اعتبر الكاتب والمحلل السياسي روبرت فيسك أن أسامة بن لادن هو الشخص القادر على مهاجمة الأهداف الأمريكية وهو المسؤول عن الانفجارات التي هزت الولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من الشهر الجاري مستبعداً في الوقت ذاته أن يكون للجماعات والمنظمات الفلسطينية (حماس - الجهاد الإسلامي) أي دور في الانفجارات الأخيرة على مركزي التجارة في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) في واشنطن فهي “لا تحوز القدرة ولا المال اللذين يلزمان هذا الهجوم”· كما استبعد أيضاً حزب الله، وإيران “ التي هي أكثر انشغالاً في صراعاتها الداخلية”·
وقال فيسك في مقال نشر في صحيفة الاندبندنت تحت عنوان “بن لادن·· هل هو المسؤول؟”· إن العراق “يرقد محطماً وعملاؤه مشغولون بتعذيب شعبهم لا بالرد على الولايات المتحدة”·
وفي مقال آخر تحت عنوان “لماذا يكره المسلمون أمريكا” نشر في صحيفة “ذا نيشن” قال فيسك إن 34 سنة من الاحتلال الإسرائيلي القاسي للأراضي العربية المحتلة قد تلاشت في غضون ساعات عندما ضرب من يمثلون شعباً مسحوقاَ ضربة انتقامية بكل قسوة وإيذاء المصالح الأمريكية·
بن لادن·· هل هو المسؤول؟
يمكنني أن أتصور الآن كيف تلقى أسامة بن لادن الأنباء عن الفظائع في الولايات المتحدة· إجمالا، لا بد أنني قضيت خمس ساعات استمع إليه في السودان ثم في جبال أفغانستان، حين كان يصف الانهيار المحتوم للولايات المتحدة على نحو ما ساعد هو ورفاقه في حرب أفغانستان في تدمير الجيش الأحمر·
لا بد أنه شاهد محطة فضائية، جلس في زاوية غرفته ونظف أسنانه على نحو ما يفعل دائما بمسواك يفكر نحو دقيقة قبل أن يتحدث· ذات مرة، حدثني بفخر عن كيف هاجم رجاله الأمريكيين في الصومال· واعترف لي بأنه عرف شخصيا اثنين من السعوديين الذين أعدموا لتفجيرهم قاعدة عسكرية أمريكية في الرياض· فهل يمكن أن يكون وراء المذبحة في أمريكا؟
إذا كان السيد بن لادن مذنبا حقا في كل القضايا المتهم فيها فلا بد أنه يحتاج الى جيش من عشرة آلاف رجل· وهناك شيء مقلق جدا بشأن عادة العالم الالتفات الى آخر شخصية مكروهة كلما سفحت الدماء· لكن عندما تحدث أحداث بهذا المقدار العظيم هناك شرعية جديدة في النظر الى أولئك الذين هددوا الولايات المتحدة دوما·
تمتع بن لادن بنوع من التجربة الدينية ابان الحرب الأفغانية· ذات مرة سقطت قذيفة روسية عند قدميه وفي الثواني التي انتظر خلالها أن تنفجر قال إنه شعر بنوع من الهدوء· لكن القذيفة لم تنفجر·
كل عشر دقائق، يقول إن على الولايات المتحدة أن تغادر الخليج، وأن على أمريكا أن توقف جميع العقوبات بحق الشعب العراقي· وعلى أمريكا أن توقف استعمال إسرائيل لقمع الفلسطينيين· هو لم يكن يقاتل في حرب ضد الاستعمار إنما في حرب دينية· ويجتمع مريدوه حوله وقد اعترتهم خشية الاستماع التي اعترت تلامذة المسيح· والكلمات التي سمعوا كانت مرعبة في تداعياتها· فالمدنيون الأمريكيون لن يكونوا بمنأى عن الأهداف العسكرية· وأنا أتذكر أيضا ليلة شاهد فيها بن لادن كومة جرائد في حقيبتي فأخذها· وعندما أشعل مصباحا زيتيا قرأها، وهو لا يدرك أن جميع العالم يتحلق حوله· فهل يكون بن لادن الرجل الذي يستطيع إلحاق الأذى بأمريكا؟
إذا كانت ظلال الشرق الأوسط ترخي أطرافها على خلفية التدمير الواقع في الأمس، فمن يستطيع غير بن لادن أن ينفذ مثل هذه الهجمات المتزامنة بدقة؟ الجماعات الفلسطينية المشتتة التي كانت تفضل خطف الطائرات غير قادرة على الأرجح على تنفيذ عملية انتحارية واحدة· أما حركتا “حماس” و”الجهاد الإسلامي” فلا تحوز أي منهما القدرة ولا المال اللذين يلزمان هذا الهجوم· ربما كانت الجماعات التي اقتربت من حزب الله اللبناني في الثمانينات قبل أن تصبح هذه المنظمة وحيدة في حركة المقاومة· لقد احتاج تفجير مقر المارينز في عام 1983 الى دقة وتوقيت وتخطيط محكم· لكن إيران التي ساندت هذه الجماعات هي أكثر انشغالا في صراعاتها الداخلية· أما العراق فيرقد محطما وعملاؤه مشغولون بتعذيب شعبهم لا بالرد على الولايات المتحدة·
هكذا، تكون جبال أفغانستان عرضة للتصوير من الأقمار الصناعية والطائرات المحلقة على ارتفاعات شاهقة في الأيام المقبلة، في حين تكون أضواء الكشافات مسلطة على معسكرات تدريب بن لادن في البنتاغون· لكن ما هي الغاية؟ إذا كان ما يجري الآن حربا فهي لا يمكن أن تخاض مثل حرب أخرى· وهل يمكن حقا خوضها أساسا من دون مغامرات عسكرية مكلفة وراء البحار؟ وهل هذا ما كان يسعى إليه بن لادن أصلا؟