رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4-10 شعبان 1422هـ الموافق 20-26 أكتوبر 2001
العدد 1499

بتصورات أولية
مؤسسة فيصل الحسيني

بقلم: شريف خالد الحسيني

يشعر الكثيرون بمدى الفراغ الكبير الذي تركه غياب القائد فيصل الحسيني لاسيما في هذه المرحلة التاريخية الفاصلة في حياة مدينتنا بل باستمرار وجودنا الإسلامي - المسيحي والعربي - الفلسطيني·

وإن كان كثير ممن درسوا تاريخنا الفلسطيني خلال القرن التاسع عشر والقرن العشرين، قد سجلوا غياب “المؤسسة” بمفهومها العام، وخصوصاً صفة الاستمرار والديمومة، سواء في ظل وجود الأفراد البارزين أو عند غيابهم، فإن إجماعاً عاماً يعتبر ذلك سبباً أساسياً لنجاح الحركة الصهيونية، وهي الأكثر تنظيماً وأكثر اعتماداً على وجود المؤسسات من الحركة الوطنية الفلسطينية، في تحقيق أهدافها·

لا يغيب عن بالنا الجهد الكبير الذي بذل من قبل القيادات الوطنية الفلسطينية في المراحل المختلفة في إيجاد “مؤسسات” فلسطينية - عربية (إسلامية/ مسيحية) لمواجهة الحركة الصهيونية·

وبرغم جميع التضحيات التي بذلت، منيت الحركة الوطنية الفلسطينية بهزيمة كبرى عام 1948، ومنيت بعد ذلك الحركة الوطنية العربية بهزيمة  متممة لما سبقها، فأصبح الوطن الفلسطيني بمجمله تحت سيطرة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل، كما خضعت أجزاء من الأراضي العربية في مصر وسورية ولبنان والأردن لتلك السيطرة·

إن جميع محاولات الرد على الهزيمة جاءت دون مستوى حسم الصراع العربي الإسرائيلي بما يحقق حقوق الشعب الفلسطيني/ العربي التاريخية في بلاده - بمعنى إلحاق الهزيمة التامة بالحركة الصهيونية والقضاء على وجود دولة إسرائيل - وليس في قولنا هذا انتقاص من قيمة التضحيات البشرية والاقتصادية التي بذلت في هذا الاتجاه·

تركزت المحاولات العربية على إيجاد الأطر المؤسساتية المرتبطة بالهدف الاستراتيجي النهائي، دون أن تنشأ إلى جانبها أطر مؤسساتية موازية لتحقيق إنجازات ذات طبيعة مرحلية أو فرعية، وكأن هناك شعوراً بالتعارض بين المرحلي والاستراتيجي إلى درجة اعتبارهما متناقضين·

إن العمل على إيجاد المؤسسات الوطنية ذات الأهداف المرحلية أو التخصصية لم يكن ضمن سلم أولويات القيادات الوطنية عموماً، وأي استعراض لمؤسسات العشرينات، مروراً حتى نهاية القرن الماضي في فلسطين تحديداً، يكشف غياب الاستمرارية بالنسبة لغالبية تلك المؤسسات· وهنا لابد من القول إن فكرة “التراكمية” في العمل تكاد تغيب عن تفكير أجيالنا جيلاً وراء الآخر· هل ذلك انعكاس لظاهرة اجتماعية ترفض فكرة العمل الجماعي أساساً وتعطي الفرد القيمة الأولى· هل الـ “أنا” هي الطابع المميز في مجتمعنا العربي على حساب الـ “نحن”؟

قلة نادرة من رموزنا الوطنية أدركت هذه الحقائق، وعملت بكل تواضع واستمرارية على تبنيها كمنهج عام للعمل الوطني·

ولعل أبرز تلك القلة برز فيصل الحسيني نموذجاً نادراً·

فمن يسترجع مراحل حياة فيصل الحسيني واحدة تلو الأخرى، يدرك كم كان ذلك الرجل مدركاً لدوره في العمل الوطني الفلسطيني·

وهنا نستذكر انتماءه في الخمسينات لتنظيم عربي، متفاعلاً مع رفاقه من أقطار عربية مختلفة في عملية بناء جماعية وذاتية، فكرية وتنظيمية ونضالية، ليتشكل منها حصيلة عقلانية كانت دوماً في صميم نضالات فيصل الحسيني على اتساع المراحل اللاحقة، هل ألخص محطات تلك المسيرة التي بقيت في فيصل حتى صبيحة الحادي والثلاثين من أيار 2001؟

نستذكره في عمله موظفاً في حكومة عموم فلسطين في القاهرة، جاداً في متابعة طلبات الالتحاق في الجامعات المصرية للطلبة الفلسطينيين، سيراً على أقدامه، متحملاً مصاريف الانتقال من جيبه الخاص، بنفس مثابر ومتواضع دون كلل· كان ذلك في تقديرنا جزءاً من إدراك الدور الذي عليه أن يعد نفسه له·

