كتب نشمي مهنا:
“قد يصير اللغْزُ حسّاً
ويصير الحسُّ وهْمًا، ويُحَلّى بحكايْه··”
هكذا يقول القاص والشاعر سليمان الخليفي، وبمضمون تلك العبارة الشعرية/ الفكرية يؤمن، والتي أوردها على لسان “غزاله” (عندما يخاطب شقُه الآدمي فيه شقَه الآخر الذي تلبّسه على شكل ظبي)·
“الغزال” نص لمسرحية شعرية مطولة، مليئة بالدراما، ضمّنها الخليفي مجموعته الشعرية “ذرى الأعماق” الصادرة عن شركة الربيعان للنشر والتوزيع في العام 1984·
ضمت المجموعة خمسة عشر نصا شعريا، أخذت مسرحية “الغزال” منه “حصة الأسد” (على 63 صفحة)، توزعت بين التقديم، والمدخل، وليلة العرس، والمشاهد السبعة، والنهاية والمرثية·
نستكمل في قراءتنا هذه محاولات تلمس “أعماق” نصه الشعري، بعد أن تبينا بعض ملامحه في عددنا الماضي، من خلال قصة “فصول عمياء”، وحاولنا رسم أوجه الشبه بين النصين، ودلالات مفرداتهما، والألفاظ الواردة في كل منهما، وإسقاطاتهما على “الحكايتين”، فكلتاهما (الفصول والغزال) تبادلتا دلاء اللغة، والحكاية، والشعرية والفكر، برغم اختلاف الشكل الفني·
يبقى منبع هذين النصين (وإن اختلفا فتشابها) الخليفي، ونمير فكره، وما توأمتهما إلا مرآة صدق، ورسوخ فكر لا يدل على خاطرة عابرة·· أو ولادة لحظة، لكل منهما أجواء غرائبية آسرة، تأخذ معها قارئها الى أفق آخر، يتأرجح على حدود “البين بين”، لا يجزم بوهمه أو واقعيته·
في نص “الغزال” ينصب الخليفي أعمدة مسرحه بين الواقع والخرافة، وينسج بين العالمين فصول حكايته، أو هي لعبة - كما يقول راويته - لكنها ليست مفرّغة من الفكرة· فـ”الإبداع - لديه - ممارسة للعب بالنقائض”·
“الغزال” هي حكاية شعبية بسيطة، نحسبها من حكايات الجدات التي تهدهدنا في أماسي الشتاء، وتقصِّر من قاماتها الطويلة، وخيالات أشباحها، خطوطها الرئيسة متشابهة (مع الحكاية الشعبية)، إنما احترف الخليفي في نصه فن الهدم والبناء، قرّبها إلينا بشكلها “الحكائي” المحبّب، فدنونا من مداخلها، وما إن اجتزنا عتبتها الأولى، حتى تحولت “بساطتها الشعبية” الى حبكة، وسمرنا الى فكر، شُغل بنجوم تتلألأ في سماء النص، تتساقط تفعيلاتها بمفاجآت المعنى!
الحكاية بخرافتها: أحبَّ رجل (تكتم على رغائبه الشيطانية) زوجة رجل آخر، فحوّله - في لحظة خارقة - الى غزال، وامتلك من بعده الزوجة، التي استسلمت لقدرات زوجها الجديد، واقتنعت بموت حبيبها الزوج الأول، ثم بدافع الحقد والانتقام أهداها (زوجها ذو النزعة الشيطانية) الغزال، إمعانا في إذلاله، كي يرى ويسمع دون إرادة تغيّر واقعه، الى أن تدخّل الشبح··
هذا ما جاء في “التقديم” الذي مهّد لفهم الحكاية اللاعقلانية، ورسم خطوطها العريضة للقارئ، وفي الـ “مدخل” يدور حوار بين الغزال (الزوج الأول) وزوجته، التي رأت شيئا ما يشع من عين الغزال المهدى لها:
“كيف ينداح بعينيك ضياء الحزنِ هذا؟
أترى أُفْعمتَ حبّاً
أم تُرى غيَّبتَه حضنَ الثرى؟
كيف سغتَ الألمَ المُرَّ··
وما أدراك كُنْهَهْ؟
······
فيك شيءٌ محجمٌ
ألهُ سرٌّ أضاعَهْ؟!
