رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6-12جمادي الأخرة 1422هـ الموافق 25-31 اغسطس 2001
العدد 1491

رحلة لم تكتمل
صنعاء·· الغول والعنقاء والخل الوفي!

 

بقلم: صلاح دبشة

الواحدة ظهراً بتوقيت الإمارات، كنا على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية، التي تستعد للاقلاع من مطار دبي الدولي إلى صنعاء· الرحلة تستغرق كما علمنا ثلاث ساعات تقريباً، سألني أحد الاخوة اليمنيين: من الكويت؟ قلت: نعم، قال: أهلاً وسهلاً بكم· كانت المضيفة توزع ابتسامات أرجوانية على الركاب، وتتحدث بلهجة يمنية، وجهها الوضاء يحمل نكهة بغدادية خاصة، ما جعلني أسأل صاحبي: ماذا تظن؟ فقال متفاجئاً: نعم؟! ماذا قلت؟ فأدركت على الفور انه كان سارحاً·

(1)

مدينة دبي، تقدم لك نموذجاً جيداً للعولمة البشرية، حيث ترى الناس بمختلف ألوانهم وأشكالهم يتوافدون اليها، عادات وقيم وخبرات إنسانية متنوعة وعديدة تمشي على قدمين، ألبسة براقة وخافتة، تتغاير من الغطاء الكامل باللون الاسود إلى القطع الصغيرة التي تغطي أجزاء من الجسد، افكار غير متشابهة، وميول ليست موحدة، كلها تجتمع في مكان واحد، العالم كله في مدينة دبي، فهي مفتوحة إلى أوسع مدى، اللغة الانكليزية وسيلة التفاهم المثلى فيها· قلما تجد اماراتياً، بل قل قلما تجد فئة من البشر ظاهرة بشكل واضح، وطاغية الحضور، الكل غريب في دبي، وكل فرد يعي بأن غيره غريب، وهذا يجعلك تدرك الغربة من الناحية الذهنية، أما في وجدانك فتبدو الغربة مخففة وفي طريقها إلى الاضمحلال، لأنك استوحيت ان المكان لا يخص غيرك بالقوة، وانك لست ضيفاً ثقيل الوطأة، فالمكان يريد الجميع، ويستقبلهم بحفاوة، اضف إلى ذلك اشتراك الكل معك في الغربة، فلا تشعر بأنها سوف تعزلك لوحدك، وتصبح دلالة عليك، فالشراكة في الغربة هي نوع من انواع التلطيف التي يقدمها المكان في دبي·

(2)

كان هبوط الطائرة اليمنية المتجهة إلى صنعاء مفاجأة لنا، حيث نزلت في حضرموت في مطار يسمى (سيئون) يقع عند جبال على مبعدة منه· ولم يكن الهبوط بشكل تدريجي بطيء، إنما كانت هناك نزلة شبه حادة مالت فيها الطائرة بمهارة بقيادة (عامر أنيس) وعبر عن هذا الهبوط بعد أن نزلنا على الأرض أحد الركاب بقوله: لِمَ العجلة؟

نزل في هذا المطار بعض الركاب اليمنيين، وصعد إلى الطائرة ركاب آخرون، بينهم بعض السياح الأجانب، وانتظرنا ما يقارب خمسين دقيقة، ثم اقلعت الطائرة إلى صنعاء·

بدأت ملامح العولمة التي رسمتها دبي في أذهاننا تتساقط واحدة بعد أخرى، وصارت الصورة تأخذ خطوطا وألواناً محددة، تستمد ابداعها من الهوية الواضحة والخاصة بالشعب اليمني وأرضه وتاريخه، سألني مواطن يمني: هل الاخوة من الكويت؟ قلت: نعم، فلمحت في وجهه استغراباً عابراً ومودة، فقال: والله كلنا في اليمن نحبكم· قلت:؟ ونحن كذلك· فقال: حياكم الله، كلنا عرب وأنتم بين أهلكم وما في فرق بيننا·

(3)

في فندق شيراتون صنعاء قال لي أحدهم إن الكويت ساهمت في انشائه، وقال آخر بل أنشأته!، كان كل شيء مرتبا لنا قبل وصولنا، وتم استقبالنا بسرور بالغ ارتسم على وجوه من حولنا، نظرت في بهو الفندق فرأيت بضعة محلات تزينت بواجهات جميلة تعرض من خلالها بعض السلع بتنسيق جيد، كانت تحمل دلائل غير عميقة عن الهوية اليمنية·

