رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 19-25 رجب 1422هـ الموافق 6-12أكتوبر 2001
العدد 1497

الطريق إلى بيت لحم 2000

عندما قررنا الذهاب إلى “بيت لحم” في يوم 2000/11/25، كنا نعتقد بأنها رحلة كغيرها من الرحلات التي طالما قمنا بها، ولم نكن نعرف أن هناك أجواء جديدة في مدينة بيت لحم·· مهد المسيح عليه الصلاة والسلام·

لم تكن مدينة “بيت لحم” هي وجهتنا الأخيرة، ولكن كان لابد من المرور منها قبل الوصول إلى مدينة “بيت ساحور” هدفنا الأخير، حيث كنا نرغب في لقاء هؤلاء النسوة اللواتي عانين من القصف النهاري والليلي، لنقف عن قرب عند تلك المعاناة ونسجلها حية لتصل إلى كل ضمير حي في هذا العالم·

وعلى الحاجز العسكري الفاصل ما بين مدينة بيت لحم ومدينة القدس ابتدأت المعاناة، الجنود الإسرائيليون يقررون أن المنطقة منطقة عسكرية مغلقة وأن علينا العودة من حيث أتينا، وبعد كل تلك النقاشات التي حاولنا من خلالها إقناعهم بحقنا في الدخول لزيارة الأهل والأصدقاء إلا أن قرارهم كان صارماً ولا رجعة فيه، المنطقة مغلقة ولا يمكن الدخول، ولا يعرفون حتى متى يمكننا أن نقوم بذلك·

ثورة عارمة اجتاحت صدورنا، كيف نمنع من دخول مدينة فلسطينية من المفترض أنها مدينة خاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وازددنا تصميماً، وفجأة لمحت نساء تدخل مشياً على الأقدام من بوابة معهد الطنطور، ولمعرفتي في المكان أدركت على الفور أن تلك الطريق قد تقودنا إلى ما بعد الحاجز العسكري، وأشرت على صديقاتي دخول أراضي المعهد الممتدة على عشرات الدونمات، ولكن وما أن وصلنا حتى اختفت النساء، ولكن لم تختف عن الأرض آثار أقدام آدمية مرت من المكان، وبدأنا بتتبع تلك الآثار ومشينا قرابة خمس عشرة دقيقة، وبعدها رأينا شابين، وسألناهما عما إذا كانت هناك إمكانية لدخول المدينة، فأشاروا علينا باستخدام البوابة الخلفية ومن ثم التقدم شرقاً عبر طريق وعرة باتجاه المدينة ستقودنا إلى حيث بدأنا ولكن سنكون خلالها قد تجاوزنا الحاجز العسكري بنحو مترين، وسرنا في الطريق قرابة خمس عشرة دقيقة أخرى، تقابلنا أثناءها بمجموعة مشاة أخبرونا أنهم قد جربوا الطريق من قبل وأنه غير آمن، حيث من الممكن أن يلاحظنا الجنود في أي لحظة ويطلقون علينا النار كما حصل مراراً مع مجموعات أخرى·· جرأة غير عادية وتصميم غير عادي على التقدم اجتاحنا جميعاً دون استثناء رغم الخوف الذي تملكنا أيضاً من فكرة أن يتم فعلاً إطلاق النار علينا، ومشينا مشياً حذراً·· أصبحنا قريبات من الحاجز وقادرات على رؤية الجنود، ولكنهم ولحسن حظنا فقط لم يرونا، وما هي إلا لحظات حتى وصلنا إلى الشارع العام تسبقنا إليه دقات قلوبنا وتفكيرنا المسبق في مصير أطفالنا وأحبائنا لو تم فعلاً إطلاق النار علينا·

الشارع لم يكن أرحم من تلك الطريق الترابية الوعرة، بل كان موحشاً أكثر، فمن يستطيع أن يصدق أن الشارع الممتد ما بين الحاجز ومدخل مخيم عايدة، وهو المدخل الرئيسي لمدينة عالمية شهدت ميلاد المسيح عليه السلام وفيها تقع أقدم كنيسة في العالم، والذي كان من أكثر الشوارع ازدحاماً قد استحال إلى شارع مهجور تماماً·· شعرنا بأننا نسير في مدينة الأشباح وتملكنا الخوف مرة أخرى·· البيوت مقفلة وحتى البوابات الخارجية مقفلة بسلاسل معدنية مما يشير إلى أنها باتت مهجورة·· وروضة أطفال لم يبق منها إلا اللافتة التي تشير إلى أنها كانت موجودة وفيما عدا ذلك فجدران خاوية تحدث عن زمن الرعب الذي غطى المكان·· المحال التجارية مقفلة أيضاً·· فقط نحن وسيارة الدورية العسكرية التي تجوب الشارع ذهاباً وإياباً لتتأكد من حراستها لما يسمونه “قبة راحيل” والتي تكلفت حراستها تشريد الكثير من العائلات وتحويل المكان إلى مدينة أشباح، وفي كل مرة كانت تمر من خلالها سيارة الدورية كنا نعتقد بأنها ستتوقف لتسألنا عن وجهتنا، وصديقتنا حنان تتركنا لتتمتم بآيات قرآنية سائلة الله أن يبعد عنا شر هذه الدورية·

وأخيراً وجدنا محلاً تجارياً مفتوحاً وعلى بابه يجلس صاحبه، وفلاحة تتربع أمام المكان، سألتهما ما الذي يحصل وكيف تحول المكان إلى مدينة أشباح؟ ولكنهما لم يجيباني وكأنهما لم يسمعاني، أو كأنهما لم يتوقعا أن يسمعا أصواتاً آدمية في المكان·· وتقدمنا أكثر وازداد الشك لدينا أن هناك شيئاً ما غريب، قد يكون هناك إشعار بالقصف فتم إخلاء المنطقة·· قد يكون قد فرض نظام منع التجول·· ولكننا تابعنا السير، وفجأة وجدنا محلاً يبيع التحف السياحية وقد فتح بابه نصف فتحة ووقف صاحب المحل وموظفوه على ما يبدو على باب المحل، وصممنا أن نسألهم قبل أن يفوت الأوان ونجد أنفسنا في موقف لا نحسد عليه، وسألناهم “ما الذي يجري هناك؟” “عادي·· وضع عادي·· تابعن مسيركن·· هم الخائفون·· لا تخشوهم”·

“عادي” تلك الكلمة لم تستوعبها أي منا، فأي عادي هذا الذي نراه في بيت لحم 2000، تلك المدينة التي توجهت إليها كل أنظار العالم قبل شهور للاحتفال بعيد ميلاد السيد المسيح، وأين كل تلك الضجة التي أثارتها المناسبة، وهل هو حقاً “عادي”؟ أن ينسى العالم بيت لحم تلك، وهل تخلوا عن مهد المسيح وقبلوا أن تتحول مدينة ميلاده إلى مدينة أشباح؟!

تابعنا السير، وكل منا تتمتم·· “عادي·· كل شيء عادي·· هذا هو العادي في هذ الزمن·· سامحهم يا يسوع”!

طباعة