"الحزام" لأحمد أبو دهمان في العربية
لغة المكنونات في القرية السعودية
أحمد أبو دهمان، أول كاتب فرانكوفوني يأتي من المملكة العربية السعودية، لاقى الحماسة النقدية والإقبال اللافت لدى القراء الفرنسيين، على روايته الأولى "الحزام" التي صدرت عن دار "غاليمار" الباريسية، إذ بدت هذه الرواية التي "كتبها" أخيرا في العربية وصدرت عن "دار الساقي"، ظاهرة مكتبية، تحتفل بها محطات التلفزة الفرنسية والصحف والمنتديات·
والحال أن أبو دهمان في سيرته، ولد قبل خمسين سنة في قرية آل خلف في منطقة عسير، حيث "لا يسقط المطر بل يصعد"، بحسب ما يقول في روايته، وقد أنهى دراسته الابتدائية في القرية والمتوسطة في مدينة أبها ثم دخل الى معهد إعداد المعلمين في الرياض وعاد ثانية الى قريته حيث درس لمدة ثلاث سنوات· واصل تعليمه الجامعي مدة خمس سنوات في جامعة الملك سعود في الرياض، وحصل عام 1979 على منحة مكنته من مواصلة دراسته الجامعية في السوربون وهو الآن يعمل بين الكتابة والصحافة·
لا يضير القول إن الاحتفال اللافت برواية أحمد أبو دهمان الأولى لا يخلو من الأيديولوجية كونه أصدرها باللغة الفرنسية، والظن من الفرانكوفونيين أنه يخلق مناخا للثقافة الفرنسية في النسيج الخليجي المحسوب على "الهوى" الأمريكي· على أن الجانب المهم في الرواية هي أنها تكسر المحظور (التابو الاجتماعي) كونها تصف المجتمع في قرية سعودية، مع ما تحمل هذه القرية من تقاليد ومحسوسات· فالكاتب ينسج الطفولة وأحوالها فيستنبط الأشياء والعادات والتقاليد في لغة حارة وشفافة وممتعة، تأخذ القارئ الى ثناياها وتكشف له ما هو محرم في مجتمع محكوم بالانغلاق· لغة على قدر من الصفاء ومن غير تعقيد، تلامس صميم حميميات المجتمع القروي القبلي ومكنوناته ورغباته وعنفه ورجولته وذكورته وتحولاته المتسارعة وشغفه في الإصغاء الى حكايات المجتمع الآخر وسلوكياته، فتبدو أخبار النساء وتصرفاتهن في المجتمع الأسوجي (الآخر) كأنها بمثابة سحر للمجتمع المروي عنه بنسائه ورجاله·
وفي الحال أنه قلما يظهر كتَّاب وشعراء في السعودية لتبيان الأحوال الاجتماعية· وهم إذا كانوا يفعلون فإن ثقافتهم تبدو بلاطية وأميرية وإذا ما عارضوا فمكانهم اللائق في دائرة المنفى (شأن عبدالرحمن منيف)· وأحسب أن أحمد أبو دهمان لو أنه ظل يعيش في الداخل لما كان دخل هذه الدائرة اللافتة الى هذا الحد فاجواء الحرية والحياة الفردية في فرنسا والدول الديمقراطية، تحفز المرء على الكتابة وإملاء هواجس الذات أو سيرتها وسيرة المجتمع· وإزاء هذا، فالمثقف والكاتب الخليجي في حاجة الى المنفى، أو الى المناخ الملائم للثقافة الديمقراطية· والحال أن أحمد أبو دهمان، وهو الذي يعيش في فرنسا ومتزوج من فرنسية، يريد أن يكتب رسالة لابنته يخبرها فيها عن المكان الذي جاء منه أو عاش فيه طفولته وطقوس مجتمعه، قبل أن ينتقل للإقامة في باريس حيث ولدت ابنته من أم فرنسية· وأحمد أبو دهمان في الرسالة (الرواية) حول عناصر شعرية وخرافية نصا عن حياته الذاتية، البسيطة والعميقة·
وكأنه يحيا من جديد عوالم طفولته، وعادات قريته وتقاليدها ومعتقداتها وأغانيها ودعواتها الدينية· فالرواية تحكي بلغة شعرية حياة القبليين والبسطاء في قرية من أقاصي الجنوب سريعا ما تحولت "قرية كونية" بفضل التواصل مع العالم الآخر، سواء من المهاجرين العرب الى السعودية أو من المغتربين السعوديين العائدين الى القرية· فالكاتب يبدأ روايته من مقولة تعلمها: "من لا يعرف نسبه لا يعرف صوته"· فالمرء يحفظ نسبه وشجرة عائلته، وهذا من حيثيات القبائل، والنسب عنصر من كم هائل من التقاليد البدائية التي تحيط القبيلة في القرية، لكن افتتاح المدرسة في القرية كما يلاحظ الكاتب، أحدث انقلابا في معظم القيم والتقاليد في القرية، وأقام عالما آخر نقيضا لحزام (شيخ القبيلة) وعوالمه الحادة، زاده رسوخا قدوم أناس "غرباء" من دولة عربية مجاورة كان أبناء القرية يصفونها بالشياطين لأنهم يبولون واقفين· لكن الشياطين كان لهم أن يعلّموا أبناء تلك القرية قيما جديدة مغايرة، في وقت كان الآباء يعلنون حربهم على الغرباء، لأن القرية التي صمدت وحدها أمام الجيش العثماني وانتصرت عليه، تجد نفسها الآن مجبرة على تسليم أولادها - مستقبلها - لهؤلاء الأجانب الذين يبولون واقفين·
وحزام (شيخ القبيلة)، كان يكره المدرسين، لأنهم كانوا يحلقون لحاهم وشواربهم يوميا، وذلك أن اللحية بالنسبة الى القبيلة كانت وما زالت دليل الصدق والشرف· وحزام أيضا يحتقر الأحذية لأنها تفصل الإنسان عن الأرض، عن الحياة، وهكذا تبدو الحياة تحت المراقبة بكل جوانبها، فالآباء يراقبون الشبان والأهل في ليلة عرس ابنتهم، ينتظرون لحظة فض البكارة، التي هي أرقى تقاليد القبيلة وقيمها، شأن الختان في بداية العبور الى الحياة الحقيقية·
وإذ يعود حكيم من القرية بعدما تعلم في أسوج، يروي عن النساء الآسوجيات، مما يجعل بيته لأسابيع كثيرة محطة لكبار السن الذين يشتهون سماع هذه العجائب أو عوالم المجتمع المتحضر، المفاجئ والمغاير لأهل التقاليد والتحريم والبداءة· في نهاية الرواية نكتشف أن "الحزام" هو أيضا اسم حكيم القبيلة، الذي لم يكن يعترف إلا بمرض واحد هو الموت، وفي المستشفى كان رجال القرية يتناوبون ليلا ونهارا على رعايته وحراسته· "دار الساقي" في بيروت، أرادت أن تصدر الكتاب في صيغة عربية، وكان خيارها أن توكل الى الكاتب نفسه "تأليف" النص مجددا بالعربية، أو ترجمته الى النص الأصلي· وحسنا فعلت الدار بخيارها·
محمد الحجيري - "النهار"