رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13- 19 جمادي الأخره 1422 هـ الموافق 1-7 سبتمبر 2001
العدد 1492

سلسلة مفاهيم سياسية للكاتب البحريني د· منصور الجمري

" "الوضع الطالباني" ليس حالة منفردة وإنما يمثل ظاهرة "تعشعش" وتفرخ التخلف والرجعية باسم الدين الإسلامي

" الديمقراطية والتعددية وحقوق المرأة والحرية الفكرية ضرورات لنهوض أي مجتمع

" حقوق الإنسان بقسميها يجب أن تكونا متلازمتين

" هناك إرادة دولية لتكوين محكمة الجنايات الدولية والاختلاف حول شكلها وصلاحياتها

 

أكد الكاتب البحريني د· منصور الجمري أن هناك إرادة دولية لتكوين محكمة الجنايات الدولية ولكنه أضاف أن الاختلاف هو حول شكل هذه المحكمة ومدى صلاحياتها ومستلزماتها·

وقال الجمري في مقالات عدة يكتبها ضمن سلسلة مفاهيم سياسية أن حقوق الإنسان بقسميها السياسي والمدني، والاقتصادي والاجتماعي والثقافي يجب أن يكونا متلازمين بحيث لا يسبق أي منهما الآخر·

وفي موضوع آخر حول التجديد الإسلامي قال الجمري إن على النخبة الناشطة في المجتمعات الإسلامية أن تحدد علاقتها بالدين والتراث وعلاقتها بالعصر والواقع الذي تعيشه الأمة، وأشار الى أن كثيراً من النخب المتعصرنة حاولت فصل الأمة عن دينها معتقدة بأن الحل يكمن في هذا المنحى الأوروبي المنشأ·

وفي موضوع آخر يحدثنا الجمري عن المنظمات غير الحكومية حيث يقول إنها إحدى ظواهر المجتمع المدني الحديث، وأنها أصبحت أكثر تأثيراً من ذي قبل، ومن أبرز سماتها أنها تهتم بقضايا ذات أثر كبير لعامة الناس·

 

السعي لتكوين محكمة الجنايات الدولية: بداية ظهور المواطن العالمي

حقوق الإنسان كانت ولاتزال من أهم المواضيع المطروحة على الساحة الدولية، وهناك تصارع بين الأيديولوجيات والدول حولها· وتنقسم حقوق الإنسان إلى قسمين رئيسيين، القسم الأول: حقوق سياسية ومدنية، والقسم الثاني حقوق اقتصادية واجتماعية وثقافية· الحقوق السياسية والمدنية تركز على حرية الإنسان في التعبير عن رأيه والمشاركة في إدارة شؤون بلاده وحمايته من التعذيب والإهانة· الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تركز على حق المجتمع في التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية·

هناك من يطرح أن الحقوق السياسية والمدنية يجب أن تسبق التنمية الاقتصادية- الاجتماعية، بينما يطرح آخرون وجوب تقديم التنمية (الجماعية) على الحقوق (الفردية)· غير أن الإعلان العالمي ينص على أن جميع هذه الحقوق مترابطة، تعتمد على بعضها الآخر، غير قابلة للفصل أو التقديم أو التأخير، وانها تدعم بعضها الآخر· بمعنى آخر فإن الموقعين على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجب عليهم احترام جميع حقوق المواطنين، سواء كانت سياسية ومدنية أو اقتصادية- اجتماعية·

وعلى هذا الأساس فإن ادعاء دولة ما بأنها تهتم بالتنمية البشرية فقط بينما تعتقل وتعذب وتحرم مواطنيها من الحقوق السياسية والمدنية، أمر غير مقبول على الساحة الدولية· والدول التي تحتمي بالقول بأن مسؤولياتها تتحدد في توفير الأكل والملبس بينما تحرمهم من أمنهم الشخصي للحفاظ على أمن الدولة، إنما تقول ذلك للتهرب من مسؤولياتها أو التزاماتها الدولية· ومثل هذا الحديث قد يستفاد منه في سبيل إلهاء الرأي العام- الداخلي أو الخارجي- إلا أنه لا يقدم ولا يؤخر من الأمر شيئاً·

