كان لونه أحمر·· وبعد انتقاله من سجن إلى آخر عايش الألوان الأخرى
فيصل السعد: المنفى·· امرأة جميلة تحاول إغراء الكاتب ليرسمها بعد أن تضع أمامه جميع أدوات الرسم
حاوره: محمد النبهان - “أفق”
الشاعر فيصل السعد··· هرب من العراق ومن سجونه وبطش حكامه الى الكويت ليعانق أول محطات الغربة، مارس الصحافة التي عمل بها متفرغا أكثر من عشرين عاما، وأنتج خمسة دواوين شعرية هي على التوالي (آلام الزمن المعتم - 1971)، (أمل أغنية قبل الموت - 1974)، (دفتر الحزن - 1977)، (أغاني التراب - 1983) و(أمطار الصمود - 1991) · كما كان له نتاج في القصة القصيرة سوف يطبع قريبا، ومساهمات عدة في إصدار بعض الكتب والدراسات، ثم كانت محطة الاغتراب الأخرى في (كندا) التي أنتجت عملا روائياً سيرى النور قريبا بعنوان “الدهشة”·
“أفق” التقت الشاعر فيصل السعد في حديث عن تجربته الوطن/ الغربة/ المنفى·
· “تمنيت موتا على حفنة من تراب”
هكذا كنت تصرخ في “دفتر الحزن” و”آلام الزمن المعتم”· تخرج من غربة لتلج أخرى، وحفنة التراب تلك لا تزال بعيدة!!
هل تستطيع الآن طرق بابك القديم؟
- لولا التراب الذي يدثرني منذ خيبة أملي الأولى، لما استطعت أن أعايش شعري حتى اليوم، لقد تحديت الدولة التي ولدت فوق ترابها مؤمنا أن الدولة المقبلة ستوصل الفكر الذي انتميت إليه والذي حاول رجاله المتواجدون في السجون أن يرسموا شكل الدولة، وقد زرت معظم الدويلات وتأكدت بأنني بين سلطات شُكّلت لتمثل الوهم الذي يعتري المنتمين والذي يودون الوصول بسرعة ليجعلوا من جثث ضحاياهم جسورا توصلهم الى قصور سلطاتهم/ الحلم، فقد كانت سجونهم تمتاز بالضرب اللاإنساني·
وقد آمنت أن جميع الألوان السياسية كانت في سجونها وتنظيماتها في الشارع تهدف الى إذلال أعضائها لسلبهم الجرأة التي كانوا بواسطتها يستطيعون - إن أرادوا - أن يثوروا على قادتهم الذين توارثوا المراكز السياسية عن طريق التملق والخدمة الخاصة إذ أن القادة الذين جربتهم في السجون كانوا لا يجيدون الحوار أو الإصغاء أو الفهم الثقافي، كانوا سذّجاً لذلك برزنا نحن السذج كمثقفين بينهم·
كان لوني أحمر· ولكن خلال تنقلي من سجن إلى آخر عايشت الألوان الأخرى وتأكدت أن التنظيم السياسي يلفظ معظم أعضائه بعد وصوله الى السلطة التي أنشأ نفسه كحزب من أجلها· وحزب البعث هو الدليل الأكيد على قولي هذا· فعند مجيئه عام 1963 فقد الشارع العراقي في يوم واحد عشرين ألف قتيل من الأحزاب الأخرى وخصوصا الحزب الشيوعي، كان ذلك في بداية مجيئه للسلطة، إلا أنه التفت الى تركيبته ليشذبها - كما يظن - وبدأ الموت يزحف في زياراته السريعة لكل المثقفين وحملة الشهادات الى أن وصل اليوم لتشكيلة حزب نادرة يمثل لجنته المركزية وخلاياه وأعضاءه وأصدقاءه صدام حسين الذي لا أدري من أين جاء بكل هذه الجرأة ليتحدث باسم الحزب حتى يومنا هذا·
