فصـول عميـاء
سليمان الخليفي
لولا أنني أحبك يا مريم! لما كشفت لك عن خباياي· إنني متعبة! أنت صديقتي والصديق الحقيقي، يضع بعض الأحيان المادة الفضية، فأبصر بك نفسي· سأعيد عليك ما قلته، والذي أخفيته عنك فربما جاء وقت يضع رأسي على صدرك، وأبلله، ما أسعفتني عيناي· لا داعي لوصفه، فأنت تعرفينه، وإن كان من الخارج واغفري لي صلافتي·
مريم - أنت منفعلة!
- كل الانفعال· أوشك أن أصرخ·· بي رغبة هوجاء، تغريني على أن أكسر أي شيء في يدي· لكنني متعبة· أرجو ألا تلوميني، قدر ما لمت نفسي على حدث لم يكن من صنعي· إنه لا يكاد يكلم أحداً، وكلمني· ولا يذهب إلى أحد، ولا يرفع عينيه إلى شخص بشر، ووضعهما في عيني محترقتين وباردتين، وبدون مقدمات، قال لي: قرأت مقالتك·
كنت أمشي فوقف، قال: - أوافقك على أهمية الحس الناضج، لاستكشاف عالم الطفل· وأعتقد معك أن الطفل مشروع، لو أتقنه أبواه، لكانا عظيمين·
دخل مكتبي، وجلس قبل أن أجلس، وكان يرحب بي بابتسامة من عينيه رأيتها للمرة الأولى؟ هذه الغرائب لا شيء، إزاء جملته التي صمت قبل أن يلقيها، >الطبيب قال لي: إنك، لن تستطيع الإنجاب” قالها ببساطة متناهية· صفعتني الجملة· أدارت رأسي· هو كمن يقول: إنني لست رجلاً! لماذا يعترف لامرأة، شخص لا يعرفه؟ إنه لا يتعاطى الأحاديث· هو في الغالب يجيب على الأسئلة، ومعي: انطلق على غير عادته، والأمر من ذلك أنه قال ما قال، ببساطة! لم أنا بالذات؟ لم لم تدفعه أنوثتي إلى التحفظ؟ أمر يبعث على الزهو وآخر يثير الغيظ! يثير الغيظ، حتى أنني عمدت إلى جرح مشاعره· أردت أن أضربه بحقيقة أنني امرأة، وبكوني كاملة، كانت تلك للمرأة الأولى يهزمني فيها شخص لم يتعمد المنافسة· أن يفضح رجل نفسه، بالكشف عن سقوط الخصلة الذكرية، وبلغة رزينة واضحة يجعل من نفسه شخصاً سهلاً، ويبني لصق شخصه عتبة للعبور! آذتني بساطته، كشفت قيودي! فأردت الثأر· قلت: - ليس كل الرجال بقادرين·· ضيق عينه اليسرى متأملاً كلمتي، ثم لم يلبث أن حكى لي عن رفيقه في الطفولة· >لم يكن بيتهم قريباً من بيتنا، لكنه أصبح رفيقي وعزيزاً علي·
مررت بجوارهم وكان على وشك الدخول، توقف، كان يحمل خبزاً، وتوقفت، أصبحنا صديقين· كيف تخاطبنا؟ كيف عرف كل منا الآخر؟ أحدث ذلك في أيام أم أكثر··؟ حدث، وأطمأن أهلناإلي اختلاطنا، فأصبح بيتانا بيتينا· حين لا أكون في بيتنا لمدة تطول، يعني أنه مريض - توافقت مشاعرنا حتى ليدرك خواطري في سلوكي· كانت الأحداث التي عايشناها أكثر مما تحصى، فلم يبق في النفس إلا النكهة· لم نعرف الفرح، لكننا عشناه حتى ضايقنا الليل والنوم، كانت رفقتنا طويلة لا أذكر شيئاً منها، لا أذكر إلا أنني وضعت كتفي بكتفه: وركضنا·· فمات! ومنذ أن مات، لم أركض يوماً!
