أما الاغتيال الذي تباهت به المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فهو أكثر من تصفية خصم سياسي، إنما يرقى نظراً إلى الشخصية المستهدفة، وإلى القائمة المعلنة حسب صحيفة "معاريف" إلى أكثر من ذلك بل أخطر مما يمكن تصوره، مثل اختراق جميع الخطوط الحمر·
أبوعلي مصطفى عاد إلى الضفة الغربية عام 1999 طواعية على الرغم من معارضته اتفاقات أوسلو· وهذه خطوة غير معهودة في ضوء رؤية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالنسبة إلى النزاع العربي- الإسرائيلي· ذلك أن رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير والعضو المؤسس في حركة "فتح" فاروق القدومي مازال يرفض العودة إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة حتى لا يضطر إلى الحصول على تصريح من سلطات الاحتلال·
عودة أبوعلي مصطفى إلى الضفة الغربية قد تختلف وجهات النظر بشأنها لكنها لا تختلف على حقيقة الواقعية السياسية التي تمثلها للعودة· وهذه الواقعية تثبتها أيضاً عودة عضو المكتب السياسي للجبهة (ونائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني) تيسير قبعة وعضو المكتب السياسي عبدالرحيم ملوّح·
من اتخذ قرار اغتيال أبوعلي مصطفى، أي الحكومة الأمنية بزعامة أرييل شارون، كان قد قتل كل إيمان بعملية السلام لدى الفلسطينيين الذين انخرطوا في هذه العملية، فكيف تكون ردة الفعل لدى من عارضوا المفاوضات، من الناحية المبدئية، ثم تعاملوا مع نتائجها بواقعية عقب عام 1995؟
اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لم يضف منهجية جديدة إلى سياسة معروفة لدى إسرائيل منذ الستينات والسبعينات· بل إنه لن يحقق، في ضوء التجارب الماضية لإسرائيل، نتائج سياسية ما عدا إشباع رغبة في الانتقام لا تشبع· لكن الاغتيال يأتي في سياق ست سنوات من الإحباط الفلسطيني من اتفاقات لم تنفذ ووعود بقيت كلاماً أجوف، وفي ذروة انتفاضة لم تبدر منها أي إشارة إلى الاستكانة·
كانت هناك مفارقة كبيرة في استهداف أبوعلي مصطفى· فالقائد المغدور واجه كثيراً من الانتقادات داخل الجبهة الشعبية ممن أخذوا عليه عودته إلى الضفة وهي مازالت حبيسة الاحتلال، في حين أن من يفترض أن يكونوا "معسكر السلام" في إسرائيل إما شاركوا في اتخاذ قرار الاغتيال وتنفيذه (بنيامين بن اليعازر) وإما سكتوا عنه علامة الرضا أو، في أضعف الأحوال وهي غير متوقعة، تقبلوه بعد تنفيذه، فماذا كانت إسرائيل، برأسي حكومتها شارون وشيمون بيريس، تقول للفلسطينيين؟ "إياكم والاعتدال؟"·
بعد اتفاقات أوسلو، كان هناك جنوح متزايد نحو اليمين والتطرف في المجتمع الإسرائيلي، في حين كان هناك واقعية متزايدة حتى من الأطراف التي عارضت عملية السلام مبدئياً، وكان هناك سبب جوهري على الأقل: الحؤول دون نشوب حرب أهلية فلسطينية، وحتى الفصائل التي تنكر حق إسرائيل في الوجود، مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بقيت هادئة في وقت كانت آمال الفلسطينيين في سلام يعيد الأراضي المحتلة مازالت حية بعد·
قد يكون أبوعلي مصطفى معارضاً، سياسياً، لاتفاقات أوسلو، ومعترفاً بصورة غير رسمية بحقيقة وجود آثارها، لكن ماذا بشأن التدمير المنهجي للنتائج المنبثقة عن هذه الاتفاقات: تسوية المؤسسات الأمنية الفلسطينية بالأرض، استهداف مناطق يفترض أن إسرائيل تخلت نهائياً عن حق التدخل الأمني فيها، تجويع هذه المناطق وتحويلها سجوناً ليس سجناؤها، سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين، بمأمن فيها من القتل؟
