كتب نشمي مهنا:
الكتابة عن سليمان الخليفي مغامرة، أو هي ورطة، تزرع شباكها تحت أفكار “مقتحمها” إن توغل، وتلتف حواليه إن فكّر بالتراجع·· بين الخوف من المجاهيل وبين إغراءات تفاحة بساتينه البكر يتأرجح قارؤه أو من ينوي خوض الكتابة عن “ذرى أعماقه”!
مجموعاته القصصية لا ترضى بالقراءة العابرة·· تستوقفك - كثيرا - بين سطورها لتلتقط الأنفاس وتنتظر إشراقات المعنى، اللغة - إن تجاوزنا جمالياتها وخصوصيتها - ما هي إلا خيط لا يهتم الخليفي بزخرفته بقدر اهتمامه برشاقته لجذب قارئه الى “غبّة” ما، ينوي إيصاله لها وإن تقطعت أنفاسه، لكنما هو موقن بنتائج هذه المكابدة وحلاوتها·· بعد اندهاش القارئ ومفاجأته بانثيال درر المعنى، وفك تشابكه، وبهجته التي لا تحد حينما يعثر على “حصصه” النادرة·
لا يمكن إلا أن يتلفت قارئ الخليفي حذرا، حينما يعبر “شارعه الأصفر”·· فقد يداهمه قطار فكرة، أو إضاءات غائمة لحافلة محملة بالفلسفة، كذلك المغامر الآخر الذي يقرأ مجموعته الشعرية “ذرى الأعماق” فيعلق بشباك غزالاته··
أيام قضيتها بالتردد والوجل، بين “الشارع الأصفر” و”ذرى الأعماق وعرفت الآن·· لماذا يتحاشى النقاد الكتابة عن القاص والشاعر الخليفي؟! لا أحد يأمن - رغم دربة الأكاديمية - مغامرة مثل تلك قد لا تفضي الى معنى، أو لا تصل الى قلب الفكرة، فتصيب الشظايا “مكانة” راميها (الناقد)· مع الإشارة لاستثناء لا بد منه وهو قلم وفكر الناقد الدكتور سليمان الشطي وتجربته في الكتابة عن الخليفي·
الكتابة الصحافية لا تفي العمل الأدبي حقه، إنما هي إشارة لافتة الى إبداع فقط، مع تأكيدنا الى أن كتابتنا هذه عن الخليفي ما هي إلا “محاولة” وإن سميت قراءة جوازا، أو لضرورة صحافية·
كنا نتمنى لو أُعطينا مفتاح الأدوات النقدية لنتمكن من الدخول الى مغاليق النص، ومفتاح آخر له أهميته القصوى في دخول دهاليز الخليفي، ذلك الذي يشرّع أبواب النفس البشرية، وهو ما اصطلح على تسميته “علم النفس”· ومدلولات اللفظ من خلال ذلك العلم·
للخليفي علاقة وثقى مع ألفاظ تكرر بعينها، وإن اختلفت في أسمائها، لا تخرج عن معنى “العمق” بتشعباته، وأضداده، أو مرادفاته واشتقاقاته·
ماذا يعني “العمق” لدى الخليفي؟ وماذا يعني التخفي والانزواء والصمت والظل والجوانية والافضاء و····؟!