الأمر الآخر الذي تطرحه بعض الدول هو اتهام الآخرين بالتدخل في شؤونها الداخلية إذا اعترض أحدهم على انتهاكات حقوق الإنسان· غير أن هذا الاعتراض ليس في محله· وهناك الآن سعي حثيث لتمكين "القانون الدولي لحقوق الإنسان" وتوفير الوسائل الدولية لتقديم شكاوى "لمحكمة دولية" ضد أي طرف، وأي دولة، وأي جهة تمارس التعذيب وإهانة الإنسان، سواء كان ذلك داخل سيادتها وأراضيها أم خارجها· والقانون الدولي لحقوق الإنسان هو مجموعة المعاهدات الدولية التي وقع عليها الكثير من دول العالم كالعهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بالاضافة إلى البروتوكولات والمعاهدات الأخرى الخاصة بمنع التعذيب والتمييز العنصري وانتهاك حقوق المرأة والطفل· المجموعة الكاملة لهذه المعاهدات والعهود والاتفاقات والبروتوكولات هي ما يطلق عليها بـ "القانون الدولي لحقوق الإنسان"·

القانون الدولي لحقوق الإنسان

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان صدر في 1948 لتحديد المبادئ العامة التي وافقت عليها الأغلبية الساحقة للدول الأعضاء للأمم المتحدة بعيد الحرب العالمية الثانية· والإعلان العالمي حاول عدم التدخل في تلك المفاهيم المختلف عليها وذلك للتوفيق بين الدول وأطروحاتها المختلفة· ولذلك فإن الإعلان العالمي هو ميثاق سياسي بالأساس، وليس طرحاً فكرياً محضاً· والقول بأنه سياسي بالأساس، يعني أن كثيراً من الاختلافات الفكرية أزيحت جانباً لكي لا يتعطل التوقيع على الإعلان·

ولهذا فإن العهود والمواثيق الدولية التفصيلية تم اعدادها لاحقاً لتوضيح الحقوق وما يترتب عليها· العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية اعتمد وعرض للتوقيع والتصديق والانضمام بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر 1966، وبدأ تنفيذه في 23 مارس 1976 (بعد عشر سنوات)·

ويركز هذا العهد على الحقوق الفردية أساسا ويلقى دعماً كبيراً من الدول الغربية التي تؤمن بالحرية الفردية قبل كل شيء· كما أن العهد يحتوي على بروتوكول اختياري يسمح لإحدى لجان الأمم المتحدة لمتابعة الدول ومراقبة تنفيذها لبنود العهد· إضافة لذلك فقد تمت صياغة بروتوكول ثانٍ وعرض على الدول للتوقيع عليه لإلحاقه بالعهد الخاص بالحقوق المدنية وهو يهدف بالأساس لإلغاء عقوبة الإعدام·

العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية صدر في الفترة نفسها ودخل حيز التنفيذ في 3 يناير 1976 ويهتم بالحقوق الجماعية بالأساس، وهذا العهد كان يلقى دعماً من الدول الشرقية أكثر من الدول الغربية· ونظراً لاتساع النفوذ الأوروبي والأمريكي (الغربي) فإن العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أنشئت له آليات أكثر تطوراً لمتابعة تنفيذ البنود الخاص بالحقوق الفردية· غير أن مجموعة الدول الشرقية استطاعت الحصول على "إعلان حول حق التنمية" صدر بأكثرية الجمعية العامة في 1986 واعترف بحق التنمية في مؤتمر فيينا 1993 كحق أساسي· وفي العام 1997 صوتت الجمعية العامة على اعتبار هذا الحق مكملاً ومساوياً للحقوق المتضمنة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، ولذلك يعتبر جزءاً من مجموعة التشريعات المكونة "للقانون الدولي لحقوق الإنسان"·

القانون الدولي لحقوق الإنسان، إذن يضم الإعلان العالمي والعهدين الدوليين والبروتوكولات الملحقة، بالاضافة إلى الاتفاقات التفصيلية الأخرى التي أنشئت بسبب أهميتها· ومن هذه الاتفاقيات: اتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية حماية الطفل، واتفاقية منع التمييز ضد المرأة، واتفاقية منع التمييز العنصري·