نستذكره في الدور الذي لعبه ضمن رابطة الطلبة الفلسطينيين أولاً ثم في صفوف الاتحاد العام لطلبة فلسطين فرع القاهرة من أجل ترسيخ وتدعيم تلك “المؤسسات” التي أدرك فيها مدرسة للبناء الوطني·

أستذكره في عمله في دائرة التنظيم الشعبي لمنظمة التحرير الفلسطينية، متجولاً من أقصى الضفة إلى أقصاها وذلك بهدف التعرف على ذلك المتبقي من الوطن شعباً وشعاباً· ألم يكن ذلك جزءاً أصيلاً في “قاعدة بياناته” التي كان يحدثنا عنها أحياناً؟ إنها بالتأكيد جزء من شبكة العلاقات تلك التي بدأ في بنائها·

نستذكره وقد التحق طالباً في الكلية العسكرية ليكمل حلقة مركزية في مداركه الوطنية، وليكون في موقع تهيئة نفسه ومن ثم بناء جيله لخوض معركة الكفاح الوطني الذي طرأ عليها التحول الجذري عام 1967·

نستذكره وقد عاد للوطن، خلافاً لكل قرار تنظيمي، ودون أن يحمل هوية تتيح له العمل أو التنقل في ربوع الوطن، مؤكداً في تلك المرحلة من حياته، انتماء “المولود في بغداد” أو “المهاجر بين المدينة المنورة والقاهرة” و”الدارس بين عواصم الوطن العربي”·

و”المتوفى في الكويت”، إلى شعبه ووطنه وقدسه، مرسخاً بذلك هوية لنفسه ولآخرين·

نستذكره حراثاً، وتاجراً للزيت، عامل استقبال في أحد الفنادق، أو عامل أشعة، وتاجراً متنقلاً في السبعينات ليكمل بذلك شبكة (التعرف التفصيلي إلى الوطن)·

نستذكره طالباً يعود للدراسة في بيروت، متفاعلاً مع قيادات العمل الوطني في الخارج تمهيداً لما كان يفكر به بالنسبة للمستقبل·

ثم يبدأ في العام 1979 - 1978 بوضع حجر الأساس في بنائه الوطني·

“جمعية الدراسات العربية” - إطاراً مؤسساتياً الخدمة الثقافة والحفاظ على التراث الوطني ونشر المعرفة العلمية عن الوطن وخصومه، ومنتدى للحوار الوطني بين التيارات السياسية الوطنية العاملة وإطاراً لعمل المحرومين منهم من الوظائف بسبب ذلك الانتماء، وفي نهاية الأمر إطاراً للعمل الوطني داخل الوطن المحتل تمهيداً للانتفاضة وما تلاها من تحرك سياسي في اتجاه مدريد وواشنطن·

ولعلنا لا نفشي سراً اليوم أنه بتلك النواة عمل علي تكوين العنوان الرمز للقدس الشرقية “بيت الشرق”، مكتباً له، يتابع من خلاله مهماته الوطنية والعربية والدولية· ثم خاض معركة  تثبيت هذا العنوان الرمز متحملاً أعباءه الكثيرة من مالية وغيرها· التي يعجز عن حملها الكثيرون· كان فيصل يعمل على فرض هذا الأمر الواقع الوطني في القدس مهما تطلب الثمن الذي كان يدفعه،  وقد دفع فيصل جهداً وأعصاباً ومالاً، دون تردد أو خوف·

لقد حاول فيصل تثبيت “مؤسسة” وطنية في القدس عاصمة دولة فلسطين تتابع المطلوب من أجل الانفكاك الفلسطيني عن المحتل، وبناء الترابط الفلسطيني - العربي، ببناء التصورات الوطنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، للمدى الزمني المنظور، وبإدراك أن لحظة تاريخية مقبلة تتطلب جاهزية فلسطينية لائقة للتعامل مع الظرف الجديد - أي ظرف جديد - وبشكل عملي ومستمر·

لقد سعى فيصل لإيجاد اللبنات الأولية لهذه المؤسسة· هل نجح في ذلك؟ في ظل طموح إسرائيلي لإفشال ذلك الجهد، وفي ظل فتور فلسطيني وفهم محدود لطبيعة هذه المهمة الوطنية؟ يقينا كان فيصلاً في ذلك يتابع مهمة اعتبرها في قمة مهامه الوطنية·

شاء الله أن يترجل الفارس في غير أوانه، ويأبى الوطن إلا أن يكتمل مشوار القائد فيصل الحسيني بعمل مؤسساتي جماعي يحقق ما كان يصبو إليه·

