رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 6-12جمادي الأخرة 1422هـ الموافق 25-31 اغسطس 2001
العدد 1491

ذاكرة معلقة على باب اليمن

بقلم: علي حسين الفيلكاوي

القذيفة التي اخترقت وجه باب اليمن وخلّفت به هوة دائرية كانت تسحبنا معها في رحلة عبر نفق الزمن نحو شوارع "صنعاء"، في أعماق أوديتها وعلى أرفف وأبواب دكاكينها المتراصة المنقوشة بممرات ضيقة وأرضية مرصوفة باتقان، تصطدم فوقها الأكتف بالأكتف وتتلامس الأيدي وتتفاجأ الأعين بالنظرات من كل جانب، جاذبة شرودها الذهني معها عبر زوايا المدينة الضيقة والمعتقة في أقبية تاريخ الإنسان اليمني، كان الوقت يجرنا في يومنا الأخير منذ طلعة النهار حتى إشراقته مرة أخرى منحدرين في أعماق "صنعاء" بالقرب من حقيقتها العائمة في الذهول في الاتجاه نحو الداخل· وبأقصى ما يمكننا انطلقنا هاربين من الوقت، أعيننا تشرب الكلام وتأكل الشوارع والجدران وتمتد شبكة ذاكرتنا على أقصى انحائها لتتصيد الأمكنة، القصص الصغيرة، اللقطات الخفية لمشاعر الناس النابضة العائدة كموجة قصية من أفق الغياب إلى واقع الحضور·· لم نكد نسأل صديقنا "حمود الهمداني" عن مدى حب اليمنيين للكويت حتى انتفض بكل اعتزاز وكأننا وجهنا سؤالاً مهيناً له ووقف مثل باب اليمن مشيراً بأصبعه دون اتجاه محدد: اسألوا أي شخص ترونه في هذا الزحام عن الكويت وستسمعون الإجابة بأنفسكم·

بائع التمور عند ناصية سوق باب اليمن سألنا:

" من أين أنتم؟

- من الكويت·

ابتسم حتى كادت ابتسامته أن تحتضننا· وأخذ يذكرنا بعطاءات الكويت وحبها لليمنيين·

قبل أن يخفت النهار كنا نجلس في إحدى قرى "قبيلة همدان"، النوافذ، جدار الجلسة العربية، رائحة الفضاء تتلاعب بالستائر الحمراء المتقصفة وتصافحنا، الهواء يجلس ما بيننا، الهواء الذي لا يشبهه أحد كان عارياً وغائباً وناعماً، لامسنا بصمت ودعه وفي عجلة وحميمية قرأ ملامح وجوهنا، بعد أن تعارفنا أطلقنا بنشوة من أنفسنا، نكاد نطير معه·· نحط·· في "سيئون" و"صنعاء" اللحظات متداخلة تتولد كنقط ضوئية بعيدة· يتشكل الإطار، يتضح، وزير الثقافة اليمني ود· "محمد الرميحي" يرسمان بشجاعة ووعي افتتاح علاقة لم تنته، إنهما يرسمان بدقة الطريق لإعادة العربة إلى مسارها، الفرقة الوطنية للموسيقى تعزف خلف الإطار، أشجار صنعاء تتراقص ووادي "بهر" يردد بعض المقاطع، كانت الأمواج اليمنية في هذه اللحظة تحمل السفن الكويتية بتراثها وامتداد تاريخها عبر ربانين الأول د· "يعقوب الحجي" والآخر "شهاب الشهاب"، تستقبلهما الشواطئ السعيدة وعلى جوانب الطرق علقت اللوحات التشكيلية والصور الفوتوغرافية·· الحشود تدخل وتخرج، التصفيق وحده يستمر، وستار لمسرحية "طار برزقه" يعبر المشهد و"صلاح دبشة" يستعيده مرة أخرى··

- تفضل "كوب شاي"

" شكراً··

ودعنا مضيفنا "الهمداني" تحت سحب طلقات الكلاشينكوف، لنتحدر معاً إلى مقر إقامتنا، الجبال تهبط معنا، الوديان، الشوارع، همهمات الزجاج، وراءنا انطلاقة لانبثاق "سيف بن ذي يزن" وحولنا عرش "بلقيس" الذي طار أمامنا، سد مأرب مطرزاً بحلم "حمود الهمداني" الدائم بالعثور على كنز "حميري" منسياً في ذاكرة التاريخ، كانت صنعاء تلاحقني إلى باب الطائرة وكنت أحاول أن أحضنها وأودعها، كنت أسير وحيداً أو أطير وحيداً مثل خيال مسن يمني منزوٍ تحت مظلة خشبية أغمض عينيه على حزمة قات·

طباعة  

اضاءات
 
شعر
 
قراءة
 
رحلة لم تكتمل
صنعاء·· الغول والعنقاء والخل الوفي!

 
أخبار ثقافية
 
المرصد الثقافي