رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت22-28جمادى الأولى1422هـ-الموافق11-17-أغسطس2001
العدد 1489

مقال

 

شعارنا: هلّم نبطش بالأحرار لنحفظ كرامة التاريخ والقطيع

 

بقلم: عباس منصور

ليس للحرية أفق واحد، فمن آفاقها أنها مستحيلة طالما هناك مؤامرة على الوعي حتى وإن كانت لأغراض التربية فما بالك لو كانت المؤامرة للتستر على خطأ تاريخي وانحراف في السلوك الجماعي وتدليس على حقائق الأحداث، وهاك واقعنا الذي يقبض على مساحة فادحة من المسكوت عنه·

ومن آفاقها أنها تنزع نحو الوحدة والإنفراد بالذات في حين أن هذا النزوع فيه بذرة انحلالها وتلاشيها، فلا حرية في غياب الآخرين وانتفاء المواصفات الاجتماعية، ولذا فالحرية تحت هذا الأفق تكمن في كيفية معايشة الصراع بين الذات والتاريخ، فالإنسان كائن له مشاعره وانشغالاته ومخاوفه وأسئلته الخاصة والتي تتطور عبر الاشتباك مع الحياة من حوله ومن ثم يطرحها على التاريخ في صراع لتكييف المسارات·

ومن افاقها البعد الديني وخصوصا بعد استبداد الديانات السماوية حياة البشر وفق مفاهيم أتيح لها قدر من التكريس عبر التاريخ حتى أصبحت اليوم تحمل الكثير من التناقضات الداخلية مما جعلها وسائل للفرقة والخصومة والنفي في حين كانت أسسها الأولية تقوم على التوحيد والتآلف وليس ببعيد ما نشهده من تناحرات دموية بين أتباع الديانات المختلفة أو بين الكثير من الطوائف داخل الديانة الواحدة· فأين الحرية إذا إزاء كل هذه التركة التاريخية من الفقه والاجتهاد والذي يطارد ويغتال أية إمكانية للبصيرة الذاتية أو التأمل الفرداني من قبل جموع البشر الذين يتجددون بالتوالد على مسيرة الزمن؟

ينهض التاريخ وتقوم الحضارات على إقرار قدر مشترك من القناعات الذاتية وتعمل الجماعة في إطار هذا الاتفاق، وكلما تعالت مساحة التسامح زادت القواسم المشتركة بين بني البشر وازدادت صلابة الحضارة والمجتمعات· فماذا نقول في هذه الكراهية والنزعات التي لا يخلو منها مجتمع ما سواء بين أتباع الديانات المختلفة أو في نطاق الديانة الواحدة··· تلك الكراهية التي تهدد بنسف المجتمع بالكامل أو تجهض التربة الضرورية لقيام الحضارة والأمثلة من حولنا كثيرة إن في الشرق أو في الغرب·

ومن آفاقها أن الإنسان المحكوم بغرائزه لا يمكن أن يكون حرا وقد حوصرت كل طاقاته في تأمين رغيف الخبز والمسكن وليست لديه فرصة للمفاضلة والاختيار، فمن أين له الوقت لمواجهة ذاته والتفكر في مصيره ومصير من حوله؟ فهو ليست له أية حقوق في ذمة المؤسسات الحكومية المنصوبة حوله أينما ذهب وليست له شرعية مواجهة هذه المؤسسات وإجبارها على الالتزام بمبررات وجودها·

ويخيل إلي أن الناس في الشرق العربي غير مؤهلين للانخراط طواعية في أعمال جماعية من شأنها تحصين وجودهم الحضاري والسياسي·· أو ربما حيل بينهم وبين التفكير في ذلك على مدار عصور متلاحقة بحيث كرست تاريخا من المخاوف والفشل يصعب اجتيازه ولو حتى على المستوى النفسي·

العبد نقيضه الحر، وأقسى أنواع العبودية تلك تصبح عرفا وشريعة يقرها المجتمع، وكثير من المفاهيم البشرية