رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 19-25 رجب 1422هـ الموافق 6-12أكتوبر 2001
العدد 1497

آسيا الوسطى: مغناطيس الطالبان

ترددت المخاوف بالنسبة إلى دول آسيا الوسطى من عواقب حرب ضد طالبان في أفغانستان، لاسيما طاجيكتسان وأوزبكستان، مراراً في الفترة الأخيرة· هذه المخاوف لا يعلنها علماء السياسة والخبراء فحسب، إنما يبدو أنها تكتسب مصداقية بين المواطنين العاديين في دو شنبه وطشقند حيث تنتشر تقارير عن شائعات مخيفة·

الطاجيك، الذين عانوا في الآونة الأخيرة حرباً أهلية دامية، يخشون من أن الثأر سيكون سريعاً ومحتوماً إذا انضمت طاجيكستان إلى التحالف المناهض لطالبان الذي تقوده الولايات المتحدة· ويشاركهم الأوزبك المخاوف نفسها· فوق ذلك، يخشى هؤلاء أن العواقب لن تأتي من أفغانستان وحدها إنما من الجماعات الإسلامية المتطرفة داخل طاجيكستان وأوزبكستان، مثل الحركة الإسلامية المسلحة لأوزبكستان التي تتمتع بدعم الطالبان·

لكن يكون من قبيل خداع النفس أن يرى المرء إلى ضربة محتملة تسددها الطالبان إلى آسيا الوسطى باعتبارها شيئاً جديداً ينبثق من أحداث الأسبوعين الأخيرين· فالضربة من طالبان ضد طاجيكستان وأوزبكستان قائمة منذ وقت طويل وتنفيذها قد لا يكون على سبيل الاحتمال غير مسألة وقت· في الواقع، تعهدت حركة “طالبان” منذ الأيام الحاسمة الأولى لإرساء حكمها، تعهدت بحذر أن تقيم الحكم الإسلامي في المركزين المسلمين التقليديين بخارى وسمرقند· حتى الآن، لم تتخذ حركة طالبان غير استعدادات بعيدة المدى لتنفيذ هذه الضربة مثل تقديم الدعم لمختلف الجماعات الإسلامية في آسيا الوسطى، من المتمردين المسلحين الذين يعارضون حكم رئيس أوزبكستان إسلام كريموف إلى نشاط “حزب التحرير” السري الناشط في أوزبكستان وطاجيكستان· ويعتقد أن هذه الجماعات تحضر أرضية لثورة إسلامية في آسيا الوسطى، هذه الأرضية التي تشكل جزءاً من مخططات طالبان·

الغريب، أن دول آسيا الوسطى، لاسيما طاجيكستان وأوزبكستان، فعلت الكثير لتعزيز قضية طالبان في المنطقة· وقد ساهمت في ذلك أيضاً روسيا والغرب من ناحية ممارستهما النفوذ لدى النخب الحاكمة في هذه البلدان· فعلى الرغم من البيانات العامة التصالحية بخصوص الإسلام، واصلت هذه الأنظمة متابعة سياسات مضادة جوهرياً للإسلام· هذه الأنظمة هي وريثة النظام القمعي الذي طغى أيام الاتحاد السوفييتي وألعوبة في يده، وقد أثبتت أنها عاجزة عن طرح المقاربة السوفييتة التي تنظر إلى الدين باعتباره خطراً يضاهي خطر التفكير الحر ينطوي على إمكانية تدمير قدرة الدولة على امتلاك قلوب المواطنين والأفئدة· وهذه المقاربة بقيت لزمن طويل مصدر توتر بين شرائح واسعة من الطاجيك والأوزبك الذين تتمتع القيم الإسلامية في عيونهم بأهمية عظيمة· وقد حدث ذلك أساساً في أوزبكستان التي يقع فيها وادي فرغانة حيث تقيم أكثر الحركات الإسلامية جذرية، ذات المركزين الإسلاميين المهمين تاريخياً بخارى وسمرقند·