السعي الحثيث لمنظمات حقوق الإنسان والناشطين الدوليين يتركز حالياً على دعوة جميع الدول الأعضاء للتوقيع على جميع هذه العهود والبروتوكولات والاتفاقيات· والتوقيع عادة ينقسم إلى قسمين: توقيع يلزم الدولة العضو على الالتزام بصورة ذاتية على هذه المواثيق· أما التوقيع الثاني فينص على سماح تلك الدولة العضو لإحدى لجان الأمم المتحدة لمتابعة ومراقبة ما تقوم به تلك الدولة بشأن تنفيذ البنود الموقع عليها· وعلى هذا الأساس فإن هناك دولاً توقع على العهد ولكن لا توقع على البروتوكول، أو توقع على اتفاقية منع التعذيب ولكنها لا توقع على المادة العشرين من تلك الاتفاقية، لأن تلك المادة تسمح لإحدى لجان الأمم المتحدة بمراقبة ما تقوم به تلك الدولة· وهناك دول تمتنع عن التوقيع على أي معاهدة أو على مادة من المواد بحجة معارضة ذلك البند لثقافة الدولة المعنية· وهذا ما يطرحه البعض حول الخصوصية والعالمية·

الخصوصية والعالمية

لا شك أن هناك خصوصية معينة في بعض الحالات، وهي أمور ممكن الاعتراف بها دون جدال· مثلاً، اتفاقية حقوق الطفل تتعارض مع الدين الإسلامي بشأن موضوع التبني (تبني الأطفال)· وفي هذا الأمر فإن الدول الإسلامية تتحفظ على إحدى المواد الواردة بهذا الشأن، وهو أمر ليس عليه غبار ولا يمثل إشكالية حقيقية·

غير أن الموضوع الأهم هو ادعاء بعض الدول بأن مواطنيها لهم حقوق "أقل" من الآخرين لأسباب ثقافية· فادعاء أي دولة بأن الحقوق المدنية (المساواة أمام القانون) والمشاركة في الحياة السياسية العامة (انتخابات برلمانية وغيرها) أمور تتعارض مع ثقافة هذا البلد أو ذاك، يعتبر أمراً مريباً للغاية· هناك أيضاً بعض الدول ممن يقول ممثلوها أن لديهم واجبات أخرى أهم من توفير الحقوق الفردية مثل حق الغذاء وحق التنمية البشرية· وهذا الادعاء باطل من الأساس لأن الحقوق الأساسية متداخلة وتدعم بعضها الآخر، ولا توجد دولة تطورت من خلال إلغاء أي من هذه الحقوق· بل على العكس فإن 20 في المئة من دول العالم هي الأكثر تطوراً اقتصادياً لأنها في الأساس تضمن جميع الحقوق لمواطنيها· وعلى العكس من ذلك الدول التي تحرم مواطنيها من الحقوق السياسية، فإنها تهدر اقتصادياتها في الجوانب الأمنية والعسكرية وتحرم مجتمعها من التنعم بالحقوق الفردية والجماعية· والغريب أن عدداً من الدول الإسلامية تتذرع بهذا الأمر رغم أن وزراء خارجية منظمة المؤتمر الإسلامي وقعوا على إعلان القاهرة عن حقوق الإنسان في الإسلام العام 1990 ودعموا الحقوق الأساسية الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من وجهة نظر إسلامية·

العالمية في حقوق الإنسان تؤمن بأن كل شيء يمس كرامة الإنسان فإنه شأن يخص جميع بني البشر ولا يمكن لدولة أن تتذرع تحت اسم "سيادة الدولة" بممارسة الانتهاكات ضد مواطنيها· وقد ضمن هذا المفهوم في اتفاقية هلسنكي لعام 1976 بين الدول الأوروبية، حيث نصت اتفاقية منظمة الأمن والتعاون الأوروبي بأن أي شأن يخص حقوق الإنسان فإنه يحق للدول الأخرى أن "تتدخل" بصورة قانونية· وتم اعطاء صلاحية للمحكمة الأوروبية بالنظر في القضايا التي يرفعها مواطنو الدول الأوروبية ضد حكوماتهم واعتبرت القرارات الصادرة من المحكمة نافذة على الدول المعنية· ولهذا فإن حركة حقوق الإنسان تدعم مشروع تكوين محكمة الجنايات الدولية·