وفي يوم خطر في بالي، أنه لو جاءني ولد لأسميته >وائل” فأصبح الخاطر قوة جاذبة، حركتني مع الأيام·
وفي يوم آخر، سألت نفسي: - ماذا لو أنني لا أستطيع الإنجاب؟ ألح علي السؤال· قاومته فغلبني· وهكذا عرضت نفسي على مختص· فعلمت أن النجاح بعد العلاج احتماله ضعيف”·
وعالجت بالطبع! سألته، فقال: - أبداً·
منذ ذلك اليوم، وأنا لا آتي إلى العمل، إلا لأراه، لأعرف من هو؟
مريم - أم لتعرفي: من أنت إليه؟
- إن ما فيه ناصع إلى حد الأخذ بمختلف الجوارح·
مريم - ثم ماذا؟
- ثم هكذا··
مريم - إنه مجرد معطف مزرر على فراغ·
- مازال طفلاً: رجلاً لم يركض لسنين· لم يتعلم محبوه أن يقطبوا جرحه·
مريم - كل هذه السنين؟
- مازال ينزف· كلما التفت على صوت وائل، تمزق ما التأم به· أنا أعرف قسوة الوحدة، حتى بين الناس، فحين يغلب التوتر على علاقتك مع الآخرين، تشعرين بالوحدة·
مريم - وعليه·
- سوف أغريه حتى لا يجد وائلاً، إلا حيث أكون، ولن تكون ثمة اتجاهات إلا حيث أغيب· وسيكتشف أنه لا يبحث عن وائل·
مريم - >شي لله يا سيدنا الحسين” فعمن كان يبحث إذن؟
- عن نفسه· ذلك أن سر النفس لا يتحقق إلا في الآخر، وعنه يرتد وتصفو معانيه، هو جذر لا يتشعب إلا في الآخرين وهيئة لا تطرح حسنها إلا في حقل عيونهم!
مريم - كأنك تتحدثين عن عاطفة·
- نعم·
مريم - لكنهما كانا طفلين·
- ذلك في السابق، أما الآن فإن الحالة لا تعدو إلا نوعاً من التحايل، كان عليه أن يخفي العنوان الرئيسي من مشكلته في الخلفية من غياب وائل· فبعدأن شعر بذاته أثقل مما يحتمل وحيداً، واجهه احتمال الفشل· هو يخشاه لاعتقاده أنه سيكون أبعد أثراً من السابق! هو محق في ذلك، لكنه يخادع نفسه عندما زعم أنه سينجب وائلاً، ولم يقل إنه سيلتقي بفتاة! صحيح أنه لم يعد يركض، كمايقول، بيد أنه بدأ يصنع خطوات طويلة تناسب هيئة الرجل·
مريم - وكيف عرفت ذلك!
- من سلوكه وأسلوبه· يتغير معي لون بشرته· كل كلمة يقولها تفضح العلاقة بالأخرى· في حزنه امتاع عطوف، وفكرة متحفزة· إذا قرأ: أصغي إلى إيماء المعاني في الأصوات، وإن استمع شربت عيناه الأشياء المتوارية في الأبعاد الخافتة· إني على ثقة من رغبته في الحياة! وإن كذب في أسلوبه·
مريم - هل تتحدثين عن شخص من صوغ خيالك؟
- حقيقته لا تكمن في الولد الذي سيسميه وائلا، بل فيمن ستعطيه الولد! من هي؟ كيف تأتي؟
مريم - وهل ستكون أنت؟
- لم لا؟ هو يبحث عني، لكنه يخفيني عن إضاءة الوعي·
مريم - فلم لا يعالج، ويكون أكثر أهلية؟
- ربما لأنه أدرك وبشكل غريزي أنه حين يلقى الفتاة تكون كل العلاج المطلوب· سألني أحد الزملاء في حضرته عن البيت المثالي، فانتهزت الفرصة، لأقول إنني لن أتزوج مطلقاً·
مريم - أليس في ذلك شيء من التثبيط؟
- العكس، إن وجوده معي سيكون عارياً من الأغراض، ويكون لقاؤنا ليس جزءاً مما تسمح به المناسبة، وإنما حقيقة توازيها وتكسبها طابع التمام، لأنها توجد حيث نلتقي، وتمتد متى شئنا وفضلاً عن ذلك أنا أعطيه اغراء ولو ضئيلاً للتحدي·
مريم - ولماذا تعتقدين··
- بالضبط·· آه·· تفضل أستاذ أحمد·
أحمد - صباح الخير·
- لم نرك بالأمس·
أحمد - كان لدي آخر تقرير أخذ مني الوقت!
مريم - زميلتنا العزيزة تقول عن عطلة الغد ليتها كانت أسبوعاً· أهذا شعور متوقع ممن يحب عمله ويحب·· أن يرى رفاقه؟
أحمد - آعرف طفلاً قيل له إن رفيقك سافر، ولو كان يحبك لأخذك معه، قال: - والده، هو الذي سافر، حتى الطفل يفهم قوة الأشياء·· هل أجد لديك مسكِّناً؟
- بم تشعر·· الزجاجة··
أحمد - لا بأس· مع السلامة·
مريم - هل يدافع عنك؟ لم أعرف أنك باردة إلى هذا الحد!
