خـطب ود·· الكتابـة
باسل عبّود
الكتابة تحد كبير· أليست تضع الكاتب أو صاحب النص أمام امتحان القارئ؟ والقارئ قد لا يعرف صاحب النص بشخصه، فكيف يحكم عليه، أو بعبارة أخرى، هل يرى منه غير المعروض أمامه على الورق؟
الكتابة فيها شيء من اللاعصرنة: الكاتب يخط على الورق فينقل النشر ما كتب، من جانب واحد، فيعطي من دون أن يأخذ - وهذا من قبيل الكرم إذا فسرناه شكلا - إنما يبدي رأيا من غير أن يناقش·· والرأي لا يستقيم، حتى نسبيا ما لم يصطدم أو، على الأقل، ينفعل بآراء أخرى مغايرة·
مراعاة الكتابة “ من جانب واحد” تقتضي أشياء كثيرة: الاختصار، المباشرة، الوضوح في تقديم الفكرة، بمعزل عن طبيعة الموضوع، والأخذ بالاعتبار أن الحقيقة لا يملكها طرف واحد· عندئذ، حتى المكتوب “من جانب واحد” يكون مجالا، بمعنى أنه حيز، لوجود آراء أخرى حتى لو لم تكن مخطوطة·
عندما يكتب أحدهم للنشر الواسع يشتغل عشرات الناس، إن لم يكن المئات، بما كتب: من طبع النص إلى تدقيق لغته والمطبوع، الى تصميمه على الصفحة وأخيرا نشره، أفلا تستحق جهود هؤلاء أجمعين أن تكون مجدية اقتصاديا بفضل نص يجعله الحرص على الجودة مستحقا للتعب؟ ولا ينتهي ذلك إلا عند القارئ· والقارئ هو الغاية وهو الحكم في آن· والحكم قد يكون متسرعا أو هادئا، عادلا أو ظالما، لكن يكفيك أن لا حكم منفردا، إنما حكام، لكن وا أسفاه إذا أجمعت آراء الحكام على الاستياء أو إذا عليها غلب· القارئ لا يقرأ لكاتب واحد، وليست القراءة شغله الوحيد· وفي عالم اليوم المقصوف بكل وسائل الإعلام والإبلاغ يتعين على الكاتب أن يقنع القارئ بأنه لم يضع وقته سدى في قراءة نص لا يستحق، بل أن يقنع القارئ بأن يفضل نصه على نصوص كتاب آخرين·
لا يتعين حتما أن يوافق القارئ رأي الكاتب، ولا بأس أن يعترض· لكن التحدي هو أن يستطيع الكاتب أن يستحث لدى الغير الرغبة في المناقشة وفي الاعتراض المستند الى أساس· عندئذ يحدث التفاعل حتى لو كان من بعد· وكيف يحدث التفاعل من دون تفاهم مكنون على ماهية القضية المطروحة؟
في الكتابة، من قال إن المعاني الكبيرة تسكن الجمل الطويلة؟ من قال إن الجملة والفقرة تساوتا؟ أليس في التطويل نسي لمقولة إن خير الكلام ما قل ودل؟ وأي فائدة من كلام، مكتوب أو مقول، عندما نفقد الدلالة؟
قد يتذرع أحدهم، أو بعضهم، بأن لغة اليوم ينبغي أن تساير “اليوم” لا الأمس، وأن “القديم” هو القديم والجديد هو الجديد· وقد يصح ذلك إلا إذا قصد الانقطاع فلماذا لم يحدث الانقطاع بينهما لدى من ابتعدوا مكانياً عن الأصل لغة وتراثاً، إنما ثبتوا التواصل على الرغم من حداثة المكان والزمان؟ ومن قال إن القديم هو من نوع واحد؟ ومثله الجديد·
التحدي هو أيضا بلاغة الكتابة· المقصود بها ليس البديع اللفظي أو المحسنات، إنما أن يقودك النص الى قلب ما يحكي عنه· ومن الذي قال إن للبلاغة صورة واحدة؟ والتحدي ليس كبيرا عندما لا تكتفي بأن تعطي ولا تأخذ، بل تحرص على أن تأخذ كثيرا قبل أن تعطي· أن تأخذ من مناهل غير مكلفة وغير نادرة· والأخذ هنا، قبل العطاء، ليس بخلا·