محكمة الجنايات الدولية

لكل قانون ولكي يصبح حقيقة على الأرض لا بد من وجود محكمة عادلة ومستقلة· ولذا فإن القانون الدولي لحقوق الإنسان ينتظر إنشاء محكمة الجنايات الدولية· انعقد مؤتمر في روما في يوليو 1998 لدراسة تكوين محكمة دولية مستقلة وغير منحازة· وقدمت الطروحات بهذا الشأن وهناك الآن إرادة عامة ودولية لتكوين هذه المحكمة· والاختلاف هو حول شكلها ومدى صلاحياتها ومستلزماتها· وعند التطرق للجرائم المتعلقة بحقوق الإنسان اقترحت بعض الدول إدراج الاعتقال التعسفي، النفي والترحيل، الاختفاء، أخذ الرهائن، التمييز العنصري والديني والمذهبي، والتمييز ضد المرأة أو الرجل أو الأطفال، دون أسباب مقبولة (مثل اعتقال سجناء الرأي)، والتعذيب والإهانة وغيرها من الإجراءات التي يمارسها الكثير من الدول بصورة يومية ضد مواطنيها·

وهناك اختلاف حول متى يتم قبول مثل هذه الدعاوى· فهل أن أي شيء تقوم به أي دولة ضد أي مواطن يمكن النظر فيه، أم النظر في أمر ما يتطلب اثبات أن تلك الدولة تقوم بهذا الأمر بصورة منهجية مستمرة ومنظمة كنمط عام للتعامل مع المواطنين؟ الأمر الآخر هو ما هي علاقة مجلس الأمن الدولي مع هذه المحكمة؟ فالدول الأعضاء الدائمة في مجلس الأمن تريد السيطرة على هذه المحكمة لأن مثل هذه المحكمة قد تفتح الطريق لتحدي احتكار القرارات الدولية الخطيرة التي تتعارض مع مصالح الدول الخمس، لا سيما الولايات المتحدة· وهذا يفسر لماذا كانت الولايات المتحدة متحمسة جداً للمحكمة ولكنها تراجعت عن حماسها أخيراً·

وحتى منتصف يوليو 2001 فإن 139 دولة وقعت Signatory على معاهدة روما، ومن هذه الدول اعتمدت ratified 37 دولة فقط المعاهدة بصورة كاملة· وحسب الإجراءات الدولية، فإن معاهدة روما بحاجة لستين دولة توقعها وتعتمدها بصورة كاملة قبل أن تصبح قانوناً دولياً· وعندما يصل عدد الدول إلى هذا الرقم سيفتح المجال لظهور "المواطن العالمي"، ذلك الشخص الذي له حقوق معترف بها عالمياً، ويمكن حمايتها على المستوى الدولي من خلال محكمة دولية دون أن يعتبر ذلك تدخلاً في شؤون الدول الأخرى· ورغم ان الفترة الزمنية للوصول إلى هذا الوضع قد يطول عشرات السنين، إلا أن الحديث بدأ حول ضرورة إشراك الناس في العمل الدولي دون اشتراط مرور الأشخاص من خلال حكومات دولهم· وهذا هو المجال الذي تلعبه المنظمات غير الحكومية على المستوى الدولي·

 

فهم النص والارتباط بالواقع شرطان أساسيان للتجديد الإسلامي

المناقشات الدائرة في الأوساط الثقافية في عالمنا الإسلامي تتمحور حول مدى فهم واستيعاب النخبة لتراث الأمة ودينها المتغلغل في الوجدان من ناحية، وفهم الواقع المعاصر من ناحية أخرى· وهذا يعني أن النخبة الناشطة في المجتمعات الإسلامية مطالبة بتحديد علاقتها بدين الأمة وتراثها وعلاقتها بالعصر والواقع الذي تعيشه الأمة· بمعنى أن الحديث عن الأصالة والحداثة مازالا يراوحان في مكانهما لأن كثيراً من النخب المتعصرنة حاولت فصل الأمة عن دينها معتقدة بأن الحل يكمن في هذا المنحى الأوروبي المنشأ· وارتبط هذا المنحى التغريبي بالفترة الاستعمارية التي حولت البلاد الإسلامية لمناطق نفوذ مستهدفة من ذات الدول التي تتحدث عن مبادئ العصرنة والتنمية والديمقراطية· ولا شك أن مثل هذا التداخل عطل عملية النقد الذاتي التي تحتاجها كل أمة قبل أن تصعد مرة أخرى وترتقي إلى مستويات متقدمة· وأصبح النقد الذي لا مفر منه مدخلاً لمشاكل وتعقيدات أجبرت الكثير من المخلصين للانزواء عن عملية الإصلاح الحضاري·

