هي وعاداتها··· التحصن بالذات
بقلم: رامز رمضان النويصري/ليبياü
يقول الأستاذ محمد المغبوب: "عندما نكتب إنما ننطلق من ذواتنا، وعندما تعجبنا الحالة فإننا نتلبسها"·
هنا يقفز السؤال الدائم، أين يتقاطع النص والذات؟، هل الذات هي النص، أم النص هو الذات؟، وأقول إن لا بد أنه يتقاطع النص والذات، حتى وإن خرج في أحيان كثيرة عنها، فإنه لا بد يعود من ذات الطريق، ولو بشكل آخر مغاير·
وهنا في هذه الأسطر نقتنص ذاتا ألبستها الشاعرة ثوب هي، الشاعرة هي / حواء القمودي، صوت شعري متميز، ومتميز بتجربته الخاصة التي مكنتها من التميز رغم أن المشهد الشعري الليبي لا يقدم الكثير من الشاعرات، أو من ذات الجيل (لو صحت التسمية، والتي اتخذها اصطلاحا)، إن لم يتعدين الخمس شاعرات·
تتكئ الشاعرة على رصيد من المشاهدات الكثيرة، خصوصا التي عاشتها صغيرة وما زالت تقتفي أثرها في البقايا، فالبيئة التي فتحت فيها عينيها مكان تكثر فيه المزارع والنخيل والتراب الأحمر، إنها منطقة (سوق الجمعة)(1)، وفي مثل هكذا منطقة كان على الشاعرة أن تكون معبأة بالمشاهدات من الشمس المستفيقة الصافية، والأرض المعطاء، تنطلق في هذه المرابع تتبعها جدائلها، تستقبل الوجوه الكثيرة، فهو الطريق الوحيد الى المدرسة، والذي يفصح عن تخمته في الشتاء، ولو عددنا هذه المشاهدات لما اكتفينا، فكيف بالشاعرة التي، رأت زحف المدنية على هذه البكر، تقول: (لم تعد هناك طوابي الهندي، يشرق من خلفها عباد الشمس)(2)·· راح الاسمنت والإسفلت يغزو هذه المناطق صابغا إياها بالبرود والصمت·
على هذه ومن هذه الخلفية·· يمكننا الدخول لنص الشاعرة حواء القمودي، (هي وعاداتها)(3)، من البداية تحاول الشاعرة أن تخرج عن نفسها لتراقب المشهد، فتستخدم الضمير (هي)، للدلالة بالحديث عن أخرى، وسواء كانت هي هي، أم هي ليست هي، المهم أن النص يقدم من خلال الحديث عن (هي) والأخذ بالإخبار عن (عاداتها) في عودة الضمير (ها) على هي·· لتقدم لنا الشاعرة، البعدين، كون:
- هي·· الممثلة بالضمير، البعد الداخلي للشخصية، الذي تعيشه وتحسه هي فقط· أو النفسي·
- عاداتها·· الممثلة بالضمير ها، البعد الخارجي للشخصية، المتقاطع مع الآخرين، أو الظاهري·
وهي تقدم النص في ثلاثة مقاطع، كل مقطع من وحدتين هما (هي، وعاداتها)، لكنها لا تفلت من ذاتها، فتهرب إليها في كل ختام·
في المقطع الأول· ثمة (هي) واحدة، وأن قدمت مرتين، فلقد أرادت الشاعرة الفصل بين الإعداد والتقديم·· إنها تعد نفسها لمحبوبها، لذا فهي تحمله مرة واحدة في عينيها (لاحظ معي دلالة القارورة ورغبة الاحتفاظ)، إذ أنها ستحكي كل الذي لا يباح (ولنلاحظ أيضا العلاقة بين البحر ورحابته وعلاقته بإمكانية حمله لكل شيء حتى الذي لا يباح)، ثم تقدم نفسها فتسبح فيه ولا تبالي أن تتقدم، فيأخذ في مسام جسدها رحلته، قارئ كل الذي يباح (حالة التوحد هنا تتعدى مجرد التماس بقدر ما تعوّل الشاعرة على أن يكون التوحد حالة اكتشاف، لذا فهي استخدمت (س) سوف والذي سوف يكون نتيجة الكشف عند التوحد بالبحر)، والشاعرة في هذا المقطع تقدم لنا معادلتها الأولى (الحاجة = حبيب بحجم البحر)، إنها تسقط البحر حالة على حبيبها، من باب التمني··· لذا فإنها في (عاداتها) تكشف عن الحاجة بإرجاعها كل التاريخ من العادات بالضمير (ها)، لتؤكد أنها تحتاج، أو تحتاجه بكل هذا التاريخ، وبكل من كانوا سيأتون (تضم الصغار الى قلبها/ وتزرع في الليل دمعة، حين لا ترى دفء الفصول في فراشها)·
المقطع الثاني·· في هذا المقطع تتغير المعادلة، ناحية رضا الغاية (الرضا = بلوغ الغاية)، وبأي الطرق كان، نرى أن البحر توسد ركبتها ونام، السؤال كيف؟، لقد تأكد أن قلبها أكبر من أن يحتويه، فهو لا يحفل كثيرا بما مضى، وتكفيه دمعة تتكئ نخلة، وقادر على أن يحتوي بلدته كاملة·· لذا فإن (عاداتها) تكتفي بكوب الحليب والشاي، عادة يومية، تؤنسها الأم في انحنائها على (الطابون)(4)، (ولنراقب كيف مزجت هذا المشهد في عملية مونتاج رائعة من خلال استخدامها فعل تستنهض، فعلا تحث به فراش الطفولة الذي كان، فيحرك كل هذه المشاهد)·
في المقطع الأخير·· تربكنا الشاعرة إذ تعود بنا لنقطة ما قبل، وتقدم المعادلة الأولى بصيغة المعنى (الحاجة = هي وحيدة)، ورغم بساطة هذه المعادلة وسذاجتها، إلا أنها تكتشف هذا وهي تقف على أن الكائنات لها (لماذا أكون وحدي والكائنات لي؟)·· وبذا فإنها تمنح الجميع قلبها، سحابة ينزل ماؤها وتغادر لمكان آخر، ترى الأنجم تشاركها السباحة، تقف لتحلم لو أنها تصادقها ذات يوم (إن الشاعرة هنا تتعدى معني الرغبة في الرحيل بعيدا، إذ أنها في هذا الحلم إنما تؤكد رغبتها بأن تكون دليل هداية وإرشاد للجميع)·
في قراءة هذا النص، نجد أنفسنا نقف على ثلاث حالات، استطاعت الشاعرة أن تدخل لها بهدوء ومن ثم تصعد بنا الى ذروة الدفق، ولنا أن نتبين هذا من طول بعض الجمل التي رافقت أو حوت هذا الدفق القوي (وتزرع في الليل دمعة حين لا ترى دفء الفصول في فراشها)، وإن كان النص حديثا لا يعتمد موسيقى العروض، إلا أن نوعا آخر من التناغم كان واضحا، في ورود المفردات على ذات المخارج، أو التنويع على الجمل القصيرة، ولأنها متلبسة بالشعر فإنها تحت وطأته لم تحاول إلا أن تقدم الصور كما تراءت لها (تلحس بلسانها قطرات المطر - تتشمم عبق الترابا الشبعان)، فالشاعرة كانت تريد القبض على الحالة، فقدمتها كما هي، فلم تستعيض عن مفردة (اللحس باللعق)، أو (الشبعان، بالمرتوي)، فحدة السين في مفردة (لحس) تمنح الصورة بعدا فعليا أو ديناميكيا يقفز بالمشهد مباشرة للذهن، وإسقاط فعل الشبع على التراب، يمنح التراب الراحة والهدوء الساكنين فيه·· ولأنها وقفت على الرصد ابتعدت الشاعرة أن تقدم نصها بالعود على البداية، بمعنى أن يكون نصها دائري البناء، فاختارته أفقي البناء، فيأتي في ختامه ختام الرصد·· الذي استطاعت أن تفعله بالكثير من الصور، (تضم الصغار الى قلبها) إنها هنا تقفز الى الحلم الذي تريد، فتتعدى دلالة الضم الى الرغبة·· في قراءة أخرى، أرى سردا روائيا ما في هذا النص، من حالة الإخبار والتضمين، وهو فعل روائي، وإن جاء غير متعمد إلا أنه يبدو واضحا في بناء تضمينات لمشاهد على الخط (الدرامي) الأساس للنص، هذا الذي أتاح خروج المعادلات الثلاث، أو المعادلتين والمعادلة الثالثة·
وحتى لا أكون مهولا، إليكم النص للقراءة:
نص: هي وعاداتها، الشاعرة حواء القمودي(5):
هي
سابحة في لازورد البحر
تلملم الأزرق في قارورة عينيها
تستنطق اللون
لتحكي لحبيبها كل الذي لا يباح·
هي
سابحة في عبق نسمة
تأتلق البحر
تخبئ في مسام الجسد،
كل الذي سيباح·
من عاداتها
أن تقول: صباح الورد للطائر الذي يتحدى هدير الوقت،
ويغرد فارشا جناحيه مدىً أزرق لشمس يوم جميل·
تلحس بلسانها قطرات المطر العالقة بالنرجسة الناصعة البياض·
تتشمم عبق الترابا الشبعان
وتصهل بالضحك حين يبتسم البحر·
تضم الصغار الى قلبها
وتزرع في الليل دمعة،
حين لا ترى دفء الفصول في فراشها·
هي
ضاحكة من كل الذي كان
اتكأت جذع نخلة وبكت
خبأت (سوق الجمعة) في القلب،
توسد البحر ركبتها ونام·
من عاداتها
أن تؤثث يوما آخر بكوب الحليب والشاي
تستنهض فراش طفولتها،
لتفوح قهوة الأم العالقة في دخان الطابون تهسهسها أساور الذهب،
فتتلمس تعاريج الزراقة،
كما لو أن هذا الوقت لها تنشده الأغنيات
ولا تخاف سيفه الذهب·
هي
غارقة في ارتباكها
تلملم طرف رغباتها
تسأل الأزرق
لماذا أكون وحدي والكائنات لي؟
من عاداتها
أن تربك أصدقاءها بوهج الألفة ثم تنثني متلاشية في غيمة بعيدة
تعد الأنجم السابحة
تحلم أن تصادقها ذات يوم قريب·
هوامش:
ü رامز رمضان النويصري· شاعر وكاتب صحافي (صحيفة الجماهيرية) طرابلس - ليبيا·
1 - سوق الجمعة: منطقة شرقي طرابلس مباشرة، تشترك وإياها في ذات الساحل، إلا أنها أرض زراعية تشتهر بالزراعات الموسمية والدائمة، يكثر بها النخيل، والمزارع الصغيرة والمعروفة عندنا بالـ (سانية، وجمعها السواني)·
2 - طوابي الهندي: الطابية هي مرتفع من التراب، والهندي هو نبات التين الشوكي·· والتعبير طوابي الهندي، يعبر به عن صف التين الشوكي والذي كان يستعمل حدا فاصلا بين المزارع·
3 - هي وعاداتها·· مجلة الفصول الأربعة، العدد: 95، السنة 23، أبريل /2001·· تصدر عن رابطة الأدباء والكتاب (ليبيا)·
4 - الطابون·· اسم لأحد أنواع الأفران التي تتخذ في المنزل الريفي للخبز، والشاعرة هنا، تستذكر ما كان·
5 - حواء القمودي: شاعرة ليبية متميزة بنصها، بدأت النشر بداية الثمانينات، لها الكثير من الإسهامات في مجال الصحافة الليبية، المشرفة على قسم التحقيقات الاجتماعية بمجلة (البيت)·