رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27جمادى الآخرة-4رجب 1422هـ الموافق 15-21 سبتمبر2001
العدد 1494

يوميات انتفاضةالقدس
كم مرة اغتالوك يا محمود؟!

“بقرار من جيش الاحتلال الإسرائيلي يطلب من العروس “مرام ربايعة” (17 عاماً) إزالة ماكياج العرس، وإغلاق خزانتها على كل ما اشترته من ملابس جديدة زاهية احتفاء بعرسها وارتداء اللباس الأسود وحتى إشعار آخر”·

هذا القرار العسكري صدر بتاريخ 2000/10/4، أربعة أيام بعد زفاف “مرام” من عريسها “محمود العمواسي” وقد تم إصدار القرار وتنفيذه عبر رصاصات هوجاء اخترقت جسد ورأس “محمود” تلاها وضع الحواجز العسكرية التي حالت دون وصول أي سيارة إسعاف لإنقاذ العريس إلى أن تم التأكد من نفاذ القرار العسكري·

محمود العمواسي (22 عاماً)، استشهد برصاص الغدر وهو يحاول أن يصد عدواناً إسرائيلياً أهوج استهدف بلدة بيتونيا غرب مدينة رام الله حيث كان يسكن هو وعروسه وعائلته، وحيث احتفلت البلدة بزفافهما قبل أيام قليلة·

محمود العمواسي استشهد بتاريخ 2000/10/4،م ولكن لم تكن تلك المرة الأولى التي يتم اغتياله فيها، فقد استهدف الاحتلال الإسرائيلي محمود ولاحقه مذ كان طفلاً، وسدد له الكثير من الضربات التي اغتالته أكثر من مرة، ولكن ولأنه كان شديداً·· كان قوياً·· كان مؤمناً في حقه وفي حق شعبه فقد استطاع “محمود” أن يتجـــاوز خطـــر الموت في كل مرة، وأن ينهض من جديد ليواصل نضاله إلى أن كان فجر يوم 2000/10/4·

“ اغتالوه قبل أن يولد مرة، عندما هجّروا أهله من قريتهم “عمواس” وقرروا في لحظتها أن يغتالوا حقه في أن يولد في قرى آبائه وأجداده، وتساءل محمود عندما زار “عمواس” ولعب بين أشجارها عن السبب الذي يقضي بتشريد الناس وتحويل بيوتهم وبياراتهم إلى متنزهات لأناس غرباء، ولم يجدإجابة·

“ اغتالوه مرات أخرى عندما اغتالوا حقه في العيش الآمن كأي طفل في العالم، فأخذوا يداهمون بيته بشكل مستمر، وفي كل مرة كانوا يقتلون إحساسه بالأمن عندما كانوا لا يتركون البيت إلا بعدما يقلبونه رأساً على عقب ولا يخرحون منه إلا وأحد الأحباب معهم سواء كان أحد أخويه أو والده، وفي كل مرة كان يدور في رأس محمود الصغير سؤال (لماذايأخذونهم وإلى أين؟)·

“ اغتالوه عندما حولوا شوارع مدينته (ملاعبه وملاعب أطفال فلسطين) إلى ثكنات عسكرية، ولم يجد لذلك سبباً مقنعاً·

“ اغتالوه عندما أغلقوا مدرسته أكثر من مرة خلال الانتفاضة الشعبية الأولى التي اندلعت عام 1987 ولم يستطع أحد أن يبرر له ذلك·

“ اغتالوه عندما سددوا له رصاصة مطاطية في رأسه قبل أن يبلغ الحادية عشرة من عمره لمجرد أنه تناول حجراً يعلن من خلاله غضبه على كل ما يدور·

“ اغتالوه عندما ساقوه إلى المعتقل وهو لم يبلغ الثانية عشرة من عمره بعد لمجرد اعتراض على إغلاق مدرسته·

“ اغتالوه عندما أصبح يرى والده يشتري حريته في كل مرة يسجن فيها وهو طفل، فكان على والده في كل مرة ونظراً لأن “محمود” كان قاصراً أن يدفع كفالة مالية باهظة لشراء حرية هي من حقه وحق أترابه·

“ اغتالوه عندما حولوا عنوانه من رام الله إلى معتقل “البصة” في بيت لحم، وسجن “الفارعة” في نابلس، ومن ثم إلى سجن “مجدو” دون أن يرحموا والدته التي كانت تبكيه في كل مرة·

“ اغتالوه عندما قرروا أن هدية عرسه هي اغتيال أعز أصدقائه “عماد العناتي” الذي استشهد برصاص الغدر بعد زفاف محمود بيوم واحد·

“ واغتالوه أخيراً عندما لم يرحموه عريساً، فهاجموا بلدته وهم مدركون أن مثل “محمود” لن يتأخر عن صدهم حتى ولو كان عريساً·