وتسائله (دون أن تصل الى حقيقته):
هل تغرَّبْتَ كثيراً
أركبتَ البحرَ
أم سافرتَ عرضَ الأرضِ
أم·· قايَضْتَ بالوقتِ المسافَهْ؟
عن زوجها الغائب / الحاضر، والمستمع تحكي:
كان زوجي
وردةَ القلبِ
وأعراقي التي سارتْ
بجوف الأرضِ·
إغراقي الذي هزَّ
طيور الصبحِ،
بحرَ الليلِ
أسرى، فيه حباً·· قَمرُ
ويدور بداخل الغزال (الزوج) حديث، شع من عينيه، ولم تفهمه الزوجة:
لستُ ذاتاً بَيْد أني لستُ صَمْتاً
غبتُ عن فعل وجودٍ هوَ ملْء زَخَمُ
غبتُ·· عُدْتُ، لحظتان طيَّ لحظه
بين نفْي الذاتِ
نفْي النفْي، ومضه
يقاطعهما زوجها، الذي يخشى تعاطفها مع الغزال، فيقول في سرِّه:
حِكْمتي: القوةُ والكيدُ
وعُنْفُ الرغبةِ الدهياء، والدأبُ اللحوحْ
وطريقي، الصبر والصبرُ الطويلْ
حيث أبتزُّ من الأشياءِ غايَ المستحيلْ
ويؤكد لنفسه، ثقته بقدراته وعدم استسلامه لأقدار الفشل:
خُلُقي أحرمني طبعَ الفشلْ
ثم يبرر سعيه في المكائد، والتخفيف من جرمه، مرة بعشقه للتحدي:
ذروة الإغراءِ
أن أهدمَ في الصرحِ الحديدْ
ومرة أخرى - رغم التناقض ! - في ضعف الخصم:
أنا، لا أقْدِرُ أنْ أغلبَ
شيئاً ليس يُغْلَبْ·
كان الـ “مدخل” خطوة للحكاية، و”ليلة العرس” خطوتنا الثانية (القصيرة)، فيشاركنا المشهد راويةٌ نتخيّله بردائه الأبيض يقف بزاوية بيت الحكاية، يوجه أبطالها، ويسلسل أحداثها:
شَقَّ جنْبَ الليلِ
إعصارٌ معذِّبْ
فجَّرَ الصوتَ، لزازَ العظْمِ
حزَّ القلبَ
شجَّ الحنْجرهْ··
في المشهد (الأول والثاني وجزء من الثالث)، تدور حوارات بين نساء مدعوات لحفل العرس، يتساءلن عن الزوج الجديد و”كيف أغرى عقلها؟” برغم حبها الخيالي وإخلاصها لزوجها الأول ولكن “علَّ في الموتِ جوابا كان أبْلَغْ”
يعود صوت الغزال في تداخل درامي جذاب، يتساءل عما إذا كانت زوجته ما زالت تحتفظ له بحرارة العاطفة، يستعصي عليه المشهد “الاحتفالي” ولم يجد جواباً لـ”لماذا؟”:
هل أنا ما زلتُ
في أعطافها، أُشْعِلُ جَمْرهْ
في مدى
ما تُطْفئُ الخطرةَ·· خطرهْ!
كيف إرواءُ··· “لماذا؟!”
في المشهد الثالث تبارك لها صديقتها زواجها، وتنبّهها في إشارة عابرة الى عينيْ الظبْي فترد:
لكأنَّ الشيءَ في عينيه لا يُسْبَرُ غورا
لكأنَّ الحدثَ الفاجعَ مأهولٌ ولا يحسمُ أمرا·
فيعتب الغزال بصمت:
كيفَ أعطيتِ يَدَيْكِ قاتلي،
تَيْنِكِ المعقودتين بيَدي!
كلُّ وقتٍ، جسدي قَنْطَرَةٌ
خاض عِرْضي فوقها، فوقي إليكِ·
تبعد الزوجة “المستحيلَ” عن وعيها، وإن هزتها نظرات الغزال، وتطالبه أن ينظر في عينيها:
صُبَّ فيها الخاطرَ، العفَّ المكبَّلْ·
صُبَّ فيها كُلَّ ما فيك، وزِدْهُ
فأنا كهفٌ نأى رُقَّادُهُ
فالكهفُ مُهْمَلْ
ثم يتوجع على أمنية الطفل القادم، المنتظر:
هل عرفتِ كيف يُغتال الندى!
