أخذ موضوع الإرهاب الحيز الأكبر من التعليقات السياسية والصحفية وعلى اتساع العالم من أقصاه إلى أقصاه· وعلى الرغم من التعريفات المختلفة والمتناقضة أحياناً لمفهوم الإرهاب إلا أن الحديث عن علاجه غلب عليه الأسلوب العنيف أكثر من أي شيء آخر· فنسمع عن اقتلاع للإرهاب من جذوره بالتصفية العسكرية المباشرة وأحياناً عن طريق تجفيف منابع المال التي تستفيد منها الجماعات الإرهابية ومتابعة التحويلات المالية للجهات المشتبه بدعمها لهم، وأحياناً أخرى عن طريق ضرب الدول الراعية للإرهاب وفرض أشكال عدة من العقوبات الاقتصادية والسياسية وغيرها· وعلى الرغم من احتمال جدوى هذه الأساليب مؤقتاً إلا أن المراجع للتاريخ لابد وأن يلاحظ أن العنف لا يولد إلا مزيداً من العنف وأنه لم يكن يوماً العلاج الوحيد لمثل هذه الظواهر·
لهذا يرى الكثير من المهتمين بالمعالجة الجذرية والشاملة لهذه الظاهرة أن الأسلوب الأمثل وربما الأنجع يكمن في خلق بيئة منافسة للإرهاب، بحيث يجد من ينجذب لفكر الجماعات الإرهابية بديلاً آخر لحسم مشاكله بالطرق القانونية المنصفة ودون حاجة لأساليب العنف· هذا الحل ليس جديداً بل يعرفه الناس وبخاصة من حرموا منه· إنه الديمقراطية الحقيقية التي حرمت منها شعوب العالم الثالث بحجج واهية وغير مقنعة· فتارة كان لابد من صمت الجميع لأنه "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" وتارة أخرى تحرم الشعوب لأن هناك من يرى أنها غير مؤهلة لممارسة الديمقراطية وكأن هناك جهازاً شبيهاً بأجهزة قياس الحرارة يتمكن هؤلاء من التحقق من جاهزية الشعوب للديمقراطية· متناسين أن الديمقراطية يعرفها الناس من خلال ممارستها· لقد مارست دول العالم الثالث كل أشكال القمع والترهيب والتنكيل بشعوبها كي لا تسمح بأي هامش للحرية فيها تحت مبررات الأمن الوطني والمصلحة العليا وغيرها من تلك الجمل التي لا منطق يسندها سوى منطق قوة الأنظمة مقابل ضعف الشعوب وقلة حيلتها· كثير من أنظمة العالم الثالث كانت مسنودة من قبل أنظمة عالمية تدعي حماية الديمقراطية والحريات وتعلن نفسها راعية لهذه الأفكار بينما كانت تقدم السند والعون السياسي والمادي والعسكري لتلك الأنظمة كجزء من حربها الباردة من الكتلة الشرقية· الولايات المتحدة الأمريكية لها نصيب الأسد من هذا الدعم الذي وصل حد المشاركة الفعلية في الانقلابات العسكرية ضد أنظمة ديمقراطية منتخبة كالذي حدث في تشيلي والسلفادور وغيرها من دول أمريكا اللاتينية وبقية دول العالم الثالث·
هذه الديمقراطية المفقودة خلقت الأجواء المناسبة لزرع وتربية العنف وبالتالي الإرهاب كوسيلة للدفاع عن النفس في البداية ثم كغاية بحد ذاتها استغلها من يريد لحسم قضاياه التي حتماً يراها عادلة· الحل يكمن في تعزيز الحريات والدفاع عنها في جميع دول العالم دون استثناء لخلق البيئة المنافسة للعنف· إن الشعوب الفقيرة والمقموعة لابد وأن تختار الأساليب السلمية وغير العنيفة على الإرهاب في حالة توافر تلك الخيارات· فالمطلوب عالمياً ومن الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية أولاً الكف عن دعم الأنظمة الشمولية والدكتاتورية بحجة المصالح السياسية والاقتصادية· ومن جهة أخرى لا بد من معالجة دقيقة لقضايا الفقر والديون بل ومراجعة فعلية للقوانين الدولية التي ستحيل العالم إلى قرية واحدة يحكمها مجموعة قليلة من أصحاب رؤوس المال وشعب أممي فقير· العولمة كما تنص عليها اتفاقية التجارة الدولية لن تضيف إلى النار المشتعلة إلا مزيداً من الوقود ولن يجني منها أحد غير مزيد من حالات الإفقار والتجويع وعلى مدى العالم أجمع وبالتالي لن يكون أمام الجياع سوى العنف وسيلة للتعامل مع عالم يحكمه الدولار·
إذا أراد المهتمون في جميع أنحاء العالم معالجة جذرية وطويلة المدى للإرهاب لابد وأن يلتفت هؤلاء إلى البيئة التي ينشأ فيها الإرهاب وتقديم بديل تنموي ديمقراطي· فالعلاج يجب أن يكون من صنف الداء·