أبرزت أحداث الأسبوع (قبل) الماضي الأهمية والمطبات (الأشراك) التي تكتنف النقاش في الشؤون الدولية· ذلك أن جميع نواحي الحياة السياسية والاجتماعية تنطوي على الجدال والالتزام: وهذا يصح على نقاشات في قضايا مثل العائلة ودور الدولة في الاقتصاد والتعليم وأسباب الجريمة· لكن ليس هناك أي ناحية في النقاش العام تنطوي على هذه الجرعة العالية من الاستعراض والمعلومات الخاطئة واللاعقلانية بقدر ما تنطوي عليه القضايا الدولية·
هناك بعبارات عامة موقفان تقليديان ينشآن في ما يتصل بالقضايا الدولية - الركون إلى الرضا المغلف برداء الواقعية واللامسؤولية المنتصبة باعتبارها وعياً· هذان القطبان كانا جليين في ما يتصل بالقضايا الرئيسية للتدخل الإنساني في التسعينات (الكويت، البوسنة وكوسوفو) وهما حاضران في قدر كبير من النقاش في قضايا العولمة واللامساواة العالمية· وهما حاضران بشكل عظيم الوضوح في القضية المتصلة بما يكونه مستقبل النظام السياسي في أفغانستان·
بالنسبة إلى الواقعية الصرفة الفجة، يعتبر مجال العلاقات الدولية مجالاً للقوة واللاثقة وتجدد النزاع، أما الناس الأشد خطراً فهم أصحاب الخطط الحسنة النية الذين يفسدون الأمور وهم يحاولون أن يجعلوا العالم مكاناً أفضل: المساعدات الأجنبية، حقوق الإنسان، تخفيف الحراسات الأمنية، ناهيك عن التعليم في القضايا العالمية· فكلها محكوم عليها بالفشل·
في الأسبوع (قبل) الماضي، وفي واقعية افترائية نموذجية، واقعية تسند العقل الدولي المشروع إلى الدول وحدها، ألقى الرئيس بوش مسؤولية الأعمال الإرهابية، بين جملة من حملهم المسؤولية، على المنظمات غير الحكومية (كان عليه أن يقول لفظاً إنها المنظمات غير الحكومية) أما الأكثر شؤما فهي الأصوات (الجهات) التي تحمل الآن جدول أعمال واقعيا، التي كانت جاهزة للانطلاق صبيحة الحادي عشر من سبتمبر وصارت الآن تنطلق بكل حناجرها: بطاقات الهوية، ضوابط الهجرة، ومبادرة الدفاع الاستراتيجي· في مجال التنبؤ النظامي، كان الفائز الأكبر هو النظرية التي أول من تبناها صامويل هانتغتون عام 1993 القائلة إننا ندخل حقبة سيطغى عليها “صراع الحضارات”·
الرؤية البديلة من الواقعية تمتلك أجوبة على القدر نفسه من التسطيح وهذه الرؤية تفترض أن هناك طريقة قويمة غير مؤذية لحل مشكلات العالم، وأن هناك سبباً وحيداً معروفاً لما يمكن أن يكون غير صواب· قبل قرنين كان السبب (حسب هذه الرؤية) الملكية والحكم المطلق، اللذين وصما بأنهما سبب الفقر والجهل والحرب، وعبر القرنين الماضيين صارت الرأسمالية والإمبريالية (المسؤولة) والآن صارت العولمة· وبتحديد أكبر، تعتبر الولايات المتحدة (على نحو ما يدعي البعض) هي المسؤولة عن مآسي العالم - اللامساواة الدولية، إهمال حقوق الإنسان النزعة العسكرية، الأنحطاط الثقافي· لكن ليس واضحاً دائماً ما هو الذي تكون الولايات المتحدة مسؤولة عنه، سواء أكانت إدارة بوش، جميع الإدارات السابقة، كل أمريكا الشركاتية، هوليوود أو في ضوء تداعيات الحادي عشر من سبتمبر، كل الشعب الأمريكي أو كل الذين يختارون العمل معها أو كل الذين يجدون أنفسهم على مقربة من هذا الشعب·
ربما كانت كل من هاتين الرؤيتين الواقعية الفجة أو الرؤية البديلة كاريكاتورية غير أن القضايا التي تضمناها هي واضحة، بل ستكون أكثر اتضاحا في ضوء الأزمة التي لفت العالم· غير أن هناك بعض القضايا الجوهرية حيث يمكن على سبيل الاحتمال أن يكون عنصر العقلانية معززاً·
