حرب “الخطوة خطوة” في أفغانستان
كتب محرر الشؤون الخارجية:
من البحر الأبيض المتوسط حتى أوزبكستان وطاجيكستان مرورا بالخليج وبحر العرب وباكستان يمتد “قوس” الحرب المعلنة - السرية التي تخوضها الولايات المتحدة وبريطانيا مدعومتين بتغطية دولية· هذا على الصعيد العسكري المحض، بمعزل عن الجوانب المالية والقضائية والاستخبارية·
فماذا يحصل؟ ما يدور في أفغانستان منذ أكثر من أسبوعين ينبغي أن لا يعرفه أحد· فهو ربما يشكل العنصر الأهم في الحملة على الإرهاب: إلقاء القبض على أسامة بن لادن أو قتله· السلطات الأمريكية رفضت قبيل نهاية سبتمبر أن تؤكد أو أن تنفي رسميا ما أوردته صحيفة “يو· إس· توداي” نقلا عن مصادر في مدينة بيشاور الباكستانية ومفاده أن عناصر من القوات الخاصة نزلت منذ الثالث عشر من سبتمبر أي بعد يومين من الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن، نزلت في أفغانستان· واستنادا الى معلومات الصحيفة، ينتمي عناصر هذه القوات الى الفرقتين 81 و101 المحمولتين جوا وهم مدعومون بطائرات هليكوبتر من نوع “بلاك هوك”·
ما هو المعلوم تقنيا عن الجانب البريطاني؟ استنادا الى مصادر أوروبية تشارك بريطانيا بوحدة “غوركا” التي ذاعت شهرتها في الحربين العالميتين، وشاركت في السنوات الأخيرة في البوسنة وكوسوفو· فضلا عن الحربين العالميتين، شارك جنود هذه الوحدة، وهم نيباليون وهنود في كثير من المعارك منذ مئة سنة وعرفوا جميع نواحي الامبراطورية البريطانية· وتقول المصادر نفسها إن جنود هذه الوحدة يشكلون الآن طليعة القوات البريطانية في أفغانستان·
عندما استقبل العاهل الأردني الملك عبدالله في البيت الأبيض قبل فترة وجيزة، رفض الرئيس الأمريكي جورج بوش الخوض في أي حديث عن الخطط الحربية· وصرح للصحافيين: “أقولها بالفم الملآن: ربما يرى الناس أحيانا بعض ما نفعل مباشرة على شاشة التلفزيون· وفي لحظات أخرى قد لا يرى الأمريكيون ما نفعل: لكن لا تنخدعوا: نحن نتعقبهم، ونحن مصممون على إحضار هؤلاء الى العدالة وعلى اجتثاث الأنشطة الإرهابية من العالم”·
في الأيام الأخيرة، ألمح مسؤولون في وزارة الدفاع الأمريكية الى أن الحملة على الإرهاب الدولي، وتحديدا أفغانستان، تجري بوساطة خطط متوازنة عدة· وإحدى هذه الخطط هي الشروع في اشتباكات محدودة مع الجماعات الأفغانية أو غير الأفغانية المتشددة لغاية واحدة هي الحصول على معلومات·
بعبارة أخرى، هناك حربان: الحرب المعلنة التي قوامها حاملات الطائرات، البوارج الحربية من مختلف الأحجام والمهمات، الطائرات الحربية المتمركزة في مطارات بلدان تجاور باكستان، حسب المصادر الأوروبية نفسها، ما زال أسلوب القصف البعيد المدى، الذي يشكل في رأي الخبراء العسكريين مقدمة منطقية للاجتياح، مستبعدا الآن·
هذه الطريقة، أي إبقاء القوات التقليدية البحرية والجوية في حال الانتظار مفيدة سياسيا وعسكريا للولايات المتحدة: سياسيا، هذه الطريقة تريح البلدان المضيفة للقوات الأمريكية، لا سيما باكستان، لأنها لا تعود تشكل “منصة” انطلاق الهجوم الأمريكي في عيون الرأي العام· وعسكريا، لا حاجة كبيرة الى التذكير بالنتائج المتواضعة للهجوم بصواريخ “كروز” عام 1988 على قواعد بن لادن في خوست (أفغانستان)·
في المقابل، حشدت الولايات المتحدة وبريطانيا في الأشهر الأخيرة حتى قبل هجمات نيويورك وواشنطن، وسائل تنفيذ العمليات المفاجئة في منطقة بحر العرب: طائرات، فرقاطات وغواصات تحمل صواريخ قادرة عند الضرورة على اختراق الدفاعات الحصينة، أو صواريخ عابرة لتدمير معسكرات التدريب ومنصات انطلاق طائرات هليكوبتر ومقاتلات وقاذفات (من حاملات الطائرات) ومخازن أسلحة وذخيرة ومراكز تحكم واتصال·