أرييل شارون يطالب بوقف تام لإطلاق النار من جانب الفلسطينيين (من جانب واحد طبعاً) قبل البدء في أي محادثات سياسية لن تكون مفاوضات السلام جزءاً منها، ثم تنطلق طائرة هليكوبتر لتغتال في وضح النهار قائداً ليس على صلة مباشرة بالعمليات المسلحة· وإذا كان شارون يريد للفلسطينيين أن يصدقوه فينبغي عليه أن يقنع بعض الإسرائيليين قبل ذلك·
المفارقة أيضاً أنه في حين جنح الفلسطينيون، على الرغم من الطبيعة السياسية- العسكرية لمنظماتهم، إلى السلم عموماً، تجنح إسرائيل في ظل قيادة الجنرال أو من يضاهيه عقلياً من السياسيين، تجنح إلى الحرب، فاليوم تخصص إسرائيل جزءاً كبيراً من قواتها لحماية مستوطنات هي تعرف جيداً أنها لن تكون جزءاً من الدولة العبرية· وهي تقتل يومياً من المدنيين أكثر مما تنال من العسكريين· وكما في لبنان كذلك في فلسطين، كان في إمكان إسرائيل أن تنسحب منذ نفذت أول انسحاب جزئي عام 1982· وكان في إمكانها أن تنسحب كلياً أيضاً عندما تراجعت قواتها نحو الجنوب عام 1985· لكنها لم تفعل· وكان أن اضطرت إلى الانسحاب عام 2000 بلا قيد أو شرط، بل إلى هروب كبير·
الآن يهرب أرييل شارون إلى الأمام: تمسك بالمستوطنات بل وتعزيزها· تدمير شامل تدريجي للحكم الذاتي الفلسطيني الذي يفترض أن تضبط سلطته الوطنية الأوضاع حسب مطالبة إسرائيل والولايات المتحدة· لكن هل يعتقد أرييل شارون الذي لم تستطع بلاده السيطرة على عشرة في المئة من أراضي لبنان وبمساندة ميليشيا عميلة، أنه يستطيع السيطرة على نحو مليوني فلسطيني تتجذر مواقفهم يوماً بعد يوم؟
هل تعتقد إسرائيل أن من يخلف القائد المغدور في الأمانة العامة للجبهة الشعبية سيكون مثله في الواقعية السياسية؟
أخطر من اغتيال أبو علي مصطفى
لم يكن أبوعلي مصطفى متوارياً عندما اغتالته إسرائيل في رام الله، إنما كان يعمل علانية من مكتب معروف· أما الاغتيال الذي تباهت به المؤسسة العسكرية الإسرائيلية فهو أكثر من تصفية خصم سياسي، إنما يرقى نظراً إلى الشخصية المستهدفة، وإلى القائمة المعلنة حسب صحيفة "معاريف" إلى أكثر من ذلك بل أخطر مما يمكن تصوره، مثل اختراق جميع الخطوط الحمر·
أبوعلي مصطفى عاد إلى الضفة الغربية عام 1999 طواعية على الرغم من معارضته اتفاقات أوسلو· وهذه خطوة غير معهودة في ضوء رؤية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بالنسبة إلى النزاع العربي- الإسرائيلي· ذلك أن رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير والعضو المؤسس في حركة "فتح" فاروق القدومي مازال يرفض العودة إلى الضفة الغربية أو قطاع غزة حتى لا يضطر إلى الحصول على تصريح من سلطات الاحتلال·
عودة أبوعلي مصطفى إلى الضفة الغربية قد تختلف وجهات النظر بشأنها لكنها لا تختلف على حقيقة الواقعية السياسية التي تمثلها للعودة· وهذه الواقعية تثبتها أيضاً عودة عضو المكتب السياسي للجبهة (ونائب رئيس المجلس الوطني الفلسطيني) تيسير قبعة وعضو المكتب السياسي عبدالرحيم ملوّح·
