رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13- 19 جمادي الأخره 1422 هـ الموافق 1-7 سبتمبر 2001
العدد 1492

قصة

اغــتــيــال

عبدالوهاب الأسواني

أعجوبة زمانها كما وصفها كل من وقع بصره عليها· شجيرة "لبخ" غريبة لا أحد يدري من أين جاء بها العم عدنان· كان يحملها في مقطف، حول جذرها الغض كتلة من الطين تشبه الخوذة· جلس القرفصاء في الساحة أمام مضيفه آل عبدالمطلب، حفر لها حفرة مستديرة، صب فيها كمية من تراب جلبه من أرض الغوانم المعروفة بخصوبتها، غرسها وأقام حولها سياجا بارتفاع قامة الرجل، جعل أعلاه من كرناف النخل بشوكه الطويل الحاد· ترك تحت السياج ثقبا في حجم قبضة اليد، أوصله بأخدود نحيل متصل بالقناة التي تسقي أرض عبدالمطلب· لم تكن الركائب في مرابطها بقادرة على الوصول إليها· تمد خراطيمها فيصدها الشوك أعلى السياج· اخضرت وشقت الفضاء فصارت بطول شخصين· الأشجار أمام مضايف النجوع الأخرى منبعجة أو ملتوية أو ذات بروزات، هذه نحيلة حقا لكنها في رشاقة قلم الرصاص كما وصفها ناظر المدرسة، مثل نبوت الشوم كما قال بطل التحطيب عبدالغفار، في استقامة حرف الألف في رأي المأذون، تتمايل مع الريح في حركات محسوبة كأنها معجبة بنفسها· قال الولد محروس ذو الخيال الواسع، سيأتي يوم تظلل بفروعها نصف الساحة ويتناجى تحتها العشاق· جاء الرجل يتوكأ على رمح مكسور القناة، لعينيه شرر عدواني، على كتفه بندقية، وفي يده حقيبة قماشية صغيرة، ربعة يميل الى البدانة، له حاجبان سوداوان كثيفان فوق أنف حاد وشارب كث، يقال إن العمدة تجنبه ولم يبلغ عنه الحكومة، تخوف منه الناس، اختار مضيفة ال عبدالمطلب ليرقد فيها، جاؤوا له بالطعام حسبما تقضي التقاليد، يتهامسون عنه، فإذا اقترب أحد كفوا عن الكلام· عائلات نجعنا تخاصم بعضها بعضا، كل عائلة تخشى الحديث عنه أمام شخص من عائلة أخرى، تناثرت حوله الأقاويل الهامسة، هو "الشاش" زعيم العصابة التي روعت قرى المركز المجاور، لكن أحدا لم ير الشاش رأي العين ليجزم، هو من الضباط الذين تطلقهم الحكومة ليجلبوا لها الأخبار، ربما كان من أولياء الله الصالحين، لكن ما حاجته لهذه الأسلحة لو كان ولياً؟ غريب أن يمشي رجل يحمل كل هذه الأسلحة في البلد، البندقية على الكتف، مسدس في حزام حول الخصر يظهر تحت الجلباب حين تضربه الريح، يتوكأ لا على عصا كما يفعل الناس، ولكن على رمح - وإن كان مكسورا فهو رمح - له سن مدبب مثير، تقضي التقاليد على آل عبدالمطلب أن يستضيفوه لثلاثة أيام، لكن ماذا لو مكث الى ما بعد ذلك؟ قالوا فلنتظاهر بأننا لا نهتم بهذا الأمر، يدخل عليه كبيرهم الحاج عباس في الصباح الباكر بطعام الإفطار، يجده متربعا على السرير، لا يصلي، لا يتكلم، يدخن السجائر في صمت· الحاج يخشى أن يوجه إليه سؤالا، غير السلام عليكم، لا ينطق حرفا، فقط يهمهم بكلمات غير مفهومة توحي بالتسبيح، هل تطلب منا شيئا يا شيخ؟ لا، ثم يصمت·· يدخل عليه بطعام الغداء، يتكرر ما حدث في الصباح، بعد صلاة العشاء يأتي إليه بصينية الطعام، يأكل ويغسل يديه ثم يجلس على السرير، لا أحد يدري متى ينام· الحاج لا يتكلم عنه مع أحد، كلما سألته زوجته وضع سبابته فوق شفتيه وهمس: الجدران لها آذان· وقف الرجل أمام الشجرة في مساء اليوم التالي، تأملها طويلا، طلب فأسا وسكينا حادة، أحضرهما له الحاج عباس· حفر بالفأس حول السياج، دفع أحد جوانبه فانهار، حفر حول جذر الشجرة فمالت، جذبها إليه من شوشتها وضربها ثلاث ضربات فاقتلعها، فصل طرفيها الأعلى والأسفل بضربتين من الفأس· بقي في يده الجزء الأوسط المستقيم، أزال لحاءه بالسكين وطلب حداد البلد· جاء عبدالمؤمن بقميص مرقوع وعينين خائفتين ومعه معداته وأشعل نارا صغيرة· الحاج عباس يضغط فكيه ويتهامس مع أخوته فإذا اقترب أحد كفوا، سحب الرجل نصل رمحه من القناة المكسورة ومده للحداد طالبا وضعه في النار، حين أصبح طرفه الخلفي الذي يشبه الإبرة الغليظة في لون الجمر، ثبته الحداد في فرع الشجرة المستقيم، صدر وشيش أعقبه دخان ثم صمت· لملم الرجل حاجياته من المضيفة، وضعها في الحقيبة القماشية، علقها على كتفه الأيمن مع حزام البندقية، واتجه غربا·

طباعة  

اضاءات
 
جمالية الشتيمة أو شعرية الهجاء ؟
محاولة في قراءة بيت "لأبي الطيب" في الهجاء 1-2

 
غياب الشعراء الشباب وقصيدة النثر عن "مختارات" البابطين
ملامح الشعر الجزائري والسعودي والسوري بين قيد الثورة والتمرد على القصيدة الدينية وانعكاسات القضايا الوطنية

 
أخبار ثقافية
 
عرض
 
المرصد الثقافي