الحرب ستندلع إذاً· ذلك أنه يقال إنه بعد الهجوم الإرهابي الأشد هولاً الذي شهده العالم، الذي وقع على الأرض الأمريكية نفسها، أن الولايات المتحدة لا تستطيع، ولا يجب، أن تبقى مكتوفة الأيدي· وقد قال الرئيس الأمريكي جورج بوش لمواطنيه: “لا ينبغي أن ننتظر معركة واحدة إنما حملة طويلة غير مسبوقة” وأضاف: “كل الوسائل” ستكون قيد الاستعمال في “الحرب على الإرهاب” ستقع الحرب إذاً· لكن أي حرب؟ وضد من تحديداً؟ ومع أي حلفاء تحديداً؟ الأوروبيين؟ روسيا؟ باكستان؟ المعارضين الإسلاميين الأفغان لطالبان؟ كلهم حلفاء محتملون لواشنطن من أجل مصالح متباينة، هي حرب من أجل أي أهداف عاجلة في المدى المباشر؟ وأي غايات استراتيجية في المدى البعيد؟ هي حرب ضد بن لادن وانتحارييه أو حرب “عالمية” على الإرهاب؟
يتساءل نائب رئيس سابق للمجلس الوطني في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عما إذا كان هناك “جدول أعمال” حقيقي أمريكي؟ ثم يتساءل عما إذا كان هناك ما بعد بن لادن إرهابيون آخرون؟ وأي معنى نعطيه لعبارة “حملة طويلة” إن لم تكن هناك أجوبة عن الأسئلة السابقة؟ ويبقى هناك سؤال يمكن أن نجيب عنه: أين يكون مسرح العمليات؟ الأمريكيون أزالوا لبساً فقالوا “أفغانستان” حيث تحمي طالبان الحاكمة بن لادن، التي تشكل الهدف الأساسي إنما الأولي حتماً لهذه الحملة·
إذا تجرأنا على إجراء مقارنة، قد تبقى معرضة للخطر لأنها ليس عملية دوماً لقلنا إن أفغانستان تمثل في آسيا الوسطى “خليطاً” على نحو مكانته تاريخياً، بفعل سماتها الخاصة، بولندا والبلقان في أوروبا· إنها تقاطع ذو أهمية استراتيجية عالية تثير مطامع جيرانها (الروس، الفرس والهنود)· وهي في الوقت نفسه بلد ممزق بفعل الانقسامات والنزاعات الداخلية والتحالفات والتحالفات المضادة المرحلية حيث تختلط الأثنيات والمذاهب: الباشتون، أو الأفغان، الذين أعطوا لقبهم لأفغانستان، سُنة يتحدثون لغة متفرعة من الفارسية ويشكلون الأثنية الكبرى لكن غير الغالبية (44 في المئة من السكان) وهذا البلد يتألف من الطاجيك (الأقلية الأولى 26 في المئة) وهم سُنة يتحدثون الفارسية والشيعة والهازارا (الناطقون بالفارسية) أو غيرها والأقليتان الأوزبكية والتركمانية (السنيتان الناطقتان بالتركية)، لكن البلوش أيضاً والنوريتانيين والأيماك وحتى السيخ·
هذا البلد لم يتح أي فرصة لعدد من القوى (الخارجية) التي حاولت عبر القرون أن تؤثر في تيار الأحداث فيه أو أن تقيم نظاماً أو أن تفرض نفسها· ويمكن أن نتعلم الكثير من كتابات الجنرالات الروس الذين لم يستطيعوا خلال عشر سنوات من الغزو (السوفييتي) أن يهزموا بضعة آلاف من المجاهدين الإسلاميين الذين لم يكونوا على قدر عظيم من الوحدة· كان ذلك “ورطة للجيش السوفييتي الأحمر” على رغم جنوده المئة ألف ودباباته وطائراته الميغ والسوخوي والهليكوبتر والصواريخ· لاشك أن الاتحاد السوفييتي كان قد دخل في تلك الفترة في سيرورة التضعضع النهائي· لكنها كانت حسب ما استنتج أحد جنرالاته “حرباً” يستحيل النصر فيها· وهذا من معرفة السوفييت للأرض - وهي معرفة تفوق معرفة الأمريكيين اليوم، وعلى الرغم من القدرة الأمريكية على جمع المعلومات الضرورية عن العدو المفترض، أو ربما على الرغم من اللاقدرة·
أفغانستان هي ميدان عمليات أكبر مساحة من فرنسا وأصعب جغرافياً بصورة غير معقولة يترامى بين الصحارى والسفوح الشديد الانحدار والمناطق الجبلية التي تقع في غالب الأحيان على ارتفاع ثلاثة آلاف متر (كابول تقع على ارتفاع 1800 متر) الشتاء فيه قارس والصيف حارق· إنها أرض قاحلة تعلم فيها الناس دوماً كيف يستعملونها للاختباء والاحتماء من العدو، إنه شعب ينتظم في إطار نسق قبلي وعشائري حيث تتوالى المؤامرات الأثنية وتتكاثر مع مجرى الأحداث، لكن حيث تتحقق الوحدة في غالب الأحيان ضد الغازي· أفغانستان هي أيضاً “قناة” جوهرية لنقل النفط· وهي أخيراً المنتج الأكبر للأفيون في العالم·