ذهبنا إلى غرفنا لنأخذ قسطاً من الراحة، نستعد بعده لحضور حفل افتتاح الاسبوع الثقافي الكويتي، كان  هناك عدد من الاتصالات للابلاغ عن موعد التجمع في بهو الفندق الذي كان في تمام الساعة السادسة والنصف مساء·

كان الموكب الرسمي في انتظارنا خارج الفندق، وهو مجموعة سيارات معظمها من نوع (كامري) كتب على لوحاتها كلمة (ضيافة)·

انطلق الموكب إلى المركز الثقافي في صنعاء، كانت حركة المرور تتوقف من أجل مرورنا، والناس في الشوارع ينظرون لنا بدهشة واجلال، كنا نشعر بأننا ضيوف من الطراز الأول، حيث تجلت الضيافة اليمنية بصورها المختلفة، وكان التعامل الرسمي يكلله نوع من الود والرومانسية·

كنت أقلب بصري في الناس والبنايات والشوارع، وفي الليل لا يتسنى لك وضوح ابعاد الصورة التي تلتقطها، لكن هناك صورة رسخت نفسها في مخيلتك تمثلت في اللباس اليمني، العمامة والدشداشة والجاكيت والجنبية (الخنجر)، أما النساء فقد كن يلبسن النقاب، وقلما تجد امرأة بلا نقاب، أي كاشفة الوجه واليدين فقط·

(4)

كان جو الفندق والبرنامج الرسمي يقيدنا ويحد من انطلاقنا، ويحصرنا في وسط رخامي، لا نستطيع من خلاله النفاذ إلى ملامسة طبيعة الأرض وخصوصية الشعب اليمني، فقررنا التجول بحرية في اليوم الأخير قبل العودة إلى الكويت (لم تكن الفترة التي قضيناها في صنعاء كافية لمزيد من التعمق)، كنا  نسميه انفلاتاً من الطوق، رغم انه كان طوقاً مرناً وجميلاً·

فقد استمتعنا بحق في حفل الافتتاح الذي حضره وزير الثقافة اليمني عبدالوهاب الروحاني وعدد من الشخصيات السياسية والسفراء، وكان الحضور حاشداً ملأ صالة العرض التي قدمت فيها الفرقة الوطنية الكويتية للموسيقى مجموعة من الأغاني الجميلة بالاضافة إلى تقاسيم على آلات العود والكمان والقانون، وقد أدى الاغنيات التي اخذت طابعاً كويتياً وآخر يمنياً كل من: نسيم المعيلي وفيصل الشومر وعصام زمانان بشكل ممتع ولافت للنظر، وكانت خاتمة الأغنيات (الأرض بتتكلم عربي) من كلمات عبدالرحمن الأبنودي والحان سيد مكاوي·

(5)

في صباح اليوم الأخير قبل مغادرتنا (الاثنين 2001/8/6) كان موعدنا مع السائق الخاص (حمود الهمداني) الذي توثقت علاقتنا به في هذا اليوم بشكل سريع وتلقائي دون حواجز نفسية، وقلنا له: نريد أن نعرف شيئاً عن اليمن في هذه الفترة الضيقة· وكان متحمساً لذلك· في البداية طلبنا منه الذهاب إلى سوق القات للتعرف على أشكال البيع والشراء، وكنا نطرح عليه بعض الأسئلة عن القات، كان يرى أنه ليس مخدراً، وإنما يهدئ أعصابك ويجعلك تسرح في عوالم جميلة من الخيال، ويعطيك شيئا من الراحة، ويساعدك على الهروب من الملل وامتصاص بعض هموم الحياة، ويزيد في النشاط والحيوية، ويجعلك تتجنب النوم في الظهيرة ويسهرك إلى وقت متأخر من الليل، فسألناه: أليست له آثار ضارة علي متعاطيه؟ فأجاب بعفوية: لا· لا· ليس كثيراً، انه يشغل الفرد أحياناً، فبادرناه بالسؤال: أليس غولاً ينذر بأضرار اقتصادية واجتماعية وصحية ونفسية؟! فقال: لا· لا· إنه يجعلك تتجنب الكحوليات ووسائل الإدمان الأخرى، ويساعد على التركيز في أداء الأعمال، ويخفف القلق·

في سوق القات كانت عملية البيع والشراء رائجة، وكان الفرد يشتري أغصان القات الرطبة ملفوفة بكيس كبير، ولا يستخدم منها سوى أقل من ربعها، تلك الصغيرة الأوراق المائلة إلى الاحمرار، وكنا نشاهد أعداداً لا بأس بها في السوق، وفي الشارع والمحلات التجارية تتناول القات، حيث يبدو الخد منتفخاً نوعاً ما من تخزين القات في الفم بعد علكه بعناية، والكثير منهم يفضل شرب الماء أثناء ذلك، وبعضهم يدخن السيجارة·