في مواجهة تلك الحالة، هناك من النخب من ارتبط بالتراث والدين والنص وفهمه جيداً ولكن دون أن يربطه بالواقع المعاش، مما حول الفهم الديني إلى أثقال وأسفار يحملها دون الاستفادة منها· وهكذا نرى أن عدداً من التجارب في بلداننا والتي تصدرها إسلاميون تحتوي على خلل أكبر من الخلل الذي تحتويه تجارب تصدرها أناس بعيدون عن دينهم· فالوضع الطالباني في أفغانستان ليس حالة منفردة، وإنما يمثل ظاهرة تعشعش وتفرخ التخلف والرجعية باسم الدين الإسلامي·

ويتقاطع الحديث حول الأصالة والتحديث مع مفاهيم أساسية لا يمكن لأي مجتمع النهوض من دونها· ومن تلك المواضيع الشائكة، مواضيع الديمقراطية والتعددية وحقوق المرأة والحرية الفكرية· فكثير ممن يتحدث باسم الدين يعادي هذه المفاهيم ويلجأ إلى نقيضها، إلى الدكتاتورية وقمع حرية التعبير والأحادية في الفهم دون أن يدلل هؤلاء على صحة وأصالة ما يطرحونه·

فقد غفل هؤلاء بأن هذه المفاهيم لم تكن أبداً غريبة عن مجتمعاتنا الإسلامية بل إن فقهاء وفلاسفة الإسلام كانوا يسمحون لأنفسهم بالاختلاف في أهم ركن من أركان الدين، ألا وهو موضوع التوحيد· ولذلك فقد كان لدينا "أشاعرة" ومعتزلة متصوفة وإمامية وغيرهم، وجميع هؤلاء تحاوروا واختلفوا دون أن يكفّر بعضهم الآخر· والتكفير ومعاقبة الناس على آرائهم إنما فرضه بعض الحكام في تاريخنا  الإسلامي لحاجة في أنفسهم وليس لإيمانهم بهذا المبدأ أو ذاك· لقد تتلمذ علماء المسلمين على أيدي بعضهم البعض رغم أنهم خرجوا بنظريات تختلف مع بعضها الآخر·

وإذا كان المسلمون في صدر الإسلام سمحوا بالتعددية في أهم ركن من أركان الدين، فكيف يسمح البعض لنفسه أن يحرم المسلمين من التعددية في الفهم السياسي والاجتماعي وطرق معالجة الأمور لتنمية قدرات الأمة؟ إننا لا ندعو للعبثية أبداً، ولا نقول بأن كل فرد يحق له أن يقول ما يشاء دون دليل ودون منهجية· لا نقول ذلك ولم يقله المصلحون الذين رفعوا راية التجديد في العصر الحديث· ولكننا نعتقد أن مفاهيم الحرية الفكرية والتعددية والإرادة الحرة لمجتمعاتنا الإسلامية هي التي حفظت لنا الدين (بإذن من الله تعالى) وهذه المفاهيم هي التي مكنت بلاد المسلمين من تصدر الحضارة الإنسانية لقرون عدة قبل أفولها· وليس خافياً أن أفول الحضارة الإسلامية ارتبط بصعود الاستبداد وسيطرة "المتمصلحين" من الأوضاع الفاسدة وتمكين جهال الأمة باسم الدين· فهؤلاء الجهال هم، مثلا، الذين أصدروا فتوى في مطلع القرن السادس عشر حرّموا المطابع الحديثة لطبع الكتب وقالوا بأن استخدامها يُدخل المرء النار· وبقيت فتوى التحريم مستمرة قرابة قرنين ونصف القرن، ولم يسمح للمطابع بدخول البلاد الإسلامية إلا في القرن الثامن عشر، وكان الأوان قد فات والنهضة العلمية قد تأسست في البلدان الأخرى، بينما انغرس الجهل والتجهيل في بلداننا الاسلامية باسم الدين·

