رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13- 19 جمادي الأخره 1422 هـ الموافق 1-7 سبتمبر 2001
العدد 1492

سيدتي صاحبة الجلالةأمهات نحن

أمهات نحن نصحو مع الفجر ولا ننام إلا بعد أن ينام جميع أفراد العائلة··· أمهات نحن رفضنا إلا أن نرضع أطفالنا من أثدائنا لنزيد عبئاً على أعبائنا الأخرى في وقت تخلت فيه أمهات كثيرات في العالم عن ذلك واختارت الطرق المختصرة لإرضاع أطفالها حليبا صناعيا في وقت قياسي حفاظاً على وقتها وجمال ثدييها··· أمهات نحن مازالت الكثيرات منا تعجن الخبز وتخبزه في بيتها غير آبهة بما قد يتطلبه ذلك من وقت أو جهد غير متطلعة إلا لتوفير لقمة لعيش لأطفالها··· أمهات نحن شردنا عن أرضنا فاحتضنا أطفالنا ورضينا بالعيش في المخيمات في غرف غير صحية اكتفينا فيها ببسمة أطفالنا··· أمهات نحن لا تقدّر أي أم في العالم ما نقاسيه حين يخرج أطفالنا من البيت للمدرسة في أجواء غير آمنة فرضتها علينا ظروف الاحتلال القاسية··· أمهات نحن نسرح منذ الصباح وحتى المساء لنقطف الزيتون وسط استفزاز المستوطنين غير آبهات بذلك كله وأمام أعيننا حاجات أطفالنا التي وعدناهم ووعدناهن أن نلبيها من غلة الزيتون··· أمهات نحن قاسينا فراق الزوج المعتقل والمبعد والشهيد ورضينا بأن نكون أمهات وآباء من أجل أطفالنا ضاربات عرض الحائط بكل حاجاتنا الأخرى كإناث غير آبهات إلا بمستقبل أطفالنا··· أمهات نحن أجبرنا أحياناً على أن نلد أطفالنا في الزنازين··· أمهات نحن اعتقلنا وأبعدنا عن أطفالنا لمجرد أننا طالبنا بحقنا وبحق أطفالنا في الحياة··· أمهات نحن نصحو على صوت القصف لنحمل أطفالنا من أسرتهم ونبعدهم عن الخطر وما هي إلا دقائق حتى تتدمر غرف نومهم وتتحطم ألعابهم··· أمهات نحن علمتنا الحياة بأن لا حياة مع الجيران الجدد من رعاع المستوطنين والذين نهبوا أرضنا وشردوا أطفالنا وقتلوا رجالنا··· أمهات نحن لم نكن بالغباء حتى نفهم بأن مستقبل أطفالنا الكريم لا يمكن أن يتحقق في ظل استعمار أجنبي عنصري حرم أطفالنا من أبسط الحقوق الإنسانية··· الحق في الحياة··· الحق في العيش في ظل أب وأم··· الحق في الحياة في وطنهم لا كلاجئين في بلدان العالم محرومين ومحرومات من حقوق المواطنة··· الحق في التعلم في مدارس فيها الحد الأدنى من الخدمات والمرافق··· الحق في التغذية الجيدة والتي لا تتوفر إلا في ظل أوضاع اقتصادية جيدة··· الحق في اللعب الآمن والذي لا يمكن أن يتوافر في أزقة المخيمات جنباً إلى جنب مع مياه المجاري السائبة··· الحق في التعبير عن أنفسهم في ظل وطن يحترمهم كفلسطينيين ولا يجعل من جنسيتهم أو دينهم سبباً للتمييز ضدهم··· الحق في التنقل بين ربوع وطنهم والتعرف على مقدساته وآثاره، وباختصار شديد الحق في العيش كبقية أطفال العالم·

