· حركة 1938 الإصلاحية كانت امتداداً للحركة الوطنية في الكويت ودبي وصدى لأحداث فلسطين
· بريطانيا تعارض مطالب الإصلاح وتعزل الشيخ عيسى من الحكم
أكد اثنان من الفعاليات البحرينية أن المطالبة بالإصلاح في البحرين بدأت منذ حقبة العشرينات من القرن الفائت، وقالا إن انتشار التعليم وزيادة أعداد المتعلمين والشباب قد ساعدا على تبلور هذا الاتجاه الإصلاحي في البلاد·
وأضاف د· مفيد الزيدي وزكي مبارك في كتاب التيارات الفكرية في الخليج العربية (1938 - 1971) أن البحرين شهدت في فترة الثلاثينات افتتاح عدد من المدارس، وانتشار التعليم، وظهور مجلة بحرينية وإنشاء قوة للشرطة، وغيرها من مظاهر الحركة الإصلاحية التي حدثت عام 1938·
وفيما يلي مقتطفات من الكتاب:
تبلور الاتجاه الإصلاحي في البحرين منذ العشرينيات من القرن المنصرم في صفوف المتعلمين و التجار بشكل خاص، و قد ساعد ذلك الصحافة العربية و تأثيراتها في المثقفين، و انتشار التعليم و زيادة أعداد المتعلمين الشباب، و احتكاكهم بالمفكرين و الرواد المصلحين العرب، فضلا عن سياسة الأسرة الحاكمة في فرض أعمال السخرة على الناس، و الاستحواذ على المحاصيل الزراعية و الأسماك، و ضم الأراضي الزراعية، و عدم السماح للناس بحق التملك، و نمو روح العداء في صفوف الشباب تجاه بريطانيا·
و قد ساعدت هذه الظروف على تنامي المطالبة بالإصلاح في صفوف رؤساء القبائل و التجار و المثقفين الذين قدموا مطالبهم إلى الشيخ عيسى بن علي آل خليفة (1869 - 1932) و تضمنت:
ا - تأسيس مجلس تشريعي·
ب - تعريب أجهزة الإدارة التي تسربت إليها عناصر موالية للسلطة·
ج - تطبيق العدالة الاجتماعية، ووقف التلاعب و الاستغلال التجاري، ووضع قوانين عادلة تنصف عمال الغوص·
د - الحفاظ على المناخ الثقافي في أجواء الحرية الكاملة·
ه - تحقيق قدر من الديمقرطية، و الحد من سلطات الحاكم·
و - وقف تدخل بريطانيا في الشؤون الداخلية، و حصر ذلك في القضايا الخارجية بحسب المعاهدات الموقعة بين البحرين و بريطانيا· فاستجاب الشيخ لهذه المطالب تجنبا لحدوث مواجهة مع الشعب، و استكمال مسيرة الإصلاح التي حاول المضي فيها منذ مطلع العشرينيات، و لكن السلطات البريطانية عارضت هذه الخطوة، و منعت الشيخ من إجراء الإصلاحات، و تنفيذ مطالب الإصلاحيين، وأقدمت على غزو البحرين في أيار/مايو 1923، مما أدى الى عقد مؤتمر وطني في مدينة المحرق في السادس و العشرين منه عرف بالمؤتمر الوطني البحراني ترأسه عبد الوهاب الزياني تمت خلاله صياغة المطالب الوطنية التي صادق عليها أعضاء المؤتمر لتقديمها إلى الشيخ، و التي تضمنت استمرار الشيخ في إدارة الشؤون الداخلية، و منع تدخل الوكيل السياسي البريطاني في الشؤون الداخلية، و تحسين علاقات بلاده بالبحرين، وأن يسير الحكم وفقا للشريعة الإسلامية، و تأسيس مجلس شورى من اثنتي عشرة شخصية و طنية منتخبة لتنفيذ هذه المطالب، و تشكيل محكمة من أربعة أعضاء عارفين بشؤون الغوص للنظر في دعاوى الغوص·