- حينما يصبح واضحاً أشعر باستحالة أن ألخصه في جملة·
مريم - ولماذا التلخيص، أنت تخلطين بين كونك، وكونك موظفة· لم يبق أمامك إلا أن تضعي رأسك على صدري··!
الفصل الثاني
- مرت العطلة، ومر شهران وثلاثة أيام، ولم يأت· هو حتى لم يصل·
مريم - كان مشكلة، فأصبحت المشكلة·
- هل تسخرين مني؟
مريم - لا سخرية، سوى أنني لا أملك إلا أن أشعر بالمفارقة·
- ترى أين هو الآن؟
مريم - تعرفين أنه عاد إلى عمله السابق·
- أقصد في أي مكان من نفسه، وكيف يواجه، قراره، وبأي صورة شاء أن يتعذب·
مريم - لست بصّارة، لكن الإنسان يتخذ القرار الذي يريح جنبه·
- أنت خير من يعلم أن الحقائق شظايا للأحداث الملتهبة· هل نسيت العام الماضي، عندما كنت أقول لك أن هذا حدث عادي، وأنك قادرة على تجاوزه، ألم تذكريني بالمتنبي:
أشفق عند اتقاد فكرته·· عليه منها أخاف يشتعل·
مريم - لكنني لم أشتعل!
- تقصدين أنك لم تحترقي، وتنتهي إلى رماد· ذلك يحدث للطبيعة المباشرة، أما اشتعالنا فيتم وسط تدهور لانفعالات ونشوء أخرى·
مريم - ألم تحاولي الاتصال به؟
- الآن فهمت أن حكاية قوة الأشياء كانت رسالة· أذكر أنه قال لي مرة، ضمن حوار طويل: - الحديث معك مفرح ومخيف لم تستوقفني الجملة، فقد دفنها بين مجموعة من الجمل المشحونة بالطرافة، كنا نتبادلها·
مريم - لا أدري، أحياناً أقول في نفسي لعل انسياقها للكثير من التصورات يروح عنها· لكنني أخشى عليك من توحد الهاجس·
- لو أن تجربتي اكتملت، لاعتبرت بالفشل، لكنها انكسرت فجأة، بلورة في منتهى الصفاء، وانكسرت، هي موجودة مكسورة·
مريم - هل تخافين الألم، أم الخوف منه!
- أخاف نوعاً، من عيونه، وقحا· لقد خبرت الألم الناشئ عن تمزق الأنسجة والكسور، وآلام الأسنان وتضاغط الأحشاء من التسمم، حين تكاد تفرغ من مجرى الحنجرة، وخبرتها في انتقال كتلة آدمية ساعة المخاض، يدوس كل بدني على بدني وتتآلف قواي ضدي، وينفذ من بين عظامي ويتوقف كل شيء فيه، يخرج من ضيق إلى أضيق، عرفت الألم حين يكون قريناً للموت· كلاهما موجود في داخلي، يتعاضدان على تدميري· لكنني عرفت أقسى أنواع الألم··زلة وسقوط عادي وكدمات خفيفة في الساق والمرفق·· لكن ذلك يحدث تحت أنظار الناس· الألم بسيط، لكنه يثير الشعور الحاد بالتلوث· التلوث أن تجدين نفسك تنتقلين بين الناس في أوضاع تشمئزين منها· أن تقسر إرادتك على الخضوع لقانون أقوى، يلوث فيك المشاعر· ذلك هو الألم· لأنه يسحق كل جديد فيك وقديم· ولماذا؟ لأنه لا يبدو حادثة تنقضي· وإنما يصبح أكبر العناوين الرئيسية في ذاكرتك، ويستمر يسحقك وقد تبصرينه في أية لحظة، فاقع الحدقتين، يحدق فيك بأوضح المعاني، فيمايحفل بك الآخرون·
الفصل الثالث
- ومرت خمسة أشهر ولم تأت· لقيتك لخمس، وفقدتك لخمس· كأن ذلك قد حدث منذ ربع قرن· يالقوة الأشياء·
فصل الاضغاث
ü - رأيت عمودين، يقف أحمد عند أحدهما، وأبي يقف هنالك، وطريق تمتد تصبح عميقة، تنحدر - ·· مغارة·· شعبا مرجانية، أضواء كثيرة تتداخل·· تخاطبني سمكة، تمسك أطفالها وتمضي برداء فلاحة·· أصحو·