من اتخذ قرار اغتيال أبوعلي مصطفى، أي الحكومة الأمنية بزعامة أرييل شارون، كان قد قتل كل إيمان بعملية السلام لدى الفلسطينيين الذين انخرطوا في هذه العملية، فكيف تكون ردة الفعل لدى من عارضوا المفاوضات، من الناحية المبدئية، ثم تعاملوا مع نتائجها بواقعية عقب عام 1995؟
اغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية لم يضف منهجية جديدة إلى سياسة معروفة لدى إسرائيل منذ الستينات والسبعينات· بل إنه لن يحقق، في ضوء التجارب الماضية لإسرائيل، نتائج سياسية ما عدا إشباع رغبة في الانتقام لا تشبع· لكن الاغتيال يأتي في سياق ست سنوات من الإحباط الفلسطيني من اتفاقات لم تنفذ ووعود بقيت كلاماً أجوف، وفي ذروة انتفاضة لم تبدر منها أي إشارة إلى الاستكانة·
كانت هناك مفارقة كبيرة في استهداف أبوعلي مصطفى· فالقائد المغدور واجه كثيراً من الانتقادات داخل الجبهة الشعبية ممن أخذوا عليه عودته إلى الضفة وهي مازالت حبيسة الاحتلال، في حين أن من يفترض أن يكونوا "معسكر السلام" في إسرائيل إما شاركوا في اتخاذ قرار الاغتيال وتنفيذه (بنيامين بن اليعازر) وإما سكتوا عنه علامة الرضا أو، في أضعف الأحوال وهي غير متوقعة، تقبلوه بعد تنفيذه، فماذا كانت إسرائيل، برأسي حكومتها شارون وشيمون بيريس، تقول للفلسطينيين؟ "إياكم والاعتدال؟"·
بعد اتفاقات أوسلو، كان هناك جنوح متزايد نحو اليمين والتطرف في المجتمع الإسرائيلي، في حين كان هناك واقعية متزايدة حتى من الأطراف التي عارضت عملية السلام مبدئياً، وكان هناك سبب جوهري على الأقل: الحؤول دون نشوب حرب أهلية فلسطينية، وحتى الفصائل التي تنكر حق إسرائيل في الوجود، مثل "حماس" و"الجهاد الإسلامي" بقيت هادئة في وقت كانت آمال الفلسطينيين في سلام يعيد الأراضي المحتلة مازالت حية بعد·
قد يكون أبوعلي مصطفى معارضاً، سياسياً، لاتفاقات أوسلو، ومعترفاً بصورة غير رسمية بحقيقة وجود آثارها، لكن ماذا بشأن التدمير المنهجي للنتائج المنبثقة عن هذه الاتفاقات: تسوية المؤسسات الأمنية الفلسطينية بالأرض، استهداف مناطق يفترض أن إسرائيل تخلت نهائياً عن حق التدخل الأمني فيها، تجويع هذه المناطق وتحويلها سجوناً ليس سجناؤها، سواء أكانوا مدنيين أم عسكريين، بمأمن فيها من القتل؟
أرييل شارون يطالب بوقف تام لإطلاق النار من جانب الفلسطينيين (من جانب واحد طبعاً) قبل البدء في أي محادثات سياسية لن تكون مفاوضات السلام جزءاً منها، ثم تنطلق طائرة هليكوبتر لتغتال في وضح النهار قائداً ليس على صلة مباشرة بالعمليات المسلحة· وإذا كان شارون يريد للفلسطينيين أن يصدقوه فينبغي عليه أن يقنع بعض الإسرائيليين قبل ذلك·
المفارقة أيضاً أنه في حين جنح الفلسطينيون، على الرغم من الطبيعة السياسية- العسكرية لمنظماتهم، إلى السلم عموماً، تجنح إسرائيل في ظل قيادة الجنرال أو من يضاهيه عقلياً من السياسيين، تجنح إلى الحرب، فاليوم تخصص إسرائيل جزءاً كبيراً من قواتها لحماية مستوطنات هي تعرف جيداً أنها لن تكون جزءاً من الدولة العبرية· وهي تقتل يومياً من المدنيين أكثر مما تنال من العسكريين· وكما في لبنان كذلك في فلسطين، كان في إمكان إسرائيل أن تنسحب منذ نفذت أول انسحاب جزئي عام 1982· وكان في إمكانها أن تنسحب كلياً أيضاً عندما تراجعت قواتها نحو الجنوب عام 1985· لكنها لم تفعل· وكان أن اضطرت إلى الانسحاب عام 2000 بلا قيد أو شرط، بل إلى هروب كبير·
