قـارئ الأفـكـار
عبدالواحد استيتو/ المغرب
“حاول ألا تفكر بشيء محدد وأنت تقرأ هذه القصة)
شيء غير عادي حدث لي هذا الصباح· صفاء ذهني غريب شعرت به وأنا أغادر فراشي وأتجه نحو الحمام لأقوم بالطقوس اليومية المعتادة· عندما خرجت من البيت التقيت جاري (عبدالحليم)· قلت له: “صباح الخير”· ابتسامة بريئة لاحت على شفتيه وهو يرد التحية· لكنني سمعت صوتاً شبيهاً بصوته - أو هو صوته - يتردد داخل عقلي قائلاً:
- ها هوذا، مجدداً، ذاك العازب الذي سيحمل لهذه العمارة مشكلة يوماً ما·
نظرت إليه مذهولاً، لكن لم يبد عليه أي رد فعل وهو يضغط على زر الهبوط قائلاً:
- الجو دافئ اليوم·
من جديد سمعت صوته الذي يتردد في عقلي:
- رائحة عطر هذه أم رائحة براز·· يا لذوقه الرديء·
كدت أرد عليه بكلمة قاسية، لكنني اصطدمت بوجهه الذي يحمل سماحة الدنيا فصعقت مجدداً· إن ما أسمعه لا يخرج من شفتيه، لكن أكيد أنه يصدر من عقله·· أتراها أفكاره؟
وقع المفاجأة كان قوياً علي عندما اتجهت نحو (السي أحمد) البقال وطلبت منه كيس شاي، فسمعت صوته وهو يقول، دون أن يحرك شفتيه طبعاً:
- هذا الشاب الرقيع·· هل هو أبله أم يدعي ذلك؟ لقد مر شهر دون أن يدفع الدين المترتب عليه·
الكلام كان عني طبعاً، هذه المرة لم أستطع صبراً وقلت له:
- سأدفع لك كل ما ترتب علي من دين في الشهر الفارط غداً بإذن الله·· والآن أضف كأس الشاي هذا إلى الحساب·
اتسعت عيناه في دهشة، ثم قال في مداهنة خبيثة:
- لا عليك· لا مشكلة معك· أنت لم تتأخر يوماً في الدفع·
انصرفت بسرعة كي لا تصلني فكرة سيئة أخرى عني· كنت أسمع دقات قلبي وهي تتسارع· العرق يتصبب غزيراً على جبيني· كنت في حاجة لأن أخلو بنفسي· عندما وصلت غرفتي في الطابق الرابع، ألقيت بجسدي على المقعد المواجه للتلفاز متسائلاً:
- ما الذي يحدث لي بالضبط؟ إنني أسمع ما يفكر به الآخرون ببساطة، لكأنه صدى صوت يتردد في غرفة خالية من الأثاث·
هرعت إلى مكتبتي فلم أجدأي كتاب يتحدث عن موضوع قراءة الأفكار هذا· اليوم فقط أكتشف محدودية اهتماماتي· كل كتبي أدبية محضة إلا بعض الاستثناءات التي كان يهديها لي بعض الأصدقاء، والتي أضعها في الرفوف دون حتى أن أكلف نفسي تصفحها·
رباه! ما الخطب؟ هل هذا ممكن؟ أن أقرأ أفكار الآخرين وكأنها كتاب مفتوح؟ الأمر قد يكون رائعاً، لكن الجزع ووقع المفاجأة لم يتركا لي الفرصة لإدراك هذا·
فجأة خطرت على بالي فكرة مجنونة ولم أتوان عن تنفيذها توجهت إلى الطابق الخامس وطرقت باب جاري (مراد) منتظراً أن يطل وجهها عليّ·· وجه (أمل)· (أمل) التي طالما حلمت بها، وحلمت بأن تكون زوجة لي، لكن خجلي كان يمنعني من مفاتحتها في الموضوع· لم يطل انتظاري· فتحت هي كعادتها· بدا وقع المفاجأة عليها وسمعت أفكارها واضحة:
- ترى أي دافع أتى به؟ هل تغلب أخيراً على تردده؟
ثم إنها قالت وهي ترد على تحيتي:
- صباح الخير·· والدي ليس هنا· هل هناك خدمة يمكن أن نؤديها؟
بداية مبشرة· لكن، تباً! ماذا كنت أريد أن أقول؟ لابد أن أقول شيئاً لأعرف بماذا ستفكر أثناء الإجابة·
وقبل أن أقول شيئاً سمعت أفكارها تتردد من جديد في ذهني:
- إنه وسيم حقاً· هل يدرك مدى إعجابي به؟
كدت ألقي على مسامعها كل عبارات الغزل التي أحفظها، لكنني تراجعت في آخر لحظة وأنا أرى ملامحها البريئة تنتظر إجابة على سؤالها· هي - طبعاً - لا تعلم أنني أعلم· لذا قلت بسرعة:
- قولي لوالدك إننا سنزوركم غداً مساء· هل هذا ممكن؟
ابتسامة خجلى رائعة افتر عنها ثغرها وهي تجيبني:
- على الرحب والسعة·· سأخبره بذلك·
“لقد نطقها أخيراً· هل يكون سبب زيارته هو خطبتي حقاً؟ لقد قال سنزوركم، ولم يقل سأزوركم”·
هذه المرة لم أتردد بل قلت بصوت حازم:
- هو ذاك ما تفكرين به·
ثم انسحبت بسرعة قبل أن أرى رد فعلها أو أسمع أفكارها·
كانت سعادتي لا توصف، ولم أتوقف طوال اليوم، الذي قضيته في غرفتي، عن التفكير بها ناسياً تماماً هذه الموهبة التي امتلكتها فجأة· بل إنني لم أحاول حتى تجربتها من جديد بلقاء الأصدقاء أو الجيران، وعلى غير العادة، نمت مبكراً جداً·
وها هو ذا صباح جديد، كل شيء يبدو عادياً اليوم· تذكرت - بذهن مبعثر - بعض أحداث البارحة· ألم يكن ذاك حلماً؟
طوال طريقي إلى عملي لم أسمع أي فكرة· ذاك الصفاء الذي شعرت به البارحة كان غائباً اليوم· غائباً تماماً·
كانت لدي وسيلة واحدة للتأكد· قمت بالخطوات التي يقوم بها أي شخص يحترم نفسه ينوي خطبة فتاة ما، فاتصلت بوالدي وقد كان على علم مسبق بالأمر، وأخبرته أنني قد تحدثت مع (أمل) وأنها موافقة· كانت مغامرة مني· إنني أعتمد على أمر غير مؤكد بالمرة·
جاء الليل بكل هدوئه وغموضه وجموحه· كنت ومازلت وسأبقى أحب الليل حباً كبيراً· هذا الصَّموت الذي لا يزعج الآخرين بثرثرته·
ارتباك كبير شعرت به وأنا أنتظر السيد (مراد) الذي دخل إلى غرفة (أمل) ليطلب رأيها·
- على بركة الله·
ثلاث كلمات أعلنت في لحظة واحدة أن الحياة بالنسبة لي لن تبقي أبداً كما كانت عليه·
(أمل) ستصبح زوجتي قريباً·
هل ما حدث لي البارحة كان حقيقة؟ هل أصبحت قارئ أفكار ليوم واحد؟ هل··؟
لا أحد يستطيع الإجابة للأسف·