أولاً، التاريخ: فالكثير قيل عن الأسلاف· البعض تحدث عن الحروب الصليبية، البعض الآخر عن الجهاد، لكن صور الحروب الصليبية لا تعني كثيراً للذين يعيشون خارج العالم العربي - المتوسطي، أما الجهاد فهو تعبير غير مطابق للسبب القرآني الذي جعل جيوش الإسلام تحاول أن تقلب الذين غزتهم إلى الإسلام·
أما بالنسبة إلى الحرب الباردة، فقد ساهمت في حصتها في هذه الأزمة بل تحديداً في تدمير أفغانستان إنما بطريقة لا تريح غير قلة من الناس· وهناك قد يتحدث البعض عن نظرية “المزبلتين للحرب الباردة”: فإذا كان الاتحاد السوفييتي قد خلف قدراً عظيماً من الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية الفالتة والمشكلات الأثنية غير المنحلة، فإن الغرب أورثنا جماعة من عصابات القتلة من منظمة “يونيتا” (الجبهة الوطنية لاستقلال أنغولا التام بزعامة جوناس سافيمبي الذي رفض خطة السلام فانقلبت عليه الولايات المتحدة بعدما ساندته طويلاً في مواجهة النظام الشيوعي المدعوم من كوبا) إلى المجاهدين في أفغانستان·
هناك قضية أخرى ماثلة هي قضية الثقافة، فمتى يحدث “صراع حضارات” ينبغي أن يكون هناك طرفان وهناك لدى كلا الطرفين من يستغل النزاع الحالي حتى يرفعا شأنه (الصراع)، إن نظرية هانتنغتون تنسى ما يشكل السبب الأهم للأحداث في الأيام الأخيرة الذي يحدد في العالم الإسلامي عواقب ما سيحدث، أي تحديداً الصراع العظيم في قلب العالم الإسلامي بين أولئك الذين يريدون الإصلاح والعلمنة، وأولئك الذين يهدد الخطر سلطتهم، أو أولئك الذين يريدون انتزاع السلطة باسم الأصولية· هذا ما يشكل أساس النزاعات الدائرة في العقود الماضية في باكستان، إيران، مصر، تركيا، وبصورة أشد عنفاً أفغانستان·
إن لدى الأصوليين الدينيين في جميع المجتمعات غاية واحدة: هي ليست إجبار الآخرين على اعتناق معتقداتهم، إنما انتزاع السلطة السياسية والاجتماعية داخل مجتمعاتهم· أما عدوهم الأعظم فهو العلمانية·
القضية الثالثة، وربما الأعظم أهمية والأشد صعوبة الكامنة في أساس هذه الأزمة هي الطريقة الأشد فعالية ودقة في كيفية الدمج بين وسيلتي السياسة الدولية: القوة والديبلوماسية· طبقاً للقانون الدولي، يحق للدول أن تستعمل القوة للدفاع عن النفس· إن عنصر الثواب والعقاب هو جزء من أي نظام قانوني وطني أو دولي· فالأمم المتحدة ليس ذلك الملجأ السلمي فوق الوطني الأخير، إنما هي هيئة فوضت، طبقاً لميثاقها وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1368 في 12 سبتمبر، اعتماد العمل العسكري من جانب الدول في هذه الحالة·
في الوقت نفسه، ينبغي أن يتوازى أي استعمال للقوة في المستقبل القريب أو في نزاع طويل يتوعد به الطرفان، مع مبادرة ديبلوماسية وسياسية· وهذا يمكن أن يغطي كلاً من القضايا المنفصلة التي تجعل أزمة غرب آسيا الكبير أساس هذه القضايا، من كشمير إلى فلسطين، امتداداً إلى كوسوفو، لكن ينبغي قبل كل شيء أن تتصدى لمستقبل أفغانستان·
في هذا المجال، كانت الأمم المتحدة ناشطة منذ عام 1993 بدعم من الأعضاء الخمسة الدائمي العضوية في مجلس الأمن والدول المجاورة في الدعوة إلى تنصيب حكومة جديدة· وقد أصرت الأمم المتحدة على أن تكون هذه الحكومة ذات قاعدة واسعة، ذات تمثيل كامل متعدد الأثنية ومعارضة للإرهاب· وهذه غاية تتطلبها الأزمة الراهنة وتقربها من العقل· وهذه حكومة يقال إن الغالبية الساحقة للأفغان تساندها·
لقد أكد (سيغموند) فرويد (عالم التحليل النفسي) أن غاية التحليل النفسي هي خفض الهستيريا المفرطة إلى بؤس عادي· إن اشتعال الجدل العقلاني والتبصر الدقيق في القضايا الدولية هو القيام بذلك نفسه·
بقلم: فريد هوليداي
أستاذ العلاقات الدولية في “لندن سكول أوف ايكونوميكس”
(الغارديان)