لم يمض وقت طويل على غياب القائد فيصل الحسيني، حتى بادرت سلطات الاحتلال إلى تنفيذ قرارها بالاستيلاء على بيت الشرق في أعقاب عملية الدولفيناريوم في تل أبيب ليلة السبت 2001/6/2، والتي حالت ظروف ومراسم العزاء في بيت الشرق يومئذ من تنفيذ قرار الاستيلاء في حينه، فتقرر تأجيل ذلك إلى وقت لاحق· ومما لاشك فيه أن قرار وزير الشرطة الإسرائيلي بمنع الاحتفال بالذكرى الأربعين للمرحوم فيصل قد جاء ضمن سياق الترتيبات المعدة تمهيداً لاحتلال بيت الشرق، ذلك الإجراء الذي جاء عشية تنفيذ العملية في شارع يافا في القدس الغربية يوم 2001/8/9·

مما لاشك فيه أن حجم الخسارة التي لحقت بالمؤسسة النواة (الجمعية) والمؤسسة الرمز (بيت الشرق) لم تكن من الحجم أو النوع الذي يمكن تجاوزه وفي ظروف كالتي تمر بالقدس وفلسطين عموماً· وكان من الصعب إيجاد الصيغة المناسبة لعودة المؤسسة إلى متابعة سيرها بالشكل المطلوب·

لقد استفاد العدو الحاقد من مجمل السلبيات التي ذكرناها ليوجه ما اعتبره إجراء “إلى الأبد”، ثم راح يتراجع عن ذلك بصيغ مرتبطة كلياً بالموقف السياسي العام وإمكانية الوصول إلى تسوية سياسية لتهدئة الصراع والعودة إلى متابعة الحوار·

وللحقيقة وللتاريخ، فإن فيصل الحسيني كان مدركاً لجوانب الضعف الذاتية والموضوعية، ولذا كان العمل منصباً نحو إيجاد الحلول المناسبة، وفي أقسى الظروف، لتتجاوز المؤسسة مرحلة الخطر التي بدأت تمر بها في الأشهر الأخيرة من حياته· لذا كان الجهد الاستثنائي للدفع بعجلة بعض الدوائر والمراكز والفعاليات إلى الأمام وإيلائها العناية المطلوبة لتكون أذرع المؤسسة التي ستستطيع العبور إلى بر الأمان· لقد كان فيصل مدركاً أن بعض أغصان شجرة “المؤسسة” قد باتت في حاجة إلى “تقليم” يخلصها من عبء الأغصان اليابسة·

إن عملية احتلال بيت الشرق، وإغلاق المؤسسات المقدسية الأخرى(ومنها مؤسسات كالمركز الفلسطيني لتطوير المشاريع الصغيرة، يعود الفضل لفيصل الحسيني في إنشائها ودعمها لتكون ذراعاً من أذرع عمله المؤسساتي في القدس)· إنما فيها اختبار للكفاءة والولاء والالتزام بنهجه  المتقدم إلى الأمام دوماً صعوداً، وإن بخطوات تراكمية صغيرة أحياناً، وصولاً لتحقيق القدس محررة وعاصمة لدولة فلسطين·

واليوم، نقف أمام “المؤسسة النواة” و”المؤسسة الرمز” مغلقتين بحكم قوة الاحتلال، فاننا شرعنا بعد غياب القائد بوقت قصير بإقامة “مؤسسة فيصل الحسيني” وتسجيلها قانونياً، لتكون الأداة الأساسية في ضمان استمرار دور القائد في غيابه، موجهاً وداعماً لكل ما سعى إليه من وجود عوامل القوة لمؤسساتنا المقدسية كافة وعلى رأسها “المؤسسة الرمز”·

إن “مؤسسة فيصل الحسيني” لن تأتي لتكون إضافة كمية للمؤسسات المقدسية الموجودة حالياً، بل تأتي إضافة نوعية ذات دور ريادي، تماماً كما كان فيصل الحسيني يحمل الهم العام ويقتسم الإمكانات بين مؤسسات القدس، مراكماً الديون للبنوك، مقدماً لمؤسسات المدينة أولاً ولأهلها الصامدين ثانياً ما يمكنهم من مواجهة سياسة التهويد بكل حلقاتها الخانقة·

لقد بات وجود “مؤسسة فيصل الحسيني” في ظل احتلال بيت الشرق وإغلاق عدد من المؤسسات الأخرى، ضرورة ملحة· ويقيننا أن تسعى المؤسسة لتحقيق دورها على أكثر من صعيد، وطني وسياسي واجتماعي، مستندة إلى الأطر التي أقامها القائد الراحل فيصل الحسيني وما يمكن أن تجنده هذه الكفاءات والإطارات من كفاءات وطنية وعلمية فاعلة·

طباعة