هناك أرجحية كبيرة لتعزيز موجة الأسلمة في هذه البلدان في المستقبل المنظور· ذلك أن الناس من العاديين تخلوا منذ وقت طويل عن الاتحاد الذي رعته الدولة في النظام السوفييتي وانعطفوا بصورة طبيعية إلى طلب العون الروسي من الإسلام دين أسلافهم· وقد أخفقت السلطة السوفييتة على الرغم من الآلة القمعية وسبعة عقود من الحكم في استئصال الإسلام· في طشقند ودوشنبه تعتقد السلطات بسذاجة أنها ستنجح حيث أخفق أسلافها السوفييت: أي أن تكون قادرة على استخراج الولاء من الرعايا المسلمين في حين أنها تخضعهم للتمييز على أساس الاعتقاد·

إنها السياسة المعادية للإسلام رسمياً في طشقند ودوشنبه ما يخلق أرضية خصبة لنشوء أمثال الطالبان·

ينبغي أن تحقق آسيا الوسطى استقراراً في داخل نفسها ولنفسها بغض النظر عن حصول تدخل في أفغانستان أو عدم حصوله في المستقبل القريب· والاستقرار لا يمكن ضمانه إلا بنشوء نظامين معتدلين متنورين في طاجيكستان وأوزبكستان (سواء كانا إسلاميين أم علمانيين) مستعدين للتخلي عن المجابهة لمصلحة المصالحة مع الغالبيات المسلمة في هذين البلدين· وفي هذه الحالة وحدها تكون هناك فرصة لاستغلال الحركية الإسلامية في المنطقة بطريقة بناءة، ذلك أن الأرضية الخصبة للتطرف الإسلامي تختفي ولا تعود آسيا الوسطى رأس جسر لعبور الثورة الإسلامية الطالبانية·

أخيراً ينبغي أن لا تتناسى أن الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي الذي طغى على الجيوسياسة في النصف الثاني للقرن العشرين قد أدى إلى بروز الظاهرة الواسعة النطاق لمساندة الإرهاب باعتباره وسيلة في السياسة الخارجية· إن المراكز الرئيسية للإرهاب القائمة الآن قد خلقتها وساندتها القوى العظمى باعتبارها وسيلة لأن تضغط إحداها على الأخرى في حقبة الحرب الباردة· والطالبان لا تختلف عن ذلك· فجذورها ترجع إلى القتال بين القوتين العظميين في أفغانستان· ومن المهم أن تضع روسيا والولايات المتحدة مطامحهما جانباً وليس سراً أن الحركة الإسلامية الأوزبكية تتلقى دعماً مالياً ومادياً مباشراً من الطالبان· واستناداً إلى بعض التقارير، اعتمد الجناح الراديكالي للمعارضة الإسلامية في طاجيكستان في الحركة الأهلية الأخيرة إلى حد معين على دعم الطالبان·

بناء على ذلك، يعتقد المرء أن دول آسيا الوسطى تجتذب الطالبان إلى نفسها كما يجتذب المغناطيس برادة الحديد· فالمسلمون الناشطون سياسياً في آسيا الوسطى الذين يقاتلون ضد اليابان المعادية للإسلام وللأنظمة الحاكمة يتقبلون المساندة من أي جهة ترغب في توفيرها· وحتى الآن كان المتطرفون في أفغانستان وباكستان ودول أخرى من يقدم هذه المساندة·

إذا أراد المجتمع الدولي أن يلقى حلفاء يعتمد عليهم في آسيا الوسطى في معركته ضد المتطرفين الإسلاميين فعليه في الدرجة الأولى أن يتفادى استفزاز التطرف الإسلامي في المنطقة· وينبغي تشجيع أوزبكستان وطاجيكستان على التخلي عن السياسات البدائية المعادية للإسلام المحكوم عليها بالفشل· أما روسيا التي تعتبر آسيا الوسطى فناء خلفياً ضمن دائرة نفوذها فلها دور كبير تلعبه لاسيما في طاجيكستان حيث لا ينازعها أحد·

الآن وأن تنضما معاً إلى المعركة الدولية ضد الإرهاب· والأحداث التي وقعت في نيويورك وواشنطن هي دليل إيجابي يؤكد أن لا خيار غير ذلك·

بقلم: رستم شوكوروف

أستاذ التاريخ في جامعة موسكو

(موسكو تايمز)

طباعة  

أفغانستان: الحرب المستحيلة
 
ما بعد بن لادن