و عارضت بريطانيا هذه المطالب، و عزلت الشيخ عيسى من الحكم بحجة عدم قدرته على إدارة البلاد، و حل بدلا منه نجله الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة (1923 - 1941)، وتم تعيين موظف بريطاني بصفة مستشار هو تشارلز بلغريف، وألغيت المحاكم، و شكلت محاكم أخرى مشتركة (بريطانية و بحرينية) تحت إشراف المستشار البريطاني، ووضع جميع الشؤون الداخلية تحت إشرافه المباشر·
اكدت التجربة الإصلاحية لعام 1923 ظهور النخب الاجتماعية التي رفعت لواء المطالبة بتحسين الأوضاع العامة، و رفع المعاناة عن الناس، و إيقاف التدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية، و ظلت على الرغم من فشلها محاولة على طريق ترسيخ الحركة الإصلاحية في البحرين التي تبلورت عام 1938·
فقد شهدت البحرين في الثلاثينيات افتتاح عدد من المدارس و نشر التعليم، و إنشاء الأندية و الجمعيات، و ظهور مجلة محلية هي صوت البحرين، و زيادة إقبال الشباب على مطالعة الصحف و المجلات العربية، وإنشاء قوة للشرطة، و سلطة قضائية ، و محاكم نظامية، و تطور في الخدمات الصحية· وإلى جانب ذلك، عانت فئات المثقفين و التجار و العمال الشعور بالإحباط و الحرمان نتيجة الظروف السيئة، و فقدان فرص العمل و تشغيل السلطات البريطانية لرعاياها الهنود و البريطانيين في مجالات الإدارة و النفط، و فرض بلغريف نفوذه و إشرافه الكامل على مقاليد الحكم، و سلطته المطلقة التي ولدت السخط الشعبي، و تنامي الوعي الوطني بضرورة الإصلاح، و لاسيما بعد التأييد الذي قدمه الشيخ سلمان بن حمد (1946 - 1961) ، أكبر أبناء الحاكم، لدعاة الإصلاح، قبل تسلمه الحكم، لأنه كان يخشى أن يتولى الحكم عمه الشيخ عبدالله بن عيسى، و تشجيع التقارب بين السنة و الشيعة في الوقت الذي أشعلت فيه السلطات البريطانية الخلاف الطائفي للتدخل في الشؤون المحلية· و مارس الشيخ سلمان الضغط على والده من أجل تنفيذ الإصلاحات التي اعتقد بأنها ستسمح له بتولي منصب ولي العهد، و من ثم يصبح حاكما على البلاد·
و كانت حركة 1938 في البحرين صدى لأحداث فلسطين و انتفاضة 1936 ضد الصهاينة ومن ورائهم بريطانيا، و امتدادا للحركة الوطنية في الكويت و دبي (1937 - 1939) التي انطلقت من عرب الهولة الذين تأثروا بشكل كبير بالأحداث التي شهدها الوطن العربي، ولا سيما الحملة التي شنتها إذاعة قصر الزهور في بغداد، ولاقت تأييدا كبيرا من كبار العلماء في البحرين، وعقدت اجتماعات بين خليل المؤيد و أحمد شيراوي وعلي بن خليفة الفاضل و سعد الشملان، و منصور العريض، ومحسن التاجر و السيد سعيد و عبدالله أبو ذيب، لتوحيد جهود السنة و الشيعة ضد استبداد المستشار البريطاني، و تقديم مطالب مشتركة للشيخ، و اتصلوا بعناصر أخرى إلى أن تمكنوا من تقديم مطالب الوطنيين إلى الشيخ، و تضمنت عشر نقاط هي:
ا - إنشاء مجلس تشريعي مؤلف من عشرين عضوا، عشرة منهم سنة و مثلهم شيعة، في انتخاب عام من دون تدخل أي سلطات أجنبية، و يعين الحاكم رئيسا للمجلس·
ب - طرد الموظفين الهنود و استبدالهم بموظفين وطنيين، و عند اللزوم عراقيين·