الذين حرّموا المطابع باسم الدين موجودين الآن في أوساطنا ويحرّمون (باسم الدين) على المرأة المشاركة في الحياة العامة، ويحرّمون الديمقراطية والتعددية، وكل ذلك باسم الإسلام· وإذا سمح لهم بالاستمرار في احتكار اسم الدين بهذه الطريقة فإننا قد نرى أنفسنا نتحدث عن بديهيات لقرون عدة، بينما الآخرون يسبقوننا في كل شيء، تماماً كما حصل للمطابع وتحريمها·

يقول المفكر الإسلامي الإندونيسي نورشليش مجيد "إن المفاهيم الحيوية يتم تعطيلها رغم وضوح مصادر الإسلام وأهمها القرآن الذي حفظه الله من التحريف· لقد حفظ الله القرآن من التحريف، ولكن فهم المسلمين لما هو وارد في كتاب الله لا بد له أن يتطور ليتضمن تجارب الإنسانية ويشارك في تطوير تلك التجارب في الاتجاه الذي يدعو إليه القرآن· وهذا يتطلب عدم تعطيل المفاهيم الحيوية وعرقلة تطبيقها في مجتمعاتنا"· نعم إننا نؤمن بضرورة التنوير والدخول إلى العصر مع الاحتفاظ بالأصالة الإسلامية· أما التقوقع في الماضي والانزواء عن تجارب الأمم ومحاربة المفاهيم الحيوية فإنه لن يخدم الإسلام أو المسلمين·

 

ازدياد المنظمات غير الحكومية إحدى ظواهر المجتمع المدني الحديث

يكثر الحديث عن أهمية الأدوار التي تلعبها المنظمات غير الحكومية في عالمنا اليوم، على المستويين الوطني والدولي، فالمنظمات غير الحكومية (Non- Governmental Organization) أو NGO بدأت تظهر بصورة أكثر تأثيراً على المسرح الدولي· وقد اضطرت منظمة الأمم المتحدة (وهي منظمة بين الحكومات) السماح للمنظمات غير الحكومية في المشاركة في النقاشات والمداولات والمؤتمرات التابعة للمجلس الاقتصادي الاجتماعي للأمم المتحدة· وقد ظهرت قوة هذه المنظمات غير الحكومية في العام 1993 عندما وازت نشاطاتها أنشطة الحكومات قبل وأثناء انعقاد المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في فيينا· وعندما شكلت الحكومات مجموعات لدولها لمطارحة الأفكار ولم تسمح للمنظمات غير الحكومية بالحضور في تلك الاجتماعات التحضيرية، قامت المنظمات غير الحكومية بتشكيل مجموعات من نفس المناطق لتناقش وتطرح الأفكار للمؤتمر العالمي من وجهة نظر غير حكومية· وهناك اتجاه دولي يرى ضرورة استيعاب أنشطة هذه المنظمات وإلا انفتح الطريق لكيان دولي آخر، ولكن غير حكومي·

قد يكون من أبرز سمات هذه المنظمات أنها تهتم بقضايا محددة ذات أثر كبير بالنسبة لعامة الناس· فاهتمامها الأول ليس أمن الأنظمة وإنما أمن الناس وتأمين احتياجاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها· وهذه المنظمات طوعية في الأساس وتعتمد على بحر هائل من الطاقات المتوفرة لدى الناس في شتى أنحاء العالم· بالاضافة إلى ذلك، فإن هذه المنظمات عادة تكون عابرة للحدود السياسية Trans-national أي انها تجمع أناساً من مختلف البلدان يتفقون على نفس المبادئ والأهداف· فموضوع البيئة أو حقوق الإنسان وغيرها من المواضيع شأن لا يخص حدوداً معينة، وبالتالي فإن المنظمات غير الحكومية تختلف عن المنظمات الحكومية في قواعدها وفي اهتماماتها·

على المستوى الوطني تعتبر المنظمات غير الحكومية ومقدار انتشارها وحريتها الدليل الأكبر للحرية السياسية المتوفرة في تلك البلدان· فالمجتمع المدني هو الأساس والعمود الفقري للأنظمة المتطورة والقائمة على أسس إنسانية· ويعرف المجتمع المدني بأنه ذلك المجتمع الذي يسمح بالتشكيلات الذاتية والطوعية والمستقلة عن الحكومة التي تهتم وترعى شؤوناً اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية· وهذه التشكيلات هي المنظمات غير الحكومية الناشطة في مجتمعاتها·