يظهر الراوية في المشهد الرابع يحكي خرافة وإن بدت أجواؤها
مختلفة إلا أنها لم تخرج عن سياق النص، بل هي رابط بين مشاهد:
عاد ذاك الوَجَعُ المرتدُّ
في الصوتِ، جروحا
قيل إن الجارة العمياءَ عاقرْ
ولذا تصرخُ تبغي المددا·
قيل، إن الزوجَ، لا يرحمُها
ولذا، يَذْبَحُها، كلَّ مساءْ
قيل عنها، إنّها مجنونةٌ
قيلَ تصرخْ:
فترى، في الصوتِ أنواعَ المناظرْ!
يتذكر الغزال - في المشهد نفسه - أيامه (الآدمية) ويتمنى:
أغْبِطُ الركنَ الذي في ضلعِ داري
أنَّه ما زال رُكْنا·
أغبط الأعشابَ والنارَ وتيجان النخيلْ
أنها كالمستحيلْ·
وفي المشهد الرابع ودون تحديد للمكان وساحة الحدث يدخل صوت الأم التي فقدت ابنها (بطلنا) (الزوج)، بكلمات تظهر إيمانها برجوعه، فيرد:
شيخةٌ، أقعدها العجزُ لتُنْسى'··· تُزْدرى·
أنتِ كسْرُ النفقِ الممتدِّ من عمقي الى تحت جبيني،
أنتِ سُخْطٌ في يقيني
مُذ نأى القيدُ بكِ اليوم
وأعمتني سُجوني
يحاور الغزال عمقه الآدمي:
أترى يا ظبيُ أُُلْبِسْتُكَ جَبْراً
أم ترى أُلْبِسْتَنى··
تتصاعد حيرته بتساؤلات متتالية، تُعلي صوتَ انفجار داخلي، يبحث عن مخرج من سجنه، وهو داخل هيئة الغزال!:
لمَ لا ترفضني؟
لمَ لا تتعبُ أو تغضبُ
أو تَخْلعني
لمَ تؤوي مِحَني؟
أوَ لَنْ تُفْصِحَ عن سرِّ الحقيقهْ
قُلْ لزوجي، بحشاك الحلوِ
قد خبّأتني·
قُلْ لأمّي: كُنْتَني·
قُلْ لأي كانَ، أو قُلْ لستُ ظبياً!
üüü
بعد أن بلغ الخليفي عقدة مسرحيته، وذروتها، يتدخل - بالمشهد السادس - لتفكيك ألغامها، لاجئا - كعادته - لفكرة، برغم كبر حجم هذه الفكرة، وعلميتها الجافة، يدحرجها بين المشهديْن، فتسقط في مكانها، وتجيء بمقاس “الحل”، بعد أن مهّد لتوقيتها وزمانها، وشذب زوائدها، وحفر في أرضية النص، دون أن نلحظ!
يستعين بنظرية “داروين” في تطور وارتقاء المخلوقات، وضرورات التأقلم البيئي، التي تدفع “بالفعل” و”الحركة” و”الحدث”·
وتبدأ اللعبة - يتحدث عنها الراوية - في محاولة استرداد الزوج لآدميته (فإذا كان القرد الذي هو حيوانٌ في الداخل والخارج، تحوّل الى إنسان، فكيف بالإنسان الذي وضع في وعاء حيوان، إنه بالتأكيد أكثر أهلية للعودة الى إنسانيته)·
فهل سيعود:
كانتفاض الشِّعْر في الحس النبيلْ
أو:
شبحا، يُثْقِلُهُ الرمزُ
كإيماءِ المنارَهْ
في المشهد السابع خطابان، الأول يدور بين الغزال ونفسه، ليبرر الثورةوالعنف ويعود بعد استلابه، والثاني بينه وبين زوجته التي يراها مسلوبة الإرادة أيضا، لخضوعها لإرادة خارجية، وعدم ثقتها بحدسها (الصادق فيه)·
ويختتم الخليفي حوارات أبطاله (وحواراته)، بـ “المشهد النهاية”، فينتصر للقوة من خلال ظهور الشبح الذي جاء به قانون اللعبة، ليُحدث التغيير، ويفاجئ الزوج (الغادر) والزوجة بعد أن يكسر عليهما الباب، فيتساءلان:
الزوجة: أترى؟
الزوج: أترين؟
ذلك الشيءُ فظيعٌ
كسحاب موحشٍ قفر يدورْ
حول روحٍ تتفتّتْ
“ أترى أم نحن ما زلنا نيامْ؟
- ليتنا كنّا كذلك·
“ أغربُ الأشياء، أن الظبيَ
