صرخة احتجاج مؤيدة على سطوة التاريخ والمكان والغريزة·· إدانة واتهام يلاحقان الاستبداد·· عندما يكون للجمال وظيفة·· يمهدان سياق الخبرة ليبدأ الإنسان دورة أخرى تتصالح فيها الروح مع جسد المكان من جديد في جدلية الموت والحياة·
سمت الرجل - سامي محمد - ملامح وجهه وحركته الحميمة لا توحيان بكل هذا السخط الذي يحفر ندوبا وسيرا في جسد المعدن تؤرق الكيان الإنساني - متسلطا كان أم بريئا إن وجد - فلا أحد يشعر أنه بريء أمام منحوتات سامي محمد، فكلنا متورطون ولو بالدهشة، تنظر في كفيك·· تنظر في روحك ناشدا ما كنت تزعم من براءة تملكها فلا تجد!!
وفي السطور التالية قراءة لا يشغلها التأريخ الشخصي لسيرة الفنان ومكانته بين أقرانه في سياق عصره الإقليمي أو العالمي، ولا يعينها حتى الوقوف طويلا أمام آراء مجايليه ونقاد مسيرته والتعويل عليها، فهذا شأن لا قبل لنا به، إلا إننا مدفوعون بوحي من منحوتاته ذاتها للقراءة والإنصات لملكوت تلك الكائنات التي صاغها نحتا وتصويرا طوال مسيرة امتدت قرابة أربعين سنة منذ وعي الفنان بيقظة حواسه ودخوله مغامرة تأييد المكان والتاريخ مشتبكا بحواسه وغرائزه في محاولة لإقرار مفاهيمه الخاصة في المعرفة وتلقي الذات والوجود·
هي إذا قراءة ربما تحولت في أجزاء منها الى نصوص مقاربة لبنية الأعمال الفنية ذاتها حيث تستقر جماليات الكتلة على عرش الفراغ المهيب في الداخل والخارج والذي يلاحق الإنسان ويهدد مسيرته في صراع يجن البشر في محاولة فهم ظروف نشوبه ويحترقون تخمينا وحدسا لمعرفة مآله·
مقاربة شخصانية تنطلق من العموم والمطلق لمؤاخاة خصوبة لحظة الإبداع وومضة يقين المعرفة لإتاحة أقصى ما يمكن من أسرار الذات البشرية·
يقول سامي محمد “إن إصراري الكبير كان يتركز بالدرجة الأولى على قضية الإنسان المقهور·· المفجوع بالانكسارات والجوع والتشرد والألم والخوف، تلك القضية التي تحرك مشاعري وتستنهض شفافيتي لأعبر عنها قدر ما أستطيع، وخصوصا بالنحت الذي يجسد القضية بصدق وأمانة·
ففي سياق كالذي تخوضه أمتنا آثر سامي محمد أن يكون محرضا على الحياة مثل كل فنان حقيقي صاغ مقولته بشأن الحياة من وجوه ناسها واستنطاق أقصى ما في الملامح من سمات الفضح والإدانة التي تبلغ حد الإهانة أحيانا كما في تجربة “الصناديق”، فما التحريض إن لم يكن احتجاجا على صمت المكان وسكوت البشر؟! هذا في المنحوتات التي تبلغ ذروتها في “الشلل والمقاومة” و”التحدي” أو في الأعمال الزيتية مثل “الحلم” و”الجرح العميق”·
وهكذا فإن الموضوع والرؤية لا التقنية والأسلوب هما ما يقود سامي محمد والذي يعني في المقام الأول إخلاص التجربة لذاتها، ففي هذه النوعية من التجارب ينطلق يقين الفنان من أن الموضوع ينتخب شكله ويقر خيوطه مما يجعله أسطع ما يكون في امتلاكه طاقات الصدق والإقناع، كما وبالخطوات نفسها يحفر سمات ومعالم التجربة ويصوغ مفرداتها الجمالية·