“ اغتالوه لأنه أحب الحرية وكره الاحتلال والدونية·

هناك في بلدة بيتونيا غرب مدينة رام الله زرت بيتك يا محمود وجلست إلى جانب أمك·· ورأيتها للمرة الأولى·· امرأة مازالت في الأربعينات من عمرها وأنت ابنها الثالث من بين خمسة أولاد وبنتين· تجلس في وسط الغرفة وعلى كل حائط منها صورة لك أو أكثر وصور أخرى لأصدقائك الشهداء “عماد العناتي” و”محمد السرخي”، وكأنها تنفي غيابك الذي لم تستوعبه بعد وتستعيض عنه بصورك، لم يكن من السهل علي أن أسألها عنك، خفت أن أنتزعها من بين صورك وأعيدها إلى الواقع المرير، تابعتها وهي تنقل بصرها في الغرفة لتستقر فوق إحدى صورك في كل مرة، ولم أعرف من أين أبدأ، فكان أن بدأت حديثي مع والدك وما هي إلا ثوان حتى انضمت إلينا بالحديث، وكأنها تطرب لسماع اسمك، وتود لو تتكلم عنك العمر كله، وتحدثني عنك وعن حنانك، وتقول بأنك لم تكن كمثلك من الأولاد فقد كنت أكثرهم حناناً وحباً، وبأنك لم تكن تطلب شيئاً لنفسك، بل كنت دوماً معطاء هادئاً صامتاً منذ أن كنت طفلاً، ويضيف والدك بأنك كنت دوماً جديا وفي رأسك هدف، حتى أن طعامك كنت تتناوله دون اهتمام، أو كما قال والدك “أكله كالصقر·· ينقر نقرا” وبأنه تفاجأ عندما طلبت منه أن يزوجك، حيث كانت هي المرة الأولى التي تطلب فيها شيئاً لنفسك· ومن بين السطور لمست معاناة أمك، وهي تتابع حياتك في السجون وتعدد إصاباتك واعتقالات أخوتك، وكأنها في حرب دائمة مع الحياة·· وهناك قرب المدفأة كانت تجلس طفلة جميلة صغيرة منكمشة تشعر بالبرد برغم أن الغرفةكانت دافئة، تلبس ثياباً سوداء وتقضم أظافرها·· إنها هي عروسك يا محمود التي زفوها إليك أربعة أيام قبل استشهادك·· هل تصدق يا محمود بأنني ومنذ دخلت الغرفة كنت أبحث عنها، ولم يخطر في بالي أنها هي·· طفلة بريئة، تستمع لي ولوالدك وأمك وفي داخلها مشاعر لم تستطع أبداً أن تعبر عنها·· ناديتها وأجلستها بقربي وسألتها عن نفسها وعنك·· كلماتها قليلة·· نظراتها شاردة·· فتاة مازالت في السابعة عشرة من عمرها··عادت من سورية مع أهلها، وفي جعبتها أماني وأحلام كثيرة·· فكان أن شاهدتها، وكان أن شاهدتك، وكان أن أسرعت أنت لتطلب من والدك تزويجك إياها، برغم أنك كنت تعارض فكرة الزواج قبل ذلك كما أكد لي والدك، ولكنك أحببتها وأحببت أن تشاركها حياتك، وتماماً كما رغبت أنت في هذا الارتباط فقد رغبت فيه أيضاً، وكانت الخطبة·· شهران فقط حدثتها فيهما عن أحلامك، وحدثتك هي عن أحلامها، وقالت لي بأن الحرية كانت حلمك وهاجسك الأكبر، شهران فقط استطعت فيهما أن تحول كل أحلامها لتلتقي مع أحلامك، وتعلمت أن ترى الحياة من خلال ارتباطها بك، كيف لا وأنت أول رجل في حياتها، وأول حلم، وأول لمسة·

في يوم عرسك رقصت وفرحت ورقص معك صديق العمر “عماد العناتي”، وفي أول يوم لك بعد العرس، جاءك نبأ استشهاده·· تألمت من أجله وخرجت من بيتك في صباحية عرسك، وما هي إلا ثلاثة أيام حتى اقتحم الجنود بلدتك فخرجت لتدفع بلاءهم عن شعبك غير آبه بنفسك تماماً كما كنت طيلة عمرك·· ولكنك تأخرت في العودة فخرج أخوك شادي وشقيق عروسك “محمد” للبحث عنك، ولكن الاثنين أيضا لم يسلما من رصاص المحتلين، فأصابوهما قبل أن يعرفوا نبأ استشهادك، وحوصرت المنطقة، وما هي إلا ساعات والبيت يمتلئ بالشباب·· ليخبروا أمك “أم خليل” بأن ابنها شادي في المشفى، فهبت إلى المشفى لتطمئن على شادي ولم تكن تعلم بأنك كنت هناك محاصراً تنزف حتى الموت دون أن تتمكن أي سيارة إسعاف من أن تصلك ولا حتى شادي ومحمد اللذين أصيبا لأنهما حاولا ذلك·· وأما عروسك فقد أخبروها عن شادي وعن شقيقها محمد، ولم تطل الفترة حتى وصلها القرار العسكري فمسحت ماكياجها ولبست الأسود ومازالت هناك في بيتك وبين أهلك، كلهم يلفونها بحنانهم وتحاول أمك برغم ألمها الناجم عن فقدانك وعن قلقها على جراح شادي أن تمسح ألم “مرام”، ومن حولها والداها أيضاً وفي عيونها ألف سؤال وسؤال، فهل من مجيب؟!

وثقتها: ساما عويضة - لفتاوي

تاريخ التوثيق: 200/11/20

مكان التوثيق" بيت والد الشهيد بيتونيا

طباعة