ü - أغفو·· وقلت·· إن كان علينا أن ننفعل، فليس إلى الحد الذي يفيض على الفكرة، فبالقدر الذي نكون فيه في حاجة للحماسة، والتوقد بين ألسنة الغضب المنشق عن ضلوعنا القانطة، نحتاج إلى وضع الشيء تحت المجهر·· إشعاع يغازل شرارة·· الإبداع: أن تضع ورقة الشجر بإزاء الشمس، فتشع أحشاؤها وتخلب·· الرقص يملأ الأحداق·· ثمة مسافات بين القيم، من واجبنا أن نعمل على مثولها، ذلك أن حقيقتنا تتجسد بدءاً منها، ومن دونها تفقد القيم خصالها، فاغراؤها لانتباهتنا·· يرتجل الضوء صدراً لأبي الطيب·· نعزف عن مبحث ينشد عدل الكتب·· نحن في وقت يلفظ اللغات غير الشاخصة، لأن في شخوصها شخوص للعقول التي هي مصائرنا·· تتكثف الأضواء فيضاناً·· البحر يسجو، يصبح ذهبياً، ضحلاً إلى أقصى الحدود، يغطي الساحل كالعرق، تتغطى الأرض، الموج يتكسر عند العتبة، يتلوى فوق السجاد، موجود فوق الأرفف، الرياح كالأوشحة·· تتغضن·· تتعضل، تكون أذرعه أخطبوطاً يلتف حول عنقي·· يقنعني أن أكون طيبة·· يبتسم بود، أفقد قواي·· أصحو!
ü - أغفو·· ينهمر أحمد في عيني، أدني رأسي أكثر، أقول: قلها كما هي· يقول: - >محرجة”· فأغضي جفني·· غالباً ما منحته نظرة حنوناً،يعلم أنني لا أمنحه سواها· كنت قد اعتدت عليه، وعلى ما تمثل به من أفكار، أو أفلت عن لسانه من خطرات النفس، لاغضي جفنين مثقلين بأهداب حالكة، وقد أطلب منه أحياناً شيئاً يفيض بروح أمومي، يترجمه كما يحلو لاحتياجات روحه الصادية· لكن ما أن أشعر به وقد اشتعل في خاطره ميل الافضاء المكتوم بكف الطبع وكف التقليد، وتبدى لوناً في لونه، أو شرخاً في صوته، حتى أضع على لساني، بضع كلمات بارقة وسط غيم مدهون بالشمس·· فما يعتم أن يركض خلف نثار البرق المتفتت تحت سيوف النجم المشمس، وفي هذه المرة عندما فاجأت اللحظة البليغة في عينه، أبصرت فيها صوتاً يكاد أن يتجسد، حتى أنني طلبت منه، قبل أي تفكير، أن يقولها، ولم أندم برغم الحرج· أنا حين أحدثه في مثل هذه المواقف، فكأنما أمشي بوجهي وصوتي على دورته الدموية· قلت: أعترف أنني فشلت قبل ذلك·· وصمتُّ بخبث·
أحمد - أشعر أنني مندفع·
قلت - أذهب الآن·
أحمد - لازلت··
- أذهب··
أحمد - أحبك
- وارتج على·· أبصرته هناك يركض كالديك·· الغزال·· يطير رداؤه كجناحي خفاش· طيارة ورقية·· أنا فوق ظهره، يوصلنا بساط الريح إلى المجهول حيث الحديقة الكبيرة، يسقطنا فوق زهرة بحجم السدرة·· بدا واجماً، فقلت له: هل أخفي عنك شيئاً؟ كيف تكون موهوباً ولا تدرك الظل حتى في الليل؟ الأشجار لا تتحدث، علينا أن نصنع الظل فقط، كيف يتحدث في بلادك من لا يملك الصوت؟ لم أوجه إليك الشوك·· قل أي شيء، أو كل شيء·
أحمد - قلت·
- أنا الآن أمشي على جبهته كالندى المستعر، لأنني لم أعلق··
أحمد - ماذا تريدين؟
- ارسم لي شيئاً!
أحمد - تعطيني ما أريد·
- ما هو؟
أحمد - الموافقة أولاً·
- بدون··
أحمد - إذن··
- أعطيك·
أحمد - والضمان؟
- تحرص على إيذائي، وتهدج صوتي، وبدا عليه الأسف واضحاً· كثيراً ما استمتعت بالغضب، لكن فضولي محموم جوار نمط الجنون الذي بدأته: ماذا سأعطيه؟ ورغبة في التعرف على شخصية أثارتني بغرابتها وتثيرني بحسمها المفاجئ، هي رغبة تحرق بدني بالعرق، لهذا رفعت وجهي وغسلته بابتسامة: أقسم لك!