على أية حال تجربتي التي تشاطرت وأصبحت تعني تجارب الآخرين جعلتني أؤمن أن العهد الملكي هو الأفضل ويمكن التأكد من ذلك بعد استعراض سريع لجميع الأنظمة الجمهورية التي مرت على العراق دون أن نستثني أحدا بدءاً بقاسم وانتهاء بصدام· ففي العهد الملكي كنا نستطيع أن نأكل ما نشتهي، نقول ما نريد، ولكن بهمس، ننام باطمئنان لأن خبزة الغد مضمونة· اليوم الاعتقال شمل حتى الصامتين، والجوع عم كل البطون والأدمغة ولا نملك بديلا لأوضاعنا هذه إلا أن نموت على حفنة من التراب الذي هو الآخر تشاطر ليشمل عالمنا العربي ويشجعنا نحن البؤساء على البحث عن حفنة تراب نشم فيها ولادتنا ونغفو غفوتنا الأخيرة·
· هل تعتقد أن الدول العربية مؤهلة لمشاريع مثل “عواصم ثقافية” حيث إن الكتاب لا يزال ممنوعا ومصادرا، والأدباء مطاردون بتهمة تعاطي الثقافة؟
- إذا ما استطعنا خلع ثيابنا الحدودية في الخارج وكسرنا القيود التي فرضت على شعوبنا وآمنا بضرورة الوحدة العربية وعملنا من أجل تهيئة شعوبنا لمستقبل يكون أفضل من الذي رسمته الأذهان وآمنا بأن كتاب الله جاء ليمنح لنا طرقا حياتية كريمة وابتعدنا عن الكذب والوعود الفارغة واستغنينا عن التهديد والإكثار من السجون وبدأنا بثقافة حقيقية من شأنها أن تنشئ أذهانا قادرة على الأخذ والعطاء ثقافيا والتفتنا الى ضرورة دراسة الآخرين·· كل هذه الأمور لو تمت لاستطعنا أن نجعل من بلداننا أن تكون “عواصم ثقافية” يؤمها الآخرون·
أما الآن والخلافات العربية منتشرة في عالمنا حد العمق والعراك الفكري المحلي وانتشار الخوف من سجون الحكام وبطشهم، لا يمكن أن ترشح بلدا لأن يكون عاصمة ثقافية خصوصا أن للرقابة المنتشرة في كل دولة الدور المخيف الذي إذا لعبته باتقان شلت دور النشر المشاركة في هذا البلد أو ذاك ليصبح الكتاب الصادر حديثا تهمة قد تقود صاحبها الى قفص الاعتقال·
· قلت مرة: “إذا كنت مهددا بالإبادة داخليا بفعل ما أعانيه من آلام زمني المعتم، فهناك احتمال بسقوط الآخرين الذين يعانون”، وكما هو معروف أن المأساة البشرية تتشابه في كل مكان، فما يحدث هنا يحدث هناك، والعكس صحيح· كيف يتم توظيف كل ذلك في قصيدة تنبع من الهم الذاتي؟
- اللحظة الشعرية تلد القصيدة دون أن تشعر صاحبها مسبقا باللون الشعري الذي ستلد فيه قصيدتها ولا بمضمونها· فالشاعر الحقيقي تسخره اللحظة ليكتب دون أن يجد وقتا لمراجعة ما كتب، وهو في هذه الفترة يعيش لحظات “إغماء واع” ورغم وعيها إلا أنها قريبة للإغماء أكثر· هنا لا يستطيع الشاعر أن يتعمد توجيه هذه القصيدة أو تلك لتطرح الموضوع المتوقع من قبله، وهذه اللحظة تجيء عبر معاناة يعيشها الشاعر وهي معاناة واعية قد تستمر شهرا أو ساعات، وتكون عادة - هذه المعاناة - مصحوبة بقراءات شعرية أو أدبية، بعد ذلك نرى الشاعر يختلف في سلوكه مع الآخرين، فهو إما أن يفضل الانزواء والابتعاد عنهم أو عدم الإصغاء لأحاديثهم· في أوقات المعاناة هذه تولد اللحظة الشعرية·
