي تم تفجيرها، عبر جنود الجيش الإسرائيلي عن مزيج من الإعياء والقوة· فبينما كان عدد من الجنود ينقلون المواد المتفجرة إلى المنزل، كان عدد من زملائهم مستلقين على أسرة العائلة على الأرض يرتاحون· وقد بقوا هناك ساعات عدة، في حين كانت الأم وأطفالها الخمسة واقفين عند السلم الداخلي وهم يستأذنون بمغادرة هذا الجزء من المنزل حتى يذهبوا إلى غرفة الغسيل فقط·
في الانفجارات الثلاثة القوية، أصيبت المنازل المقابلة بأضرار جسيمة· وطارت الملابس من الخزائن المخلعة لتسقط على أغصان الشجر· وهكذا نزل على بيت ريما وقرى أخرى في المنطقة غضب شديد· وهذه المنازل هي، كما أوضح الجيش الإسرائيلي، منازل إرهابيين فلسطينيين كانوا متورطين مباشرة في هجمات إرهابية دامية وقاسية·
بيت رابع التهمته النيران وإن لم يكن صاحبه “إرهابياً” فالجنود الإسرائيليون لم يصدقوا الجيران أن أهل البيت عالقون في رام الله بسبب الحصار المفروض على الجزء الشمالي للبيرة، فمن خلال نافذة كسروها، ألقى الجنود الإسرائيليون قنبلة مسيلة للدموع وقنبلة صوتية إلى داخل البيت المقفل· وهكذا أشعلت القنبلتان حريقاً التهم كل شيء في البيت·
هناك دائماً تباين بين التقارير الفلسطينية والإسرائيلية، لكن توجد أحياناً فروق غريبة بينها· وفي هذه الحالة المعينة، أفاد الفلسطينيون بأنهم “قاموا بشدة” التقدم الإسرائيلي فأوقفوه لاسيما في اتجاه مخيم اللاجئين· ومن جهة ثانية، أفاد الجيش الإسرائيلي أنه لم يلق مقاومة شديدة·
ويعرف الفلسطينيون أنه في وجه استعراض القوة الإسرائيلي لايتمتع أبناؤهم المسلحون بغير فرصة ضعيفة في المقاومة، فأحياناً يكون التعبير الملائم عن المقاومة في مثل هذه الظروف هو “الانتحار”·
يوضح الجيش الإسرائيلي أن العملية كلها في بيت ريما، بما في ذلك تفجير البيوت الثلاثة، “نفذت في إطار محاربة الإرهاب الفلسطيني، والهدف الذي ينبغي درؤه بأكبر قدر ممكن هو وقوع هجمات إرهابية أخطر”· فهل استخلص الفلسطينيون استنتاجاً مماثلاً من استعراض قوة الجيش الإسرائيلي؟ في اليوم الذي أعقب العملية قال أحد القرويين إنه يأمل في أن يتكاثر عدد من تسميهم إسرائيل إرهابيين· في هذه الأثناء، كان عمر يسأل والدته: عندما نموت هل نستطيع على الأقل أن نرتاح في الجنة بعد كل هذا”·
(هآرتس)
بقلم: أميرة هاس
مراسلة الصحيفة في رام الله