أحمد - تعطيني لحظة·· من السعادة!
- أية لحظة؟
أحمد - تقولين عن اللغة، إنها اختزال تجف معه الحياة· ما يقلقك بالطبع هو حالة التوتيد، التي تحال إليها جوانية الإنسان بواسطة اللغة· لكن أتساءل عما إذا كنا نلتحم بهذه الجوانية إلى درجة التمازج، دون الاستعانة بخبرتنا، وعما إذا كانت هذه الخبرة شيئاً آخر غير مرتب في بنيته من صيغ الفكر اللغوية؟ وهل يمكن لأحدنا أن يتألم، أو يلذ له شيء، أو يحس، أو يستشعر أي شيء ممكن، بلا تدخل من إرشادات الدماغ وتفاسيره؟ وهل يمكن للدماغ أن يتحرك: خارج الصورة الملموسة؟ أو المحسوسة؟ أو المدركة؟ إن أمكن للمشاعر أن تهرب من الماثل؟ أو المتفاعل؟ أو المتخيل؟ أمكن لها أن تفرَّ من اختزال اللغة· إلا أن هذا الاختزال، ليس مآله الجفاف بالضرورة· ذلك أن حركة النفس - وإن توحد الهاجس لابد أن تنتظم في صورة، لدى إدراكنا إياها، فإذا ما توسلنا باللغة إلى إخراجها محكية، فنحن إنما نبدأ من أسلوب التجسيد بالمسطرة، إلى الرسم بالتهاب الشعلة التي تولد كل تنوع الطيف، أفليس من الواقع عندئذ، أننا نبحث في اللغة عبر كل تحولاتها من ظواهر البناء عن الكيف؟ ألا تجسد اللغة في هذه الحالة شيئاً في الصورة المؤكدة، وآخر في الصورة الممكنة؟ الأولى توازي الثانية، والثانية تزحم باطن الأولى؟ سطوة وتمرداً! وهكذا لا تفضي الصورة بمعانيها فحسب، لكن بطعمها، ورائحتها، وملمسها، ودرجة الحرارة فيها، وبما هو متأبٍ على الجمود!
وهكذا يكون معناها: هذا! أو هذا - أو كليهما! أو كل ما لا حد له أو نهاية ألست ترين أننا اللغة، كما سبق وأن عبرت؟
- أنت تخطو للوراء أكثر مما ينبغي·
أحمد - ذلك لأن حساباتك لم تكن فردية·
- ما ذنبي إن كان أسلوبك يتراوح بين الشوارعية والأكاديمية·
أحمد - إليك إذن·· بعد أن تضعي اللمسات الأخيرة على معرضك في أبريل المقبل، سأحضر لوحتي وأعلقها في أبرز مكان يستقطب الأنظار، لتقومي بعد ذلك، بوضع توقيعك عليها!
- وللمرة الأولى أبصر في عينيه شيئاً لا أفهمه، فأحسست بشيء من الدوار، وآخر من القلق· اعتقدت، ولعهد طويل، أنني عجنته واستنشقت خميرته، وها هو الآن يحدق في بابتسامة صفراء، تنضح بما هو بليد ومحير، ولأيا تغلبت على لحظة الشلل، لكن لماذا؟
أحمد - أليس في الظل شيء من الفكرة؟
- >عجز حمار أبي”·
أحمد أنا يا سيدتي رجل واقعي، لكنني حالم أيضاً، ربما كنت تحملين مشاعر جميلة أو نبيلة تجاهي، وتمضين معي بعض الوقت، لكنك لا تحبينني· تمنيت أن تحبيني، بيد أنك تعزينني، ألست واقعياً بمثل هذه المعرفة؟ فحين أقول ما أريد، وتضعين عليه اسمك - فيما تستقطب اللوحة أنظار الجميع، من دون بقية الأعمال، لأنها الوحيدة التي تتحدث إليك - وتكونين الوحيدة التي تفكر بشيء آخر، لأنني عزلتك وللحظة، بتبنيك ما قلته، كما لو أنك قائلته، تكون اللحظة قد أفعمت بالسعادة·
- لا أدري أيا منا تحبه أكثر·
أحمد - لا أعرف أين وقعت من نفسي، وأين تقع هي مني·
- ما موضوعك!