آه يا سيدتي يا صاحبة الجلالة المعظمة يا ملكة السويد دولة حقوق الإنسان··· هل عرفت الآن من نحن أم أنك بحاجة إلى أن أعرفك أكثر بمن نكون؟! هل علي أن أسألك إن كنت يوماً قد شردت وبيدك طفل فعشت في خيمة تلفينه بجسدك لتحميه من البرد غير آبهة بنفسك وأعطيته حصتك من الغذاء لتحميه من الجوع غير آبهة بمعدتك الخاوية؟! هل جربت يوماً أن تعيشي مع أطفالك في غرفة صغيرة في مخيم بائس عليك فيها أن توفري لهم كل أسباب العيش وأن تحوليها إلى قصر أحلامهم في ظل إمكانيات غير متوافرة؟! هل جربت يوماً أن تكوني مع أطفال لا مكان لهم للعب إلا في أزقة غير صحية فاحترت ما بين أن تمنعيهم من اللعب كغيرهم من الأطفال وما بين تعريضهم للخطر من أجل حقهم باللعب، ولم تجدي يوماً جواباً شافياً لتلك الحيرة؟! هل جربت يوماً ما معنى أن تكوني أماً لأطفال كتب عليهم أن يعيشوا سنوات طويلة علاقتهم بآبائهم لا تتعدى زيارتهم من وراء القضبان الحديدية وأن تمنعي عنهم سطوة السجان في كل زيارة، وأن تتوسلي في أحيان كثيرة من أجل حتى بلوغ تلك الزيارة؟! هل جربت يوماً ما معنى أن يخرج طفلك من البيت زهرة نضرة ولا يعود لمجرد أن مستوطنا عنصريا أرعن لا يرى في هذا الطفل إلا عائقا أمام مخططاته الفاشية؟ هل جربت يوماً ما معنى أن يبعد زوجك عن وطنه لمجرد أنه مارس حقه الطبيعي في التعبير عن رأيه وكان عليك بعدها أن تكوني لأطفالك أماً وأباً؟! هل جربت ما معنى أن يخرج زوجك للعمل في الساعة الثانية فجراً ولا يعود إلا في الثامنة مساء لا لشيء إلا لأنه عربي وعليه أن يجتاز معبر "ايرز" المشؤوم في قطاع غزة وعليه أن يجابه كل عنصرية جيش الاحتلال الإسرائيلي على ذلك المدخل، فيكون الأب الحاضر الغائب؟ هل جربت يوماً ما معنى أن يكون حقك في العمل من أجل إعالة أسرتك مرتبطا بقرار عسكري يفتح الطرقات متى يشاء ويغلقها متى يشاء غير آبه بك وبأطفالك أو باحتياجات أي منكم؟! هل جربت يوماً أن تكون أماً تحمل طفلها المريض ما بين يديها ويموت على أحد الحواجز العسكرية لمجرد أن جنديا أو ضابطا عنصريا لا يسمح لك بأن تصلي الى المشفى لمعالجته؟! هل جربت أن تكوني مع أطفالك فيداهم البيت الجنود المدججين بالسلاح فيقلبون كل ما في البيت رأساً على عقب في عملية يسمونها عملية أمنية؟! هل جربت أن تكوني أماً لأطفال يصحون من عز نومهم على صوت القذائف والرصاص هلعين مرعوبين، وعندما يعودون إلى غرفهم يبكون ألعابهم المحطمة؟! هل جربت ما معنى أن تحملي طفلك في نقطة حدودية فيزيلون عنه حتى الحفاض ويحرمونه الحليب لساعات من أجل إجراءات يسمونها إجراءات أمنية في حين ترين الأمهات الأخريات من جنسيات مختلفة يحتضن أطفالهن بكل ثقة غير مجبرات للتعرض لتلك التجربة الرهيبة؟! هل جربت أن تكوني أماً توصل أطفالها إلى المدرسة فتتعرض دون سبب لتوقيف على أحد الحواجز العسكرية فلا يصل أطفالها إلى المدرسة إلا متأخرين؟! هل جربت وجربت وجربت؟! وهل كنت يوماً في أي موقف من تلك المواقف تبحثين عن أجوبة الأسئلة في عيون أطفالك تبحث عن سبب لكل تلك المعاناة فلا تجدين إجابات شافية؟! وهل علمت يوماً ما قد يعنيه غياب تلك الأجوبة؟! وأي نوع من الخطر قد يحدق بطفلك الذي لم يقتنع فخرج للشارع ليشارك بلعبة الكبار ويتصدى بالحجر والمولوتوف وبأي حال قد يعود إليك؟!

يقينة أنا بأنك لم تجربي شيئاً من هذا  كله فلقد ولدت لأسرة مالكة وفي فمك ملعقة ذهبية تأمرين وتتطلبين والكل يلبي طلباتك، ولذا فأنا لا ألومك على تصريحاتك ولكن أدعوك لأن تكوني معنا وتحاولي أن تجربي حياتنا لمدة يومين أو حتى يوم واحد لا أكثر··· أدعوك لأن تكوني معنا في بيت أحد الشهداء لتري بنفسك أم الشهيد وهي منهارة كأم أعطت كل وقتها لأبنائها وها هي تراهم اليوم يموتون أمامها··· أخالك حتى ستعتقدين أنها جدته لا أمه لشدة الخطوط القاسية المرسومة على وجهها التي رسمتها تلك الحياة القاسية التي حاولت أن أشرحها لك وأرجو أن أكون قد وفقت في نقل بعض صورها··· أدعوك لتري أم الشهيد تلك في حالتها الهيستيرية والتي تنطلق فيها لتطلق زغرودة قد تعتقدين أننا نطلقها فرحاً، ولكن أعذرك لأنك لا تعرفين حياتنا، فالأفارقة يرقصون أيضاً في أحلك الظروف لتجاوز الألم··· أدعوك لزيارة المستشفيات لتري بأم عينك أمهات الجرحى ومعاناتهن قرب أسرة أطفالهن فلذات أكبادهن الذين طالهم قصف العدو في غرف نومهم وفي سيارات ذويهم وفي حضن آبائهم الذين لم يستطيعوا أن يمنعوا الأذى عنهم كالطفل محمد الدرة وأخالك قد سمعت عنه··· أدعوك لتري أم الشهيد ما بين نارين··· نار حسرتها على فلذة كبدها الذي ضاع منها، ونار حسرتها على موت الضمير العالمي الذي لم يستطع أن يحميها ولا يحمي طفلها الذي اضطر للدفاع عن نفسه بصدره العاري وبحجر بسيط في يده··· ذلك الحجر الذي لا يمكن له أن يتصدى للرصاص الحي ولا لصواريخ اللاو ولا قذائف الدبابات بل من شأنه أن يرسل رسالة للعالم بأن أطفال فلسطين هم أيضاً أطفال من حقهم العيش كبقية أطفال العالم، وأمهات فلسطين هن أيضاً من حقهن أن يستمتعن بالأمومة كبقية أمهات العالم، فهل وصلتك الرسالة يا جلالة الملكة؟!

ساما عويضة- لفتاوي

مركز الدراسات النسوية - القدس

طباعة  

حضانة البستان تستقبل أطفالها اليوم للعام الدراسي الجديد
 
أزف اليك الخير