ج - السعي إلى إيجاد حكومة منظمة ذات قوانين و أنظمة و مسؤولة تجاه الحاكم و الأمة·
د - تعديل مالية البلاد بصورة تكفل إطلاع الأمة على مصروفاتها ووارداتها·
ه - إيجاد شرطة عربية من أبناء البلاد يحلون محل الأعاجم·
و - طرد الموظفين الخونة·
ز - بذل الجهود لتعليم أهل البلاد، و إرسال بعثات تعليمية خارج البحرين·
ح - إصدار جريدة سياسية تنشر حرية الفكر و الكلام، و تنتقد أعمال الحكومة·
ط - الاتصال بالهيئات و الجمعيات السياسية العربية في الخارج للاستعانة بهم، وبمعلوماتهم أدبيا و سياسيا·
ي - منع اليهود من دخول البحرين، و إلغاء جنسيتهم البحرينية·
طلب الشيخ حمد بن عيسى من قادة الحركة إعطاءه فرصة للتشاور، حيث استشار بلغريف الذي رفض مطالب الإصلاحيين·
ووزعت في ليلة الثاني و العشرين من اكتوبر 1938، منشورات في الشوارع، و الدوائر الحكومية نقلت إلى الناس قولها:
"إليكم نبأ سارا يا أبناء أمتنا العظيمة، إنكم ستتخلصون من الظلم و الاضطهاد، لقد سمعتم خلال الاجتماعات التي عقدها قادة الأمة، و المتحدثون باسمها، ما يثبت لكم بأن الاضطهاد سيزول، فكونوا مستعدين لتلقي أمر آخر"·
و أعلن عمال شركة النفط (بابكو) إضرابا في اليوم التالي تحول إلى مظاهرات شعبية شاركت فيها فئات التجار و الموظفين و العمال و أصحاب المهن و الطلاب، مطالبة بإقامة مجلس تشريعي يضم جميع الفئات الاجتماعية، و تشكيل النقابات العمالية، و طرد العمال و الفنيين الأجانب، إلا أن السلطة تصدت لهم، وألقت القبض على عدد كبير منهم، وفر آخرون إلى البصرة·
وتجددت الإضرابات ثانية حينما اعتقلت السلطة في الخامس من نوفمبر 1938 سعد الشملان وأحمد الشيراوي بتهمة التحريض على الإضرابات الأخيرة، فتجمع العمال و الطلاب في المسجد الكبير في المنامة وطالبوا بمقابلة المستشار البريطاني إلا أنه رفض ذلك، وخرج المتظاهرون إلى الشوارع، وأغلقت المحال التجارية، و اشتبكوا مع الشرطة، وألقي القبض على عدد منهم·
وتواصلت حالة الهياج الشعبي حيث وزعت في الثامن من نوفمبر منشورات دعت الى الإضراب العام، وإطلاق سراح المعتقلين، وظهرت منظمة أطلقت على نفسها تسمية "رابطة الشباب الأحرار"، وأعضاؤها من الشباب الوطنيين الذين عملوا بصورة سرية، وقدمت الرابطة مذكرة إلى السلطات البريطانية طالبت فيها بإنشاء مجلس تشريعي على غرار تجربة الكويت، وإعلان العفو العام عن جميع المعتقلين، وإنشاء مجلس للتعليم، وآخر للقضاء، و اتحاد للعمال·
وعلى الرغم من أن هذه الحركة هي الأخرى لم تنجح في تحقيق أهدافها التي قامت من أجلها، ولم تتمكن من الوقوف ضد السلطة التي استخدمت القسوة والعنف ضدها بدعم من السلطات البريطانية، و افتقار الحركة إلى البرنامج السياسي الواضح، وعدم وجود مساندة شعبية حقيقية لأهدافها الليبرالية و الإصلاحية و اقتصارها على النخب الاجتماعية من التجار و المثقفين، على الرغم من ذلك، فقد أظهرت تأثرا واضحا بحركة المجلس في الكويت وخطواتها الإصلاحية، ومثلت بحق بدايات الحركة الديمقراطية في الخليج العربي إلى جانب شقيقتها في الكويت·