كل ذلك جرى في ضوء تأكيد ضلوع بن لادن في تفجير السفارتين الأمريكيتين في تنزانيا وكينيا عام 1998 وتفجير المدمرة الأمريكية “يو· إس· إس كول” في اليمن العام الماضي وصدور نذر عن عمليات كانت غير محددة المعالم· لكن على الرغم من دروس غارات كلينتون بصواريخ “كروز”، لم يكن الأمريكيون والبريطانيون يمانعون في توجيه “ضربات دقيقة” ضد طالبان في حال امتنعت كابول عن قطع علاقاتها مع بن لادن· وكل ذلك جرى بمعزل عما جرى في نيويورك وواشنطن: ففي أغسطس الماضي، راجت في بيشاور شائعات عن احتمال وصول مظليين أمريكيين لمطاردة بن لادن والقبض عليه·
هذا في الجانب التقليدي فماذا في الجانب السري؟ لا أهمية لاسم العملية· فالأرجح أن الاسم تغير أكثر من مرة والعملية تجري على قدم وساق· فماذا يمكن أن يحصل في هذا المجال: الاستخبارات هي حجر الزاوية، ومصادرها هي بالدرجة الأولى باكستان التي كانت استخباراتها أيام بينظير بوتو “منظم” الطالبان· يضاف الى ذلك معلومات من الاستخبارات الروسية ومصادر المعارضة الأفغانية وربما من قلب “طالبان” نفسها· فمن انطلاق هجومها عام 1994، اعتمدت “طالبان” أسلوب شراء الذمم لاستمالة القادة الميدانيين بالمال إن لم يقبلوا طوعا أو حربا· وفي هذا الجانب تواجه الحركة تعقيدا آخر قد يرتد عليها: فالحرب غير تقليدية وهي تجري بوساطة وحدات عسكرية سرية عالية التجهيز· أما إذا اندفعت المعارضة الشمالية بقواتها العسكرية باتجاه كابول، تضطر “طالبان” الى التصدي بأفضل وحداتها تجهيزا وولاء، حتى توقف عدوا معروف الجهة والهوية· لكن ماذا تفعل في مواجهة عدو غير معروف الهوية والجهة، عدو لا يقيم مراكز ثابتة؟ هذا العدو هو الوحدات الخاصة المجهزة بما يلي: بنادق هجومية مزودة بمناظير للرؤية الليلية وكواتم للصوت، أجهزة اتصال عبر الأقمار الصناعية، أجهزة تنصت متطورة تنقل الاتصالات الى وحدات القيادة والتحكم، قواذف صواريخ مضادة للدروع، طائرات هليكوبتر وطائرات بلا طيار· هذه الوحدات مهمتها في البداية تحديد الأهداف المقصودة، واختراق شبكة تنظيم الطالبان وبن لادن، وتحديد الأهداف الواجب قصفها للبوارخ وفرقاطات الصواريخ، وربما تقديم المشورة “بالمقايضة” لتحالف المعارضة الشمالية·
في هذا المجال، يقول بعض الخبراء إن القوات البريطانية هي أكثر خبرة من القوات الأمريكية· ذلك أن هناك تقارير تفيد أن القوات الخاصة البريطانية ساعدت المجاهدين الأفغان إبان مقاومة الغزو السوفييتي بالاستطلاع والمعلومات من دون أن تشتبك مع الجيش الأحمر·
هناك ما هو أبعد من أفغانستان، لكنه من الأقرب إليها الآن، فالأمريكيون والبريطانيون عملوا جنبا الى جنب منذ عملية كوسوفو عام 1999 إبان حملة حلف شمال الأطلسي على القوات الصربية· كانت لديهم وما زالت شبكة “إيشيلون” للتنصت بوساطة الأقمار الصناعية·
ذلك لا يكفي· فمن ضمن عملية جمع المعلومات والاستخبارات، لا بد للولايات المتحدة من أن تجمع “ملفات” بشأن أهداف “سيناريو” الحملة الميدانية حتى تستكمله· وفي هذا الصدد، يلزمها هي وبريطانيا معرفة “أمزجة” السكان المحليين والأماكن المناسبة لإقامة القواعد والقلاع المحصنة ومنصات انطلاق الهجمات داخل أفغانستان، ناهيك عن معرفة “نسيج” الطالبان أو بالأحرى الأنسجة قبل أن تطلق الأمر بالهجوم·
هناك عناصر أخرى: فعلى الرغم من الإمكانات الهائلة، ما زال هجوم جوي - أرضي واسع النطاق يقتضي تحضيرا بمنتهى العناية في بلد مليء بالأشراك· والبعض يتحدث عن فترة تراوح ما بين 60 و90 يوما· فالولايات المتحدة الحريصة على التفريق بين الإسلام والإرهاب لا بد أن تنزل عند رغبة الدول الإسلامية الحليفة فلا تهاجم في شهر رمضان الذي يبدأ مطالع نوفمبر· ثم يأتي الشتاء الذي يبكر في أفغانستان· فهل كان الرئيس الأمريكي يقصد ذلك عندما دعا مواطنيه الى أن يكونوا ناشطين وصبورين”؟
في ضوء هذا الامتحان الجيوسياسي لا بد أن تأخذ الولايات المتحدة وبريطانيا عناصر كثيرة في الاعتبار: فتحديد المراكز العصبية للإرهاب ليس مهمة ينفذها ضباط الجيوش وحدهم· إنما تشارك فيها الدبلوماسية أيضا· وهناك الجانب الإنساني للحرب الذي يتمثل في احتمال موت عشرات آلاف الأبرياء جوعا أو قصفا بالخطأ· وهناك أخيرا تصميم الرئيس الأمريكي على خوض الحرب الطويلة· وما يبدو منه أنه يزداد قوة·