ومن الآفاق المعرفية المحرضة على القراءة والحدس مجموعة المنحوتات التي حاولت اختراق لزوجة التكوين وغموض المخاض في مجموعة “الأمومة”، “أم ترضع طفلها”، “أم وطفلها”، “عقدة 2,1” “قبل الولادة، “بعد الولادة” ففي هذه المجموعة تقبض الكتلة في علاقتها بالفراغ على أسئلة مكبوتة تكاد تنفجر من وطأتها سطوح المنحنيات، والسؤال المؤبد في صميمها لا يمر عبر عقل التجربة وخبرة التلقي المتوارثة في إقامة العلاقات بقدر ما تثيره الغرائز الحارة المسنونة التي تثير الانفعال والدهشة عبر المسلك الفطري الغريزي أكثر منها سلوكا في التاريخ والخبرة·
- 2 -
نحن في حضرة بشر مقموعين، ليس بالتاريخ هذه المرة، ربما بالوجود! نعم قد نكون مع هذه المجموعة من المنحوتات في حضرة قمع وجودي يطحن قدرات البشر ويستفز قلقهم تجاه مصائرهم، والمدهش فيك أنك لا تستطيع تفاديها أو على الأقل لا يمكنك استئناس القلق الذي تثيره، نحن في حضرة بشر لم تضمهم بعد تصنيفات تقوم على الخبرة بالتاريخ، بشر يبعثون ذاكرة ما قبل الولادة، يستفزون ذاكرة ما خارج التاريخ، وتلك القضية التي اعتبرها الإنجاز الحقيقي لأي فنان حين يستطيع أن يوجد خيوطا ووشائج بين مسيرة الإنسان داخل التاريخ وخارجه، روابط ما تنظر للموضوع الإنساني بصورة كلية مسكوت عنها وغير مؤطرة بمنظومات فكرية وتعتمد فقط على الحدس واستنطاق الغرائز والإنصات للذاكرة خارج حدود الزمن المتعارف عليها·
- 3 -
فكرت مرة في تفكيك ملكوت الجسد
البشرة البضة·· لنائحة
والساق ·· لزعيم عسكري
مهووس بامتلاك العالم
اليد·· ارتبكت لمن أعطيها؟!
وحولي متعطشون شرهون لها
أباطرة العولمة في القرية الكونية
الشركات العملاقة في تسخير العمال
لتنظيف الشوارع والمراحيض
وشراشف الزناة في الفنادق
وقد أصير رجلا روحانيا
فأحبسها وقفا للطرق الصوفية
في النهاية
بعد فراغي من توزيع التركة
قد أتحرر من أحذية المارة·
وسامي محمد يجمع أشلاء الملكوت البشري بعد نهاية مئة قرن من التاريخ المعلوم في منحوتات مصارعا للسؤال الغريزي والتاريخ دفعة واحدة، كيف يتحرر هؤلاء العبيد؟ وندهش معه من بساطة وعمق السؤال، أما آن الخلاص؟
كيف أوتي هذا الفنان ذلك القدر من الاتزان والرهافة في مواجهة بشاعة السؤال المؤيد في ملامح “الشلل والمقاومة”؟ وكيف أودع كل هذه التفاصيل من الإدانة والتحريض ليقبض عليها هذا الوجه الرهيب؟ أتصور أن الفنان قضى وقتا طويلا يتربص بالمعدن البارد حتى غافله وطوعه لحمل تلك الرسالة، وأتصور أن كل الحواس لديه احتشدت وتوحدت في حاسة واحدة·· طاقة واحدة من الحس والغريزة والانفعال والخبرة لاصطياد كل هذه البشاعة، وأتصور أن سامي محمد فنان بكل ما يوحي المسمى من مدلولات أخلاقية وخلاقة في آن معا·
البشر المقموعون في منظومة سرمدية يصرخون في وجه الفراغ، هذه المنحوتات الإدانة ليس في قراراتها أن هناك من يملك أمر خلاصها لا يؤرقها وطأته وبشاعته في الضمير الآخر - المتلقي - ولذا أخذت أقصى طاقاتها الحرة في الإدانة المطلقة، ففي مجموعة “الاستنجاد والاختراق” تصطاد الفخاخ ضحاياها وتتأبد الفاجعة من ارتطام البراءة بمستنقعات القمع·· بفخاخ الشر، فالحياة والدم والحس والحركة وكل ما يعبر عن الحياة في ارتطام صاخب ومفاجئ مع جهامة المصائر التي تتجاوز حدود الخبرة في الإيذاء والبشاعة والتربص التي تخوم قدرية وجودية توصل ما بين التاريخ وما خارجه من خبرات خارج نطاق الحدس وتهويمات الروح·