كتب محرر الشؤون الخارجية:
منذ عام 1962 والى منتصف السبعينات خاضت الولايات المتحدة حربا ممتدة في فيتنام قتل فيها مئات الآلاف وربما الملايين من الفيتناميين ودمرت بلادهم وحرقت أرضهم وغاباتهم· وخرجت الولايات مع ذلك بعد أن خسرت خمسين ألفا من الجنود وبعد أن تسببت الحرب في جروح اجتماعية وسياسية عميقة وظل شبحها يلازم مخيلة الشعب الأمريكي الى أن خرجت من تلك النفسية في حرب الخليج عام 1990 - 91 ولذلك ورغم ألمنا العميق لما أزهق من أرواح بريئة فإننا لا نستطيع أن نتخيل هول الصدمة على الشعب الأمريكي وآثار الجريمة الكبرى التي وقعت في 11 سبتمبر والتي ذهب ضحيتها 6500 أمريكي من خيرة عقول وقيادات الولايات المتحدة وبضربة واحدة ومن قبل 18 إرهابيا فقط قتلوا جميعا وبقيادة أشباح·
لكن الألم والعواطف المشحونة يجب أن لا تغيب الوقائع المرة من أمام أعيننا إذا أردنا أن نتصدى لهذه الأعمال الإرهابية الهمجية ونقضي عليها·
وأول هذه الوقائع هي هذه المفارقة التراجيدية التي يجب أن تكون درسا بليغا لمن يعتبر والتي تتبلور في أمرين: الأول هو أن الذي أسس تلك المجموعات القاتلة ودربها وغذاها لتصبح قوة مدمرة هي الولايات المتحدة واستخباراتها وأصدقاؤها في المنطقة لكي تخوض نيابة عن الولايات المتحدة حربها ضد الاتحاد السوفييتي في المنطقة وفي أفغانستان وحربها ضد حركة النهوض القومي العربي·
والثاني هو أن الذي أعد الأرضية وجهز المسرح والإخراج والإضاءة وجمهور المشجعين لتلك العملية هي أيضا الولايات المتحدة التي انحازت انحيازا سافرا لإسرائيل فغذتها بأسلحة القتل وبررت جرائمها وحمتها حتى من النقد في المحافل الدولية بينما ألقت كل تبعيات القتل الجماعي للفلسطينيين واحتلال أراضهم وتشريدهم وتهديم منازلهم واقتلاع أشجارهم، القتها على كاهل الفلسطينيين· لقد ساوت الإدارات الأمريكية ما بين الحجر الفلسطيني وصواريخ الآباتشي واف 16 الإسرائيلية·· بينما احتضن رئيسها السفاح شارون وبارك نائب الرئيس عمليات الاغتيال·
إن الإدارة الأمريكية المتعاقبة وعلى وجه الخصوص إدارة الرئيس جورج دبليو بوش هي المسؤولة الرئيسية عن تجهيز المسرح لكي تتم العملية الإجرامية في نيويورك في أجواء مشبعة بالكراهية ليس أقلها ذلك التصرف المتغطرس والمنحاز الذي شاهده العالم في مؤتمر دربان في جنوب أفريقيا·
إن هذا السياق المؤلم للأحداث يكشف أن الدول مهما عظمت فإنها لا تستطيع أن تفعل ما تشاء في العالم وتعبث بمصائر الشعوب وتدوس على الضعفاء وتنتهك حقوقهم وتساهم في لجم مجتمعات بكاملها من التقدم بفرض أنظمة حكم متسلطة وتشجع قيام تيارات وأحزاب رجعية للسيطرة على تلك المجتمعات ولاستخدامها في تحقيق مآربها الأخرى وخوض حروب نيابة عنها دون أن يلحقها ضرر· وهكذا أصيبت الولايات المتحدة بالداء نفسه الذي رعت انتشاره في جسد الوطن العربي والإسلامي وأصابها الوباء·
ولهذا أملنا في أن يكون ذلك عبرة للجميع·
إن الحرب التي تزمع الولايات المتحدة شنها على الإرهاب تعنينا بالدرجة الأولى لأن المرض أيضا ينخر في أجسادنا ولكن ذلك لن يتم مهما أعدت من أساطيل وقوات ضاربة إلا بعد إزالة الجروح التي خلفتها سياسات الإدارات الأمريكية المتعاقبة وبالذات الإدارة الحالية، إزالتها ليس بالوعود ولكن بما يترجم على أرض الواقع، فالعرب ونقصد الشعب العربي لا يثق بالوعود الأمريكية تجاه قضيته· والعرب لا يطلبون أن تنتصر أمريكا لهم بل يطلبون العدالة وتطبيق المواثيق الدولية·
ولعل ما أذيع من مبادرة أمريكية لقيام دولة فلسطينية تكون بداية الطريق·· وهي بداية لم تفهم الإدارة الأمريكية ضرورتها إلا بعد أن صدم العالم وفجع الشعب الأمريكي بستة آلاف وخمسمئة قتيل·