أفغانستان اليوم هي بلد منهك بعد عشرين عاماً من الحروب الأهلية وستة أعوام من حكم طالبان· إنها حسب تقارير الأمم المتحدة صاحبة أعلى معدل عالمي لوفيات الأطفال (16.3 في المئة) في حين أن معدل عمر الفرد لا يتخطى 41 عاماً أي الأدنى عالمياً· أفغانستان هي بلد تعيش فيه النساء “خارج الحياة” مثل المعارضين “الخارجين على القانون” تماماً· إنها البلد الذي دمرت فيه “مكتبة باغلان الإسماعيلية” الرائعة وكتبها الـ 55 ألفاً النادرة التي ترقى إلى العصور الوسطى في عام 1998 بأيدي سادة البلاد· لكننا نتذكر أنه في عام 1996 استقبل الناس “الطالبان”، إن لم يكن باعتبارهم محررين، فاعلي خير على الأقل لا من جانب الباشتون وحدهم، أفغانستان شعب أنهكته الانقلابات السياسية الدائمة طيلة 25 سنة وما صاحبها من مجازر وتهجير ولاجئين (خمسة ملايين يعيشون في باكستان وإيران أساساًّ)·
حتى ندخل في لب القضية الأفغانية، لنتذكر آخر الانعطافات السياسية· أولها الانقلاب على ملكية فاسدة عام 1973 وإقامة جمهورية يرأسها الأمير علي محمد داوود قريب الملك·
ثم الانقلاب العسكري الشيوعي عام 1978 الذي أقام نظام رعب، وسبق الاجتياح السوفييتي عام 1979· ثم حرب المجاهدين الإسلاميين التي ساندتها طيلة ثمانية أعوام الاستخبارات المركزية الأمريكية وباكستان وإحدى الدول العربية· وعندما انسحب السوفييت في فبراير من عام 1989 حافظوا على نفوذ قوي لدى النظام القائم في كابول· ثم كان سقوط العاصمة عام 1992 في أيدي تحالف يطغى عليه الطاجيك بزعامة القائد أحمد شاه مسعود المتحالف مع الأوزبك والهازارا· ثم كان التخلي الأمريكي حالما تخلص هذا البلد من النفوذ الروسي· ذلك أن الولايات المتحدة اسندت إلى باكستان، أي إلى الاستخبارات الباكستانية، الملف الأفغاني· وهذا الملف الذي لا يقبل الباكستانيون التخلي عنه يحتوي “عمقاً استراتيجياً” يحلمون به في الغرب·
راهنت الاستخبارات الباكستانية على الحزب الإسلامي بزعامة قلب الدين حكمتيار حتى يقلب (بنجاح مؤقت) سلطة الرئيس برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود في كابول· ويقدر بعضهم أن المعارك الدائمة بين الأطراف وجميعهم إسلاميون إنما تطغى عليهم الانقسامات الأثنية قضت على 40 ألف شخص وهجرت مليونين في سنتين· وهكذا انفتحت الطريق أمام الاختراق القوي لحركة طالبان مدعومة من إسلام أباد وإحدى العواصم العربية مع لا مبالاة واشنطن أو ربما بمساندتها إلى حين دخول الطالبان كابول عام 1996· وهناك نلمس لب اللغز: إذا كان أسامة بن لادن وشبكاته التي تلقى حماية طالبان هو المسؤول عن الهجمات الإرهابية في نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر، فكيف تركت هذا الغلام يقوى تحت سمعها والبصر إلى حين سدد لها الضربة في الوجه ذلك لأن الولايات المتحدة لم تكن تجري أي اتصال محلي إلا مع الاستخبارات الباكستانية التي تركت لها حرية العمل في حين أنها ضمنت استقرار الأوضاع في 90 في المئة من الأراضي الأفغانية· فلماذا فعلت؟ ويقال إن الولايات المتحدة لم تكن وحدها التي تلعب لعبة الساحر· فكم نظاماً عربياً وإسلامياً ظن أنه يستطيع أن يستعمل الأصوليين “أدوات غير خطرة” حتى يتفادى تصاعد المطالب الديمقراطية؟ وآرئيل شارون نفسه ألم يعتقد على سبيل التذاكي في بداية السبعينات أن يمول سراً الإخوان المسلمين في غزة حتى يبعد الشبان الفلسطينيين عن طريق “الإرهابي” عرفات (على حد تعبيره)؟
عقب طردها من السلطة أعلنت رئيسة الوزراء الباكستانية بينظير بوتو أن “فكرة تشجيع الطالبان كانت بريطانية والإدارة أمريكية وأنا قدمت أرض العمليات” وكانت بينظير رئيسة للوزراء عندما تقدم الملا عمر و”طلاب الدين” الذين نظمتهم الاستخبارات الباكستانية في مسيرتهم نحو السلطة في الجارة أفغانستان·
(لوموند)