(6)

في الشارع كانت حركة المرور سريعة، والسيارات تخطف الطريق من بعضها، وفي التقاطعات يقف شرطي في المنتصف لينظم المرور بالإشارة بيديه، كانت سيارات الميني باص كثيرة لنقل الركاب، ولم تكن الشوارع في صنعاء واسعة جدا·

يبدو أنه لا وجود لبنايات شاهقة، وأغلبها كان مبنياً على الطراز التراثي، وتظهر بشكل متفرق بنايات أثرية من عهود قديمة، كانت الطبيعة هي الشاهقة بشكل جميل يمتع النظر، حيث ترتفع الجبال، ورأينا في الطريق مدينة مبنية على جبل، تسمى مدينة (الليل) لأن العسكريين شيدوها في الليل في أقل من شهرين كما يقول حمود الهمداني·

رأينا جامعة صنعاء وأشار الهمداني إلى المكان الذي ارتكب فيه السفاح السوداني جرائمه، وفي طريق طويل من الجبال صعوداً وهبوطاً شاهدنا وادي (بهر) بمنظره الخلاب من أعلى، وكان الطقس في صنعاء مدهشا، حيث ينعشك بنسمات باردة خفيفة، ويتخلل ذلك من وقت إلى وقت بعض الأمطار النزرة، وأثناء ذلك توقفنا قليلاً لالتقاط بعض الصور، واتجهت أبصارنا إلى صخرة كبيرة في قمة جبل، كان حمود الهمداني يقول ان تحتها كنزاً كبيراً يحرسه (حنش) أفعى كبيرة، وللآن لم يستخرجه أحد، وقد حاول أحدهم الصعود اليها، فسقط ومات·

كان الهمداني يصعد الجبل وينزل بـ (الكامري) بسرعة أعلى من المعدل المطلوب حسب وجهة نظرنا، وكنا  نتوقع في كل مرة، السقوط، وخصوصاً عند الانحناءات الحادة، بينما ينتابه الضحك على هذه الحالة، ويطمئننا لخبرته الطويلة·

(7)

غضب الهمداني جداً، لأن زوجته لم تكن موجودة، فقد ذهبت مع أحد أبنائها، كان يريد أن نتناول الغداء عنده، ولم يحصل له ما يريد، وكنا على عجل لرؤية أماكن أخرى، التقطنا بعض الصور معه ولبسنا اللباس اليمني المعروف، وأخذنا نتجول في المنطقة مشياً على الاقدام، كانت الجبال تنتشر على مسافات، وكانت الأرض التي سرنا عليها  مليئة بالصخور البركانية، وقد أدهشتنا المناظر، كأننا نشاهد لوحات تشكيلية، وخصوصاً منظر جبل (نقم) الذي كنا على مقربة منه·

مررنا ببركة ماء، وشاهدنا بعض الطيور، ومزارع القات، وجاءنا أحد أبنائه مسرعاً ليخبره بأن (حمدي) ابنه الآخر وجد كنزاً قرب أحد الجبال، فقال له: دعه يحمل ما  وجده ويأتي به إلى البيت، كان الهمداني مشغولاً بنا أكثر من انشغاله بالكنز، وأشار إلى وجود بعض الغزلان والأسود في هذه المنطقة، اضافة إلى حيوانات أخرى مختلفة· وقد بهرتنا طريقة أبنائه في السلام عليه، حيث ينزلون عند قدميه·

(8)

تناولنا الغداء في مطعم (الشيباني) وكان مكوناً من أكلات يمنية مختلفة: صيدة، معقودة، حنيثة· ثم مررنا بشارع يسمى (الكويت)، ويقول الهمداني إن الكويت لها فضل كبير، فقد ساهمت في بناء الكثير من المرافق· نزلنا عند باب اليمن الذي تنتشر في داخله ومن حوله الاسواق الشعبية، وعلى الباب الكبير اثر لقذيفة، يقول الهمداني انها كانت أيام حرب الملكيين والجمهوريين·

ورغم عدم وجود متسع من الوقت، للتعرف على خصائص الشعب اليمني، إلا أن هذا اليوم كان حافلاً وممتعاً، تخللته بعض التفاصيل الصغيرة، التي تستحق أن يكتب عنها قصائد شعرية·

 

طباعة  

اضاءات
 
شعر
 
قراءة
 
ذاكرة معلقة على باب اليمن
 
أخبار ثقافية
 
المرصد الثقافي