لم يُرْعْبهُ شكلُ الشبحِ·
ثم تبدو لغة التشفي والانتقام بعد أن عصف الشبح بالزوج:
وتدلّى الزوجُ من بين حطامِ السقْفِ
من فوق الركامْ
شُنقتْ جُثّتُهُ من عقبيه،
رأسه يقطر زيتاً
تحته النارُ تلظّى'····
وكان لا بد للمنتصر (الغزال - الزوج الأول) أن ينزل بيديه الستارة، ويختتم القول بـ “مرثية”:
أنتِ أدْرى' بفنونِ اللحْنِ، شوقِ الفِتَنِ
منكِ يهمي زمني
وسأصحو···
قد تجيئينَ، تروحين، تعودينَ، تغيبينَ
وتأتين كوقعِ الموْجِ والبحّار والحدْس الأريبْ،
وتحيطين انسكابي
وسأصحو فوق زهو النبْتِ
أغصاناً وظلاّ
وتكون الغابةُ الخضراءُ
كوني، ليسَ إلاّ··
وتقفل القصيدة الممسرحة ستائرها على حدائق الشعر والفكر، فيتصاعد عبق، يرسم ملاحظات:
- يختتم الخليفي مسرحيته الشعرية بانتصار “الخير”، لكنه لم يتخل عن فكرة “الحلول”، ولم يختمها بهيئة محددة أو جسد، فيترك الفكرة مفتوحة للخيال، ويعطي أبطاله الحرية في اختيار هيئاتهم، يحطون كيفما شاؤوا (إنسان، غزال، شبح)، أو روحاً سابحة في هلامية الوجود، بعد أن تصل الى ذروة “الارتقاء”·
- يشهد قرّاء الخليفي ولعه بالانتقام من أبطال قصصه وشخوص نصوصه الشعرية، الذين يؤرقهم بشبح “الفشل”، ويحبطهم بـ”السقوط”، فلا يأمنون معه الوصول الى “النهايات”، سالمين·· قد تكون تلك لعبته المفضلة مع أبطال لا يرى بطولاتهم، أو قد تكون ملهاة للتشويق! أو أنانية منه حتى لا يزاحمه أحد “ذرى الأعماق”؟!
- في مخزون ذاكرتنا، يتراءى لنا رمز “الغزال” بالوداعة، والجمال، والرقة، إلا أن الخليفي لم يدع لنا فرصة للتساؤل: كيف حوّل تلك الوداعة الى قوة منتقمة، وإن جاء الدمار على يد “شبحها”، الذي سكن “حقيقتها”!
وكما عوّدنا الخليفي القاص، جاء شقه الثاني “الشاعر”، الكامن في أدبه ولغته ليأخذنا بقبضته، الى تخوم يتماهى بها “الشعري” و”الحكائي”، فنسلم مخيلتنا - انبهارا - لعوالمه، ونردّد: ما قيمة النص الإبداعي إن لم ينقلنا الى أجوائه الخاصة، ويقطع جميع صلاتنا بالعالم من حولنا، ولو لساعات قراءة؟!
- هو يضع كل ما يريد قوله، دون أن يجرح جسد النص، ودون أن نرى انتفاخات في شريان هذا المقطع أو ذاك (برغم حقنه بالفلسفة والفكر)، لا يطيل ولا يبتسر، تكتمل - صورة النص - في مخيلته فتولد ولادة طبيعية فيسلمها لبياض الورق·
لا يسمِّي الوجه / الشبح بالشرير إنما يمكّننا من رؤية شره، فنقدّر احترامه لنا كقراء عندما يتخلى عن العناوين الكبيرة والصفات، فيتركنا “نعيش” معه وبه، ونكتشف···
- تلك كانت محاولة لقراءة “حكايته”·· أما حكايتي معه، فهي اكتشافي المتأخر للخليفي الشاعر! أخجلني هذا الجهل لفترة، إنما برّرته بعد أن رأيت الكثيرين يشاركونني جهلي، الذي كان هو أحد أسبابه، فكيف نتمكن من رؤية شاعر متوارٍ خلف قاص، بقامة الخليفي الذي يتحاشى الأضواء، ويكتفي بتسلّق عمقه!
تبرير يحيلنا إلى أسئلة: ماذا كتب الخليفي منذ الـ 84 وقت صدور مجموعته الشعرية؟ أين قصائده؟ ولماذا لم ينشرها؟!