أحمد - لك أن تتراجعي·
- ألم تقل بأنك سترسم·
أحمد - أنت التي سألت·· أستهنت بالموقف، فانزلقت إلى أحشائه، بعد أن زكمتك رائحة الدم· كنت تعتقدين أن العاطفة بخفة ذلك الشكل الساذج الذي يخترقه سهم المصادفة· حتى ووجهت بحقيقة أن القلب هو كل البنيان البشري· لا داعي للمكابرة· أعفيك من موقف يكون أفظع مما تحتملين، خصوصاً وأنني سأكون بين الناس الذين يتابعونك وقت الافتتاح· حتى أنه، يخيل لي·· فلا أكاد أتبين ما الذي قد يكون راسماً ملامحي، وقد يكون فاجئاً·
- فأقشعر بدني·
أحمد - بدأت تتفهمين·
- لكنني أريد أن أعرف··
أحمد - >إليك إليك أقدمه”·
- وتقرأ؟
أحمد - كانت هذه الجملة توهجاً للذات، حاكته حروف عدة، من مثل التي سمعتيها· أريد حين أكتبها، أن أرسم ظل الشجرة، الذي تتقنين به التفيؤ، متغلغلاً في التاريخ البعيد، ولما كان الإنسان زجاجة، تشف عن واءات الطفل وكركرته ولمسات الفطرة بين يديه· إن أصوات حروف العرب وقد هجرت حريتها الأولى، والتحمت بهزيج الكلمات المتناغم - فيما يفضي الهزيج إلى هيكل النفس، وسط هالات الصدى، اللامسة لصورة النبض، المتغلغلة في اللحم البشري، المرتلة على الحنجرة - لينفجر عنها التوحد الزاخر بين القلب وكونه المقيد بحبل من حرفه السري·
من جذور هذا الضوء الصوفي، أزرع على لوحتي معنى غرائزي المؤلفة على إيقاع من الجرسية العذراء، بكلمات التخلي عن الذات لوهلة، واستعادتها موشولة بالعناق الأبدي لوهلة أخرى· و>إليك” أقدمها كالتفاتة فرس جامح، مشبوب عشق للسفر· حتى لكأن الحروف من فرط وثوبها، وبألق المعنى، توشك أن تتهاوى بلهب ماهيته، قبل أن تترجل عن صهوة الريح إلى القلب، محتدمة بأبدانها المنتزعة من شكول المعاني الموارة في نفسي فوارة أمام عينيك وبعد فلتفعل بها أحاسيسك ما تفعل وعليك أن تتأملي، فأنا قبل أن أمضي في كتابة >إليك” كاملة: أكون قد أنهيت شطرها الأول >اليـ” بعد ذلك أصل إلى الشطر المخاطب منك، في (اليـ··· >ك”) ليتكشف الصوت عن ضميرينا في كلمة· حس الأنانية ظاهر، برغم دلال العطاء· فكأن النقيضين بالفطرة، صنوان لدى إرادة التشكيل· أو كأنهما من مقتضيات الجمال، ومنبعه الذي لا بديع من دونه· فلتأت >إليك” الأولى، وعاء سفينيا، كالكافور، ينشق عن بقية الجملة الفضية الساطعة، لتدب الحركة في >إليك” الثانية، كاشفة عن غلالة العاج، محتضنة >أقدم” بكافها، مدثرة أقدم، بأذيالها تطل منها >الهاء”·· بدراً طفلاً، متأملاً في عينيك· كأنما التشكيل، تأمل·· يتنقل محتضنه في سفينة تحت تيجان النخيل·
بهذا يختلط ما في الجملة، مبتزاً من رقعة اللوحة وجامدها مسايل للتنفس، يتلفع بأصباغها، ويهضم هزات النبض الأدمي المتكسرة على بنان الكف الحادبة، المترعة بالشمس الملطفة بالهبوب، حتى يكتمل تثقيفه فتلهج به الصورة المثقلة ببديع خرج هكذا من باطن تربتي·