الآن يهرب أرييل شارون إلى الأمام: تمسك بالمستوطنات بل وتعزيزها· تدمير شامل تدريجي للحكم الذاتي الفلسطيني الذي يفترض أن تضبط سلطته الوطنية الأوضاع حسب مطالبة إسرائيل والولايات المتحدة· لكن هل يعتقد أرييل شارون الذي لم تستطع بلاده السيطرة على عشرة في المئة من أراضي لبنان وبمساندة ميليشيا عميلة، أنه يستطيع السيطرة على نحو مليوني فلسطيني تتجذر مواقفهم يوماً بعد يوم؟
هل تعتقد إسرائيل أن من يخلف القائد المغدور في الأمانة العامة للجبهة الشعبية سيكون مثله في الواقعية السياسية؟
"المنبر الديمقراطي": نحزن على فقدان مناضل كبير
أصدر المنبر الديمقراطي الكويتي بيانا إثر اغتيال المناضل أبو علي مصطفى هذا نصه:
تؤكد عملية اغتيال المناضل أبو علي مصطفى، الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقبلها عمليات اغتيال قادة منظمة حماس وآخرين من فتح وغيرها من تنظيمات فلسطينية، تؤكد بأن إسرائيل قد بلغت مرحلة من التطرف السياسي والأمني بشكل لا يدع أي متفائل يستمر في أمانيه من أجل إقامة سلام دائم وعادل في المنطقة· كما أن اغتيال أبو علي مصطفى وغيره من القادة الذين آثروا العودة لوطنهم وديارهم من أجل بناء دولة فلسطينية مستقلة يشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد قررت رفض كل ما جرى على الأرض منذ توقيع اتفاقات أوسلو في عام 1993·· ذلك يبين بأن هذه الحكومة الإسرائيلية، بقيادة شارون، قد اختارت المواجهة والعنف لفرض سلام إسرائيلي يشترط بقاء المستوطنات في مواقعها وعدم القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة، بل أكثر من ذلك وهو الاستمرار في الاستيطان والتوسع الجغرافي بل والعمل على إنجاز مشاريع سياسية متطرفة مثل عملية الترانسفير، أي نقل الفلسطينيين إلى الأردن لإقامة دولة فلسطينية هناك، مثل ما يطرح غلاة المتطرفين الصهاينة وعلى رأسهم أرييل شارون رئيس الوزراء الحالي·
لكن هل يمكن لتلك الأفكار الجهنمية أن تحظى بإمكانات التطبيق؟ لا شك أن مقاومة الشعب الفلسطيني ونضاله المستمر والتضحيات الغالية ستؤكد استحالة نجاح سياسات شارون وزمرته الباغية، وسوف يتأكد لهم أن الأمن الإسرائيلي لن يتحقق إلا إذا تم القبول بالشروط الوطنية الفلسطينية التي تؤكد على ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة بموجب شروط وافق عليها المجتمع الدولي من خلال قرارات مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة·· إن ما يحتاجه الشعب الفلسطيني في نضاله ليس تقديم الرجال والنساء الذين يضحون من أجله فهو كفيل بتوفير المناضلين القادرين على التضحية والمواجهة، لكن يجب توفير الدعم المالي لتمكين الفلسطينيين من مواجهة أعباء الحياة الصعبة وتوفير الحدود الدنيا من مستويات المعيشة اللائقة بالآدميين·· ولا يحتاج الفلسطينيون لدعم أنظمة عربية مستبدة تحكم شعوبها بالحديد والنار وتفرض عليهم التطوع أو دفع الأتاوات من أجل جيش "القدس" كما يقوم بذلك نظام صدام حسين مع الشعب العراقي الذي يعاني ويلات الديكتاتورية·
وإذا كنا نحزن على فقدان مناضل كبير مثل أبو علي مصطفى فإننا متيقنون بأن أفواجا جديدة من مناضلي الشعب الفلسطيني، بكل فئاته السياسية، ستتقدم الصفوف من أجل الشهادة ومواجهة الاحتلال الصهيوني وإنجاز مهمات النضال من أجل الاستقلال الوطني·
رحم الله شهداء الشعب الفلسطيني ورحم الله شهداءنا الأبرار·