الشاعر لا يمكنه توظيف ما يكتب وإلا يصبح مؤلفا وليس شاعرا، لكنه يستطيع أن يوجه القصيدة المنتجة الى الدرب الذي يريد وذلك بمراجعة تأتي واعية مختلفة عن إغفاءته الذهنية في كتابة القصيدة الأولى، ورغم بقائها في الموضوع الذي طرحته اللحظة إلا أن الشاعر يمكنه أن يغير في الشكل المطروح وذلك يأتي عن طريق استبدال لصور الطرح أو المفردات، وهو لا يستطيع - بالطبع - أن يغير الشكل الشعري من العمودي الى الحديث لكنه يعطي نتاجه جمالا أفضل كما يظن· وفي معاناته لأي موضوع يكون حدثه الذاتي هو المنطلق الذي يقوده الى معاناة الشعوب الأخرى، نراه يبدأ بمعاناته الذاتية، من أزمته ثم يتحول الى معاناة الآخرين، وهو عند توظيفها - واعيا - يستغني عن بدايات القصيدة ليجعل من انتقاله الى ما يعانيه الآخرون منطلقا للقصيدة الجديدة· أما أن يبدأ - بتعمد - كتابته بتناول ما هو غريب عنه ولصيق بالآخرين فهذه مسألة جد صعبة - عندي على الأقل -·
· يقول غائب طعمه فرمان: “ليس في الغربة إيجابيات، الغربة شيء سلبي، “وأنها كانت دائما تبعده” عن الينبوع الأصلي للإبداع”· ماذا يعني المنفى بالنسبة للكاتب؟
- المنفى امرأة جميلة تحاول إغراء الكاتب ليرسمها بعد أن تضع أمامه جميع أدوات الرسم، بل وتزوده بمعلومات، تتحدث عن طريقة الرسم الناجح والتي لا يمكنه توفيرها في بلده الذي استبدله بالغربة· فالإنتاج الجيد لا يأتي إلا نتيجة معاناة صادقة يعيشها الكاتب، وهذه المعاناة تلغى إذا كان تواجده في بلده لا يمارس هذه المعاناة، لأن الدولة وفرت له كل شيء ضروري أو كانت منعت عنه كل شيء، بحيث إن المعاناة من أي شيء يجلب لمعصميه قيود الاعتقال·
غائب طعمه فرمان أنتج “خمسة أصوات” وروايات أخرى يعجز ذهنه أن ينتجها في العراق لأنه سيكون مشغولا بكيفية إيهام السلطة بهذا المضمون أو ذاك، وبالتالي فإن الغربة هي الوحيدة القادرة على أن تضع في الواقع الحلم الذي يتمنى أن يعيشه·
واسمح لي أن أتحدث عن نفسي قليلا· لو كنت في العراق لما استطعت الخروج عن إنتاج قصيدة جديدة بين آونة وأخرى· جئت الى الكويت وها أنا أمارس الصحافة التي عملت فيها متفرغا لفترة عشرين عاما، وأنتجت خمسة دواوين شعرية كان لها صدى عربيا جيدا، وأعددت عشر قصص قصيرة ستطبع قريبا، ومارست الاغتراب في (كندا) لاستغل فترة الاغتراب هذه وأكتب رواية “الدهشة” التي ستصدر قريبا، ولي مساهمات أخرى في إصدار بعض الكتب والدراسات· كل هذه الأمور لا يمكن إنتاج بعضها لو كنت مشغولا بالمراوحة فوق تراب العراق هاربا من سياط حكامه·
فالغربة يمكن أن يستغلها المبدع إن أراد، وإن لم يرد فستخرسه·