فمن أنا حتى أحفل بنفسي كل هذا··؟ أنا أرض، ومهبط فكرة وموئل دهشة! تنظرني وقد تسافر كل الأشياء، بيد أنها ترخي أعنتها أمام بوابتي· أعلم أني سأتوارى قريباً· لكن - بحكم ذاكرتي المشوشة - سأخلف شيئاً لعل في بعضه وسما من عتاب، طالما سئمت منه، وأكلني خجلي· أنا شيء تجذر ولم يتبرعم، فقد أغلفته المناسبة، وحرف فائض تيبس به الصوت· فكنت منذ عهد بعيد - لعلك لاحظت - أتحدث بأصابعي، فأوحيت بأفكاري بوسائط اللمس، لأغطي عجزي، وأخفي تلكئي، وضعف صورتي إزاء صنوف المفطورين على كسب الإلهام! فكنت في عداد الثرثارين· من قدري إنني فقدت التوافق مع التوقيت، وشغلت بجمع الشذرات المترامية بخلف الطرقات، فأنظفها وأبيع الكسرة بالتقسيط أو أبيعها كهدية· أأحكي لك شيئاً عن نفسي·· كنت صغيراً جداً، لما وجدت في طريقي قلما مصدفا، شكلت ورقة من فئة >الروبية” بمشبك غطائه·· وأذكر أن ذلك كلفني عشرين زهواً من عمري، وكان جرعات من المرارة، حتى إذا فاض كل شيء·· جنحت إلى الحلم· ألم أقل لك إنني واقعي وحالم؟ ألم أقل بانني بدأت أرسم أي شيء كان أثمن من تطلعاتي؟ ذاك لأن زهوري استحالت إلى أشواك·· وبي من الظلال ما يكاد من عتمته أن يجمد الدماء، وجذوة تتقد كانسكاب الزهور البرية في أحداق العاشق، وشيء في الرأس دان، وفي القلب ما هو أملح من حنين غاسق! إنني لا أكون· ممنوع من الصرف· تجهم الزمن علي أبواب عشيرتي، وتغلقت الأسباب· حفيت مؤخرتي من الجلوس· واستهترت بهيئتي قطط العالم السائد تكاد تفر من معاجمي وجوه آبائي: كرها، كرها· وترقص الطيور أحداثي: ألماً، ندماً· أدرس كل يوم كلمة، أنصح بنسيانها· قرأت ألفي ممدودة، ولم أسمعهاإلا مقصورة، مقهورة· أذناي، لقد كلتا من فرط الصمت، ويدي تعبت من نكت التربان، وأنا بعد، أمام الفيض، أشرق من عطش وعدوى ينضح عفو الطبع·
فتعالي أعطيك خزائن خابيتي، لا أطمع منك بلحظة وجد· أعطيني اسمك ودعيني أرسم منك الحرف المشبوب، ودعيني أكرع من شغف، وإلي فهزي أوراق العهد الترباء، ودعيني استبق الأحداث، ولا زرع في ثغرات الحرف جراثيم الشفق المتطاول، أو رئة تشهق ريح الغرب وريح الشرق، ولتنفث بالروح المنكوبة، وتعالي أعطيك خطوط الكف، فخطوطي أبداً مكتوبة!
- كأنك كنت خلالي·· أنت مندفع مع الأشياء، لكأنك إياها· تخجلني كثيراً، عندما أنظر حولي: أجد إلى أي حد قتلت الحماسة هناك· ليس من إيمان، تستعذب معه كل القسوة، تشد إليه الروح، وتشد إليه الخطى، ويعمر فيه الزمن المتراكم فوق موات الأشياء، للدرجة التي يصبح فيها أي شيء رخيصاً، فيحزنا الشوق إلى الحياة، حتى أن الاندفاعة الجوفاء، تصبح لها قيمة الفضيلة··
أحمد - لم أرسم شيئاً·
- لكنها متحققة أمامي، معلقة في ذاكرتي·
أحمد - انسقت لخداع الكلمات··
- حين تكون بهذا الصدق·
أحمد - ذلك هو الجنون· لا تعرفين ماذا يكون عليه الإنسان، حين يضرب فيه كل هم نحو طريق آخر· الخاطرة رسول يركبه الرعب· والنبأ لم يتطهر بعد من الفسق· يحفرانه قشرة، قشرة، وهو تحت هذا المنشار الظالم، يتضاءل ويتفتت ويستدق، فكيف يتوافق الصدق في لحظة كتلك، إزاء لحظة تتجلى فجأة أمامه، وتخيم عليه كغارة الضياء·· ألا يحترق؟
- أنت تكرهني·
- أحمد - كيف عرفت·
- كلما اقتربت منك··
أحمد - أكره أن تُحسب طبيعتي على الأصابع، حتى الموجود في إناء جلدي يستعصي على العد· عندما تكونين على ثقة تامة، أكون تبدلت مراراً· مازال في عينيك شيء من طفولتي، تمسحين به وجهاً تغضن في غفلة منك· نعم أكرهك وأثير فيك شيئاً من الزهو· أنت كاملة في نظرك· وأنا شيء تستطيعين أن تلاطفيه، وتروضي شراسة مخلبه الغض· هذه نقطة ضعفك·
- ألست مغرماً بنفسك؟
أحمد - إلغي ذاكرتي يكون جوابي نعم!
