في حدائق عشقه
بقلم: بدر العليم
الأسعد يتجول حاملا أغنية الطائر الحجر يمحمد الأسعد كاتب فلسطيني معروف له الكثير من المؤلفات الشعرية والنقدية والروائية إضافة للترجمات، كما أن له إسهاماته الواضحة في الصحافة الكويتية·
عندما تنتهي من قراءة رواية محمد الأسعد، تحس بالسعادة، لأنك ارتحت من قلق هذا التائه الأبدي، ما بين الحلم والواقع، وما بين الذات والآخر·
لم تكن حدائق الأسعد حدائق فقط، وإنما كانت صحارى وبراري وثلوجا وأنهارا، وكل الطقوس الممتدة في هذا العالم·
لو اخترنا عنوانا آخر للرواية، لسميناها “فانتازيا محمد الأسعد”، فهو مسافر جوال، جسمه في الحاضر وعقله في التاريخ·
تقع الرواية في 162 صفحة من القطع المتوسط، يزينها غلاف جميل يزدان بلوحة للفنان ضياء العزاوي، وهي تحكي عن قصة ذلك الفلسطيني، الباحث عن بيته - أرضه “ينبهني غالب ونحن نسير على شاطئ الدوحة في قطر، الى أن الإنسان كان دائما في الكتب التراثية يمتلك بيتا” (ص159) ولكنه الباحث أيضا عن الإنسان الحقيقي·
فيجوب العالم، يذكر كل الدول التي زارها، وكل الأسماء التي عرفها في حدائقه المتعددة··
تبدأ الرواية بقصيدة “أغنية الطائر الحجري” فمن هو هذا الطائر؟ هل هو شيء مجرد، الحقيقة، الحق، الإنسان، أم هو محمد الأسعد نفسه! ويتكرر ذلك في الرواية كثيرا فهو محجور عليه في بلاد الغربة، يود الطيران الى بلاده لكنه حجر·
وينتقل بنا المؤلف بعد ذلك ليؤلف عالمه الخاص، فتتداعى صورة الوطن، والحنين إليه، “تسأل صاحبة الحانة بعد أن تعرفت علي وقدمت لي كأسا: الى أين تمضي بهذا الوجه المتعب حتى لا يكاد يعرفك أحد؟ فأقول في حلمي “الى أبي”·
“السماء عالية، فضاء شاسع من البرتقال والتركواز، وبيننا هذا الزمن” (ص13)· و”أنت في النافذة - يقصد فلسطين - ذهب وأرجوان وكل ما يغادر الى الأبد” (ص14)·
ثم تجتاحنا صور الغزو العراقي، والمعاناة التي تعرض لها المؤلف، وخروجه من الكويت·· ثم ينتقل بنا الى صوفيا· أسبانيا، إيطاليا، مصر، قطر، كثير من البلدان والأماكن، وبالطبع الكثير من الشخصيات والأسماء في عالم الأسعد المعذب، والمغترب أبدا·
هناك طابع خاص لرواية الأسعد، فهي ليست تسلسلا تاريخيا لأحداث معينة، بقدر ما هي استذكار ومناجاة داخلية، أقرب للهلوسة، وقد يبدو ممكنا قراءة الكتاب بالمقلوب، أي أن تبدأ من الآخر وتنتهي بالبداية!
الصور الشعرية الجميلة كثيرة ومتناثرة بشكل كبير، “حين كنا صغارا، أعني وراء الزمان، في أجمة غابية تحيط ببحيرة مفتوحة على السماء، كنا نتطلع دائما الى الفضاء· متوقعين أن تظهر الطيور، الطيور الآتية من بلاد لاسمها طعم التفاح والياسمين، وبدون أن تلاحظنا تحط واحدة بعد الأخرى· تنزع الطيور ثيابها الريشية وتنقلب الى نساء يتراكضن الى ماء البحيرة” ص 85·
“بضربات أصابعها تتجمع النغمات طيورا تطير عاليا تتباعد أو تتساقط أو تهدأ في حقول بعيدة في السماء· النغمات تأتي من المركز تماما كأنما من عمق عاصفة ترق بعيدا تحت النجوم، تنبسط مثل رياح رخية تتموج بلا توقف حولها وحولها، الأصابع المضاءة في العتمة تتلمس جسد السكون فاصلة، جسد الكون نفسه برقة أنثى أصابها الندى ندى أول صباح في الوجود” ص 94·
في هذا المقطع الجميل يبرهن الأسعد أنه شاعر مرهف الحس، لكنه بليغ التعبير، فهو أشبه برسام محترف يرسم تحفته “الماستر”· ولكن هذا التوجه عند الأسعد، الأسلوب الشعري، طغى على النص الروائي، مما أدى في النهاية الى فقدانه للرواية والشعر في الوقت نفسه·
رواية: محمد الأسعد· حدائق العاشق· العصور الجديدة، القاهرة 2001·