وحقيقة الأمر هي أن هذه المنظمات والتشكيلات غير الحكومية تنشأ باستمرار في أي مجتمع· والفرق أن حكومة ما تجهز جميع طاقاتها باستمرار لقهر واختراق وتحطيم تلك التشكيلات غير الحكومية· وهذه الحالة هي الحاصلة في البلدان التي تحرم شعوبها من حرية العمل السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي· ففي بلادنا العربية، مثلاً، ترى أن التشكيل الاجتماعي، الرياضي، وحتى الخيري تسعى حكومتنا للسيطرة عليه من ألفه إلى يائه· وعندما تلجأ جماهير أمتنا لبعض الأمكنة المحصنة دينياً، كالمساجد، فإن الدولة من جانب، والجماهير من جانب آخر يبدأون بالتراشق في بيوت الله· والحقيقة أن مجتمعاتنا لجأت إلى المساجد والأماكن المقدسة لأنها المكان الوحيد الذي عجزت حكوماتنا البطلة في اختراقه بصورة كاملة· ووجدت الأمة أن حصنها المنيع دينها الذي يعتمد في جميع الأنشطة مبدأ القربة إلى الله· بمعنى أن من يقوم بعمل ما لا يقوم به استرضاء لحكومة وإنما لإرضاء ضميره الذي استمع إلى هدي من ربه· ولو سمحت حكوماتنا بالعمل المدني الحر، لأنهت أكثر المشاكل، ذلك لأن قطاعات الأمة لن تحتاج لأن تتحدى السلطة كما هو الحال في كثير من البلدان اليوم· ولن تحتاج السلطة أن توظف امكانات الدولة لاختراق التشكيلات المدنية العلنية الطوعية إذا كانت قد استطاعت أن تخلق الثقة بينها وبين مواطنيها·

إن مبدأ الدولة قائم على الاجماع الوطني المتوافر لدى أغلبية الأمة· وهذه الدولة تستطيع أن تمارس دورها في إنماء المجتمع لأن الأمة تقف إلى جانبها في الشدة والرخاء، والحكومة نابعة منها وإليها· والاختلاف الطبيعي (والمستمر دائماً) يتم حله بالوسائل السلمية وعبر السماح للمنظمات والتشكيلات غير الحكومية، التي تسمى مجموعات ضغط، بممارسة دورها ضمن الاطار المتفق عليه وداخل حدود حكم القانون·

والحقيقة أن أي فئة حاكمة تحاول أن تصادر دور شعوبها فيما لو سمح لها أن تفعل ذلك· ففي بريطانيا مثلاً، ثار جدل كبير حول منظمات ظهرت أثناء حكم السيدة مارغريت تاتشر· هذه المنظمات قالت السيدة تاتشر إنها غير حكومية وتمارس دورها الهام المطلوب منها· وقد احتاجت تاتشر لتلك المنظمات لتسيير تلك الادارات التي تخلت عنها الحكومة أثناء مشروع الخصخصة وتقليل نفقات الحكومة· ولكن المجتمع البريطاني لم ينظر لتلك المنظمات انها غير حكومية وأطلق عليها اسم Quango وهي اختصار لـ Quasi-Autonomous Non-Governmental Organization بمعنى "المنظمات غير الحكومية ظاهرياً"· وأصبحت هذه المنظمات أحد الأنواع التي تراقبها الصحافة، وتراقب كيف تعمل وماذا تعمل· وبهذا لا خطر من تواجد منظمات حكومية أو غير حكومية ظاهرياً، مادام هناك تواجد لمنظمات غير حكومية ولصحافة حرة مستقلة·

وهناك نوع آخر من المنظمات غير الحكومية يطلق عليها باللغة الانكليزية Gongo وهذه الحروف اختصار لـ Government- Organized Non- Governmental Organization· هذا النوع من المنظمات عبارة عن مؤسسات تشكلها الحكومات لاستخدامها كوسيلة خادعة لمحاربة تكوين منظمات غير حكومية حقيقية· هذه المنظمات الوهمية أخطر من المؤسسات الحكومية العلنية لانها تسعى لمصادرة الاسم والمضمون الذي ينبغي أن تشمله مؤسسات المجتمع المدني·

طباعة