- وهل تكرهني الآن؟
أحمد - أيزعجك ذلك؟
- أبداً، حتى وعودك الفارغة· أما هذه المرة فقد حسبتك جاداً·
أحمد - ذاك ما يرعبني فعلاً· لم أكن جاداً في حياتي، بل كلا مندفعاً· من هنا كانت تناقضاتي صارخة·
- ··· أصحو،
الفصل الرابع
مريم - ما بك؟
- لا أعرف·
مريم - اقفل الباب·
- لا·
مريم - ترغبين بالانفراد؟
- لا·
مريم- أتقولين لي·· شيئاً؟
- لا·
مريم - فماذا··؟
- لا أعرف·· افعلي ما بدا لك·
مريم - هل يحدث شيء؟·· لم تغمضين عينيك؟
- أصبحت عمياء·
مريم - >أيه؟! مش ممكن”·· ألا تبصرينني؟
- في غرف معيشتنا لوحة، لم أنتبه إليها إلا أمس إطارها من الألمنيوم· أنا أكره الألمنيوم·· إنه يبدد الأضواء، ويكشف عن لمعة رخيصة· الأخشاب عميقة لأنها بعمق الشجرة· وعمقها ينبئ عن ألوان التبدلات الحيوية حين تؤول إلى لون أديمي، مُلوح حيث تستقر الأبصار في هدأة من الحنان·· ماذا كنت أقول؟ اللوحة! تبدأ اللوحة بإطار، عرض الكف، زيتي قاتم· يقع داخله مستطيل ناصع البياض وضعه رأسي، في داخله بقعة قانية الاحمرار عديمة الشكل، تطير حولها فراشة مع بعض الأغصان الدقيقة والزهيرات ذات الألوان الباهتة· كنت مغمضة عيني تحيط كفاي بفودي· ويرتكز مرفقاي على ركبتي· رفعت جفني ببطء شديد، فأبصرت أول ما أبصرت، الأرض، فأساس الحائط، فأطار اللوحة المؤذي، عندها بلغ انفتاح جفني أقصاه· رفعت رأسي وكان ثقيلاً حتى أبصرت اللون الزيتي الذي أعقبه اللون الأبيض فالبقعة الحمراء وهكذا حتى أعلى اللوحة· عندئذ أدركت أن الأشياء لا تخضع دفعة واحدة لسيطرة أنظارنا، إن جزءاً منها، هو أول ما يثير ملاحظتنا· يبدأ فيعقبه الذي يليه من سلم منطق المنظور، لتتكامل هيئة الأشياء بإزاء حاستنا البصرية·
ولما لم تنتظم الأحداث الواقعية بحسب ترابطها المنطقي حيال معرفتي أدركت فجأة أنني عمياء!
عندما فقد الإنسان الكفيف حاسة البصر، لجأ إلى حاسة الخبرة يستنطقها طبيعة الأشياء· وإني لأكاد أعتقد أن إحساسه بجوهر الألوان لا يختلف عن خبرتنا· ذلك أننا حين نقرر أن الليل أسود والبحر أزرق· فليس ذلك لضرورة في العلاقة بين ظاهرة الليل وبنية الكلمة· وليس بين تجربة الليل النسبية وصوت الكلمة، إلا وظيفة الإشارة الخاصة·
لقد تماثلت خبراتنا، فما ينقص الكفيف، إلا عملية التكون المنطقي للحدث· والفرق بيننا، أننا ندرك الحدث البصري متراكماً بأجزائه على التوالي، ويدركه دفعة واحدة، لما اختزنته خبرته بأساليب الحواس الأخرى، إنني أشعر بالعمى قياساً إلى تجربتي·
مريم - عظيم·· عظيم واضح أن معنوياتك عالية·
- وصلتني اليوم رسالة من أحمد·
مريم - يقول الجبرتي: وكانوا إذا سقط عليهم القنبل، يقولون: - يا خفي الألطاف، نجنا مما نخاف!
- ولأني لم أخف، يقول في رسالته: - أثناء لقاءاتنا، أحسست بالفرح وبالخوف· لقد مات وائل مقتولاً، وأنا قتلته· كنا نركض، ونضحك معاً· فأردت أن أضحك·· ربما أكثر·· فوضعت قدمي بين قدميه، فسقط ومات· فلم أضحك بعدها إلا في لقاءاتنا!