بقلم: اندريه فوتين - رئيس التحرير سابقا
(لوموند)
صارت عمليات السلام التي تكاثرت في العالم قبل بضع سنوات، بما في ذلك مقدونيا وكورسيكا حيث حققت تقدما معينا، صارت الآن في حالة رديئة لكنها لا تنطوي في حال إخفاقها على الخطر الذي ينطوي عليه الإخفاق الأشد فداحة في الشرق الأوسط حيث تلقي الكراهية كل يوم حجرا في الدوامة الجهنمية للانتقام·
كيف الخروج من ذلك؟ غالبا ما قيل إن الأمر يحتاج الى شارل ديغول (آخر)· لكن "الديغولات" لا يسيرون في الشوارع، و"السادات" "ورابين" اغتيلا بعدما حاولا بحزم وجسارة أن يكسرا هذه الدوامة· فعن الزيارة التي قام بها الرئيس المصري (السابق) للقدس وأنهى بها ربع قرن من الحروب، كتب اسحق رابين في مذكراته أنها "كانت عملا سياسيا فذا باطلاق"· إن أحداً لم يجرؤ على التشكيك في ذلك، أما العاهل الأردني (الراحل) الملك حسين فقد وسع الاستفادة حتى تبلغ بلاده، لكن ذلك لم يلامس قط القضية المركزية في المنطقة، قضية تعايش شعبين يتنازعان الأرض نفسها·
في بداية الانتفاضة (الأولى) في ديسمبر من عام 1987، كان رابين وزيرا للدفاع في حكومة ائتلافية يرأسها العنيد اسحق شامير· وهو لم يشك يوما في تصفية الحساب معها قائلا لجنوده "كسروا عظامهم" أي عظام رماة الحجارة· لكن منذ فبراير 1987 اعترف رابين لبعض أصدقائه قائلا "أدركت أمرا في هذه الأشهر الأخيرة، لا يمكنكم أن تحكموا بالقوة مليوناً ونصف المليون فلسطيني· وهذا درس ينبغي أن نستقي منه النتائج، وعندما تولى رئاسة الوزراء، تولى بنفسه مهمة استخلاص النتائج·
كان رابين يتحلى بالشجاعة والمهارة: كل من أتيحت له فرصة مقابلته قدّر مقدار انطباق هاتين الميزتين عليه· ومثل هذا الرجل الذي أحس معه مواطنوه بالثقة ما كان يمكن أن يخيب ثقتهم· وسرعان ما أدرك الناس أنه لو كانت هناك أي فرصة لبلوغ السلام فهي معه· والقاتل الذي اغتاله كان يعرف ما يفعل·
مهما كانت هناك إرادة طيبة وخبرة ومعرفة بالملفات لدى شيمون بيريس، ومهما كان الدعم الذي توليه إليه الولايات المتحدة أو غيرها فقد كانت تعوزه الجاذبية (الكاريزما) الشخصية الضرورية لإقناع هذا وذاك بالتراجع عن حقوق كانت تعتبر طويلا حقوقاً مكتسبة·
لكن إليكم فكرة قدمها رجل آخر، إنه واحد من أول سفراء إسرائيل الى فرنسا، وولتر ايتان الذي اعترف لنا قبل وقت طويل: "لدينا عدد كبير من خبراء القضايا العربية، الذين يتحدثون بلغة تثير الإعجاب، ويقرأون "أكواما" من الصحف والمجلات والدراسات حتى يفهموا العرب حقا، حتى تتاح لهم فرصة التفاوض معهم مباشرة على قدم وساق· وأعتقد أن الأمر نفسه ينطبق على الطرف الآخر"· هكذا كانت الحال· لكن لنقل بعبارة أخرى، أنه نادرا ما كان هناك في الجانب الإسرائيلي احترام كبير للعرب، وأنه في المقابل كان العرب أشد فخرا من أن يتخلوا عن الحذر، لقد أخفقت الدولة اليهودية في دفع ثمن غالٍ· وهي أحست طويلا بأنها يمكن أن تعيش منفردة بنفسها من دون أن تضطر الى دفع أدنى تنازلات· وقد ارتضت بالاكتفاء في انتظار أن يقتنع العرب أنه لن يعود بإمكانهم طرد "الصهاينة" وفي أثناء ذلك، أطلقت مصر وسورية حملة في عام 1973 أخذت إسرائيل على حين غرة وزعزعت مواقعها، وربمـــــا كان محكـوما علـى إسرائيل أن تخسـر هذه الحـرب لـولا الشجاعة الحـربية الكبيـرة لإرييـل شارون·
شارون يتولى السلطة الآن بالمساندة غير المنتظرة من العمالي شيمون بيريس الذي يفكر في أن يقدم معه لائحة انتخابية مشتركة في انتخابات عام 2003· أما رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتانياهو فلا يكف صبحا ومساء عن انتقاد "ضبط النفس" لدى شارون إزاء عمليات الفلسطينيين· في أي حال، لا تنتظر غالبية الإسرائيليين شيئا من عملية السلام· وغالبية الإسرائيليين تعتقد أن كل الأخطاء هي مسؤولية ياسر عرفات الذي يقال عنه أنه "حلال عقد" (ما يسميه الإسرائيليون) الإرهاب الفلسطيني وأن القوة وحدها يمكن أن تنفع معه ناهيك عن الاغتيالات المدانة· وما يحصل الآن هو نقيض تماما لكل ما حصل ويسمى الآن تصعيدا· وكما قال باروخ كيمبرلينغ في صحيفة "هآرتس" إن "جماعتين اثنتين متنازعتين انخرطتا في عملية ثأر متبادل"·
لم تسفر الإدانات والنصائح الدولية الطيبة عن شيء يذكر· وإذا لم يحصل شيء ستواصل كل جماعة إلحاق مصائب كبيرة بالأخرى حتى من دون أن يتعزز أمن هذه الجماعة أو تلك· فما العمل؟ أما كيف كان ينبغي العمل عندما نرى أشخاصا يتقاتلون إن لم نفصل بينهم؟ فقبل أن يصبح رئيسا للوزراء، قال رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي ايهود باراك لمن أراد أن يسمع أنه لا حل آخر، وقبل أشهر عدة أثنى عليه عرفات·
لا شك أن هناك خلافات كبيرة باقية، لما كان الإسرائيليون لا يقبلون غير قوة أمريكية· والفلسطينيون لا يقبلون غير قوة من الأمم المتحدة يمكن أن يشل الفيتو (حق النقض) فكرتها فورا· لكننا لسنا مقتنعين بالذريعة التي تقدمها الدول، التي بادرت الى التدخل لإنقاذ الكوسوفيين، لرفضها وقف العنف في هذه الأرض "الموعودة بإفراط"·
أو بالأحرى، إذا أمكن تهدئة العواطف، ندرك فورا أنه بين نوفمبر 1999 ويناير 2001 حققت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية تقدما كبيراً، بما فيه ما يختص بإنشاء الدولة الفلسطينية كما بمصير مدينة القدس ذات الطبيعة الحساسة· وهذا ما تحدث عنه وزير العدل السابق (في حكومة باراك) يوسي بيلين ووزير الإعلام والثقافة الفلسطيني ياسر عبد ربه في صحيفة "نيويورك تايمز"·