ماذا يمثل هذا القاموس الخاص عند الخليفي؟ ماذا أظهر من شخصه وماذا أخفي؟
ما علاقة الكاتب - أي كاتب - بلفظته ومعناها؟ والى أي قدر تكون مرآة عاكسة لـ “خفاياه”؟
بالتأمل برنين بعض هذه الألفاظ وضجيجها واحتداماتها في نصي “الغزال” ( من مجموعته الشعرية ذرى الأعماق) وقصة “فصول عمياء” (المجموعة القصصية الشارع الأصفر)، نستطيع أن نكوّن مجموعة من الملاحظات وذلك بالنظر بالجدول المنشور·
هذه بعض “الألفاظ” الواردة في النصين المشار إليهما، وإن كنا قد استبعدنا ألفاظا أخرى ركّبها الخليفي للوصول الى المعنى ذاته·· جميعها تقودنا الى معنى التخفي والتوغل في العمق·
كلماته كمعانيه لا تطل برؤوسها مكشوفة للنور والوضوح، ولا يريد لها أن تحترق تحت شمس “السهولة” مع المعاني المتكدسة على قارعة الطريق! كأنما يومئ بأصبعه لقارئه: أن أمش في شارعي الخريفي الأصفر·· دون أن تطلب مني أن أكون معك أو تتخذني دليلا·
في فصوله العمياء - كما يريد لها - تحدث بطلته صديقتها مريم، عن حب جديد وغرائبي، احتل قلبها، فأتعبها، فتبدأ في بوح بعض خباياه·
تتحدث عن زميلها في العمل، الرجل الصموت، الذي فاجأها باعتراف غريب - في بدء علاقتهما - حينما قال “الطبيب قال لي أنك لن تستطيع الانجاب”·
تتعجب منه هذا الاعتراف غير المطالب به، أثارها، أو هو أغاظها ولم يبد أي تحفظ أمام أنوثتها! وهي المعتدة بنفسها “كانت تلك أول مرة يهزمني فيها شخص لم يتعمد المنافسة”·
تحكي لصديقتها حينما روى لها “سر” توقفه عن الإحساس بالحياة، وتحجر قدماه منذ أن مات صديق طفولته، والحاح فكرته الوفية بالتسمية على “وائل” بعد الزواج، أوقف فيه الانجاب!
ينقطع الحوار، فتنتقل البطلة للحديث الى صديقتها عن تعلقها بالعمل، وتشوقها لاكتشاف هذه الشخصية الكامنة أو المتوارية وراء شيء ما· (تتكشف قدراته في الأجزاء الأخيرة من القصة)·
كما في المجموعة بأكملها، يقودنا الخليفي الى الأعمق، حتى في تبويب قصصه (من الأسهل الى الأصعب فالأكثر تعقيدا)، يستمر الحوار، الذي تصلح بعض عباراته “كمانشيتات” فلسفية مثل “كانت أول مرة يهزمني فيها شخص لم يتعمد المنافسة” و”رجلا لم يركض لسنين” و”إيماء المعاني في الأصوات” و”هو جذر لا يتشعب إلا في الآخرين وهيئة لا تطرح حسنها إلا في حقل عيونهم!” و”إن كان علينا أن ننفعل، فليس الى الحد الذي يفيض على الفكرة” و”كيف تكون موهوبا ولا تدرك الظل حتى في الليل؟” و”أليس في الظل شيء من الفكرة”·
عبارات كثيرة، تشربت معاني الخليفي، وفكره، وفلسفته في الحياة وتفاصيلها الصغيرة، والناس وطبائعهم، والنفس البشرية بكل تعقيداتها “وغبّاتها” العميقة، وفي الأشياء جميعها من حوله، على ألسنة أبطاله وتأملاتهم وهواجسهم، كما في قصتنا هذه التي تروي بطلتنا فيها “حالتها” مع زميلها في العمل، فتزداد هذه “الحالة” تعقيدا ويشكل لها تحديا في تفسيره الى أن تصل الى “حقيقته لا تكمن في الولد الذي سيسميه وائلا، بل فيمن ستعطيه الولد! من هي؟ كيف تأتي؟”·
ولم لا تكون هي·· يدفعها هذا الأمل لإكمال مشوار “الاكتشافات”·
في الفصل الثاني يمر فاصل زمني، يبعد بين بطلينا، ويواصل الخليفي دفن “جمله النابضة بالتفاصيل الصغيرة، والمشاعر الخبيئة بين مجموعة من جمل الحوار····” وفي فصل الأضغاث مقاطع من الحديث الفكري العميق، وبلغة مغايرة عن السياق، أشبه بشاعرية النثر·
ويبدأ انهيال الأسئلة الكبرى! بتوقيتها المناسب، ومكانها، وأجوائها، بعد أن غيبنا قبل ذلك بضبابية، مهدت لتلقي معانيه “الحادة” دون أن نعي، لنتساءل معه - ومع أبطاله - هل بإمكاننا أن نلتحم بـ “جوانيتنا” (عبر اللغة) دون الاستعانة بخبرتنا؟ هل بالإمكان أن نتجرد من خبراتنا التي أسبغناها على “اللغة” وما حملناها من معانٍ، حتى أصبحنا “لغة”؟
يتدرج الحوار بين بطلينا الى أن يصل العقدة، في طلب زميل بطلتنا في العمل ـــ ذلك الذي رسمت له صورة بسيطة في مخيلتها ـــ فيطلب منها أن يعلق لوحة له في معرضها الفني القادم، ويكتب تحتها عبارة “إليك إليك أقدمه”· مفسرا لها هدفه في إلغائها ولو للحظات، وشارحا لها أنانيته، من خلال تفكيك عبارة الإهداء، فهو قبل أن يكمل “إليك” كاملة يكون قد مر على “أناه” وذاته قبلها·· في “إليــــ··· ك”· ويمضي بسلاسة، وبلغة تحول عباراته المتتالية الى مقطع شعري· مليء بـ”التفعيلات”·
“·· فتعالي أعطيك خزائن خابيتي، لا أطمع منك بلحظة وجد· أعطيني اسمك ودعيني ارسم منك الحرف المشبوب، ودعيني أكرع من شغف، والي فهزي أوراق العهد الترباء، ودعيني استبق الأحداث، ولأزرع في ثغرات الحرف جراثيم الشفق المتطاول، أو رئة تشهق ريح الغرب وريح الشرق، ولتنفث بالروح المنكوبة، وتعالي أعطيك خطوط الكف، فخطوطي أبداً مكتوبة!”·
مثل هذا المقطع الشعري وغيره المشبع بموسيقاه، يدفنه - أيضا - الخليفي بين مجموعة جمل وعبارات وحوارات أبطال··
وفيه يظهر بطلنا منهارا وهو يشرح معاناته، وما مر بحياته من ألم “قرأت ألفي ممدودة ولم أسمعها إلا مقصورة، مقهورة”·
ثم - وكأنه ينتقم - يكشف أن هذا الطلب (الرسم والمشاركة في معرضها) ما كان سوى خدعة لغة وكلمات انساقت وراءها·· وعاشتها برهبة وبرعب وإحساس إلغاء لذاتها·· وكأنها قد تحققت!!
يقودنا الخليفي في مقاطعه الى حقول الفكر، يرسم علامات أسئلة مرعبة، يناقشنا، يقنعنا ثم يبتسم بمكر وكأنه يقول: إن ما رأيتموه وما اقتنعتم به وعايشتموه·· كان وهما··· لكنه في الوقت نفسه كان حقيقة لحظة المعايشة: “أليس في الظل شيء من الفكرة؟!”·
المقطع الأخير في فصولنا العمياء يعرض ارتباك بطلتنا، ووعيها على حقيقة جديدة، حينما بدأت تنتبه الى رخص “لمعة الالمنيوم”، وعمق الأخشاب “لأنها بعمق الشجرة” وأدركت “أن الأشياء لا تخضع دفعة واحدة لسيطرة أنظارنا إن جزءا منها هو أول ما يثير ملاحظتنا”·
كأنها تكشف أخيرا لصديقتها هذا الزميل/ الخشب الذي لم تدرك عمقه، ولم تخضعه لسيطرة نظرها دفعة واحدة كاملة، فتعترف أنها عمياء!
حديث فكر قد يرد في دراسة أو مقالة، لا يمكن أن يعتسفه قلم قاص، إلا إن كان كاتبه، ومفكره، وشاعره مثل سليمان الخليفي·
ذلك القابع في ذرى الأعماق، بعيدا عن الضوء ولمعانه الرخيص، أو هو (كما يشبّه الشاعر العراقي سعدي يوسف نفسه)، كامن في قن “الإبداع” ينثر حبا لحماماته، بكل هدوء وطمأنينة نفس، وانسجاما معها، من موقعه الآمن يرصد حركة الكون، يراقبها بعشق··
تبقّى لنا “غزال” الخليفي الشعري·· والحيلة في نصب شباك حوله لاصطياده··· مع خوفنا الوقوع فيها، كما قلنا في البداية·· فالكتابة عنه كلها مغامرة، وورطة·· إنما شيقة·
وهذا ما سنستكمله فيما بعد·