عندما خسر الجمهوريون الغالبية في مجلس الشيوخ قبل شهرين، بدأ نقاد الرئيس جورج بوش يكتبون بفرح نعيه السياسي· لكن على الرغم من ذلك، صادق الكونغرس على خطة خفض الضرائب وقيمتها 1,350 تريليون دولار التي يساندها الرئيس، وكانت الرؤية الغالبة أن هذه المصادقة هي على الأرجح آخر نجاحاته التشريعية·
في مطلع الصيف، حين سيطر الديمقراطيون على جدول الأعمال في مجلس الشيوخ، بدأ حلفاء بوش أنفسهم في مجلس النواب ينأون بأنفسهم عنه عندما ألحق به الجمهوريون المعتدلون هزائم مؤلمة في قضايا مثل البيئة وإصلاح الحملات المالية (الانتخابية) فقد اغتاظ الجمهوريون من كون جدول الأعمال المحافظ للرئيس يمشي على غير هدى· حتى أن الرئيس الأمريكي المعروف بمرحه مازح نفسه بالقول إن "الدكتاتورية أسهل بكثير لا مجال لها"·
لكن بعد ما كان يمكن أن يشكل أنجح أسبوع في رئاسته استعاد بوش زخما هو بأمس الحاجة إليه· ففي غضون 24 ساعة في نهاية الأسبوع (الماضي) سجل بوش انتصارات سياسية وشخصية كبيرة في الرعاية الصحية وتشريعات الطاقة· وبعد شهر أو شهرين من الفتور عاد بوش يتمتع بنتائج استطلاعات عامة تؤكد ارتفاع شعبيته على الصعيدين الشخصي والسياسي·
على سبيل الدقة، تركزت انتصاراته على مجلس النواب الذي يغلب عليه الجمهوريون، بموازاة صدور إشارات تحذيرية كثيرة من مجلس الشيوخ ما زالت تبرق، والاستطلاعات نفسها التي أظهرت أن شعبيته في ارتفاع احتوت أيضا عناصر تحذيرية لرئيس، ما زالت غالبية الأمريكيين تراه غير مكترث بمخاوفها اليومية·
لكن بالنسبة الى بيت أبيض كان يبدو حتى قبل أسبوع على الأرجح خاسرا بشأن قضايا داخلية مهمة، كانت سلسلة النجاحات الأخيرة كسبا لا بأس به· فالأمر الأكثر إثارة هو أن بوش استحق المصداقية لأنه أعاد تثبيت قدميه· فمع تراصف المعارضين في المؤسسة التشريعية ضد لائحة الرعاية الصحية المسماة "لائحة حقوق المرضى" التي يفضلها، أدى الرئيس دورا استثنائيا في الانتصار على خصومه الجمهوريين في هذه المسألة·
انخرط البيت الأبيض في أسابيع من الاجتماعات الليلية المتأخرة والمفاوضات الحادة مع تشارلز نوروود وهو طبيب أسنان من جورجيا وعضو بارز في الكونغرس عارض في البداية جورج بوش· كان نوروود أبرز مدافع عن إعطاء المرضى حقوقا جديدة واسعة لملاحقة شركات التأمين الصحي أمام القضاء، وقد فضل بوش إعطاء بعض الحقوق المحدودة للملاحقة وحدودا صارمة لمقدار التعويضات عن الأضرار التي يمكن للمحاكم أن تمنحه·
في النهاية، نجحت مغامرة بوش، فهو لم ينتصر على نوروود فحسب، إنما أدى فوزه بتصويت مجلس النواب على لائحة حقوق المرضى الى إعفائه من مشقّة التهديد باستعمال الفيتو (النقض) الرئاسي في قضية تريد الغالبية الأمريكية التصدي لها·
كانت خطة الطاقة التي صادق عليها مجلس النواب قبل يوم من لائحة الرعاية الصحية تمثل نسخة معدلة للعمل الذي اضطلع به فريق يقوده نائب الرئيس ديك تشيني· فقد أتاحت الخطة توفير خفض الضرائب قدره 33,5 مليار دولار وحوافز لمنتجي الطاقة في حين كان بوش يأمل بنحو عشرة مليارات فقط· وفي انعطاف مفاجئ للأحداث، ساند مجلس النواب مبادرة بوش المثيرة للجدل بشأن الحفر في محميات ألاسكا البرية وإن كان مجلس النواب قد رفض الخطة الأولية للرئيس مؤكدا أن لا مجال لاستعمال أكثر من ألفي "أكر" من الأراضي بصورة دائمة بدلا من 1,5 مليون "أكر" اقترحها الرئيس·
فاجأت مصادقة مجلس النواب على الحفر في الاسكا معظم المراقبين، ذلك أنه كان متوقعا أن يغطي فتح المناطق العذراء الساحلية أمام عمليات الحفر على جميع العوامل الأخرى· وبدلاً من ذلك، عانى أنصار البيئة هزيمة ساحقة حين انضمت النقابات الى الزعماء الجمهوريين والديمقراطيين المتراجعين تحت الضغط في عدم الاعتراض على عمليات حفر تؤدي الى خلق الوظائف· فقد انضم 38 ديمقراطيا، أي أكثر بكثير مما كان متوقعا، الى الغالبية الجمهورية في مجلس النواب لمساندة الحفر في هذه المحمية الطبيعية·
يعتقد البعض أن نجاحات الأسبوع (الماضي) تبرهن أن الرئيس الأميركي تعلم دروسا· وفي هذا الشأن، يقول العالم السياسي في جامعة ويسكنسن تشارلز جونز: إن البيت الأبيض في عهد بوش مليء بمخططي المدى البعيد الذين يتخذون مقاربات طويلة المدى في القضايا الكبيرة: الأمن الاجتماعي، التعليم، الدفاع والجيش· وهذا يجعلهم مؤثرين استراتيجيا· لكن حتى الآن، لم يكونوا مؤثرين تكتيكيا·
يعتقد جونز أن بوش أدرك بصورة جيدة هذا الأسبوع (الماضي) الحاجة الى المساومة وكيفية انفاق الرصيد السياسي من أجل الحصول على اتفاق· وهذه المهارات هي ذات دور حاسم في النجاح الشامل لرئاسة بوش لأن أحداث هذا الأسبوع (الماضي) تحتاج الى أن توضع في سياق المعارك المقبلة·
يشكل مجلس الشيوخ أكبر عائق سياسي أمام الرئيس فالقضايا التي حقق فيها الرئيس انتصارات في مجلس النواب هذا الأسبوع (الماضي) من غير المرجح أن تحقق له انتصارات مماثلة في مجلس الشيوخ· وفي هذا الصدد، قال السناتور جون كيري عن ولاية ماسا شوستس الذي يقال كثيرا إنه مرشح محتمل للانتخابات الرئاسية عام 2004 "إن القضاء على المحمية البرية الوطنية القطبية هي بداية سياسية سيئة في مجلس الشيوخ"· وهو هدد بشن حملة مضادة في مجلس الشيوخ لتعطيل المصادقة عليها عندما يعود الكونغرس الى الانعقاد بعد عطلة شهر سبتمبر·
لقد صادق مجلس الشيوخ أصلا على نسخة لـ "لائحة حقوق المرضى" يعارضها الرئيس· ومن المتوقع أن يقف مجلس الشيوخ معترضا الرئيس في قضايا تراوح بين الهجرة والتسخين العالمي· وقد لوحت له لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ بالعصا عندما صادقت على مشروع قرار يطالبه بإعادة النظر في موقفه من اتفاقية كيوتو التي تخلى عنها الرئيس في مارس· وهناك كثيرون ما زالوا يعتقدون أن تعامل البيت الأبيض مع اتفاق كيوتو (بالدعوة الى تعديله) هو خطأ كبير في بداية رئاسة بوش·
يعول كثير من المحللين السياسيين أنه إذا أراد بوش تحويل نجاحاته الأخيرة بشأن القضايا الداخلية إلى انتصارات واسعة ينبغي عليه أن يظهر مهارة أعظم بشأن القضايا العالمية الأوسع· والتجارة هي مثال على أنه لم يحسن التعامل بعد· فقد أرسلت الإدارة الأمريكية إشارات قوية مفادها أنها تفضل مزيدا من تحرير التجارة· لكنها حتى الآن لم تحقق أي تقدم في الكونغرس بشأن أولويتها الأولى وهي الفوز بتفويض سريع يخول الرئيس أن يفاوض على صفقات تجارية·
لما كان الكونغرس مقسوما بشبه مناصفة بين الحزبين، يمكن أن تجري الرياح السياسية بانعطاف مفاجئ بما لا يشتهي بوش في أي لحظة· ففي مطلع هذا الأسبوع (الماضي) فوجئ الزعماء الجمهوريون في مجلس النواب بتمرد ناشئ عقب سلسلة من انشقاقات أعضاء معتدلين بشأن قضايا من إصلاح تمويل الحملات (الانتخابية) الى مستويات الزرنيج في مياه الشرب· وكان التوتر الذي شاب التصويت على "لائحة حقوق المرضى" يعود في معظمه الى مخاوف من أن يشق هؤلاء المنشقون عصا الطاعة على الرئيس· فقد صوت 686 نائبا جمهوريا في الماضي لمصلحة حماية أقوى للمرضى ضد رغبة الرئيس·
مع اقتراب ملامح الانتخابات النصفية للكونغرس، تميل هذه الصدوع الى التوسع· فكثير من الجمهوريين في الولايات الشمالية - الشرقية يرتاحون لسياسات الديمقراطيين أكثر من ارتياحهم لسياسات بوش· وكثير من هؤلاء جاؤوا من ولايات تصدر فيها المرشح الديمقراطي آل غور في الانتخابات الرئاسية الأخيرة· وربما يساعد هؤلاء النواب في المحافظة على السيطرة الجمهورية في الكونغرس إذا تحدوا الرئيس في بعض القضايا·
يقول مارشال ويتمان وهو عضو بارز في معهد هدسون وهو حوزة فكرية محافظة أنه في "عدد من القضايا مثل البيئة لن يضمن النواب الجمهوريون إعادة انتخابهم إذا صوتوا مع الرئيس· ومع غالبية لا يتعدى هامشها ستة نواب، لا يستطيع الجمهوريون احتمال خسارة مقعد واحد"·
لكن مع توجه بوش الى مزرعته في تكساس ليقضي عطلة طويلة، ربما يفضل التفكير في هذه الأمور· فحتى الآن، فاز بالحق في الاستمتاع بانتصاراته، وما يبقى هو الاستعداد لخوض معارك مقبلة·
بقلم ديبورا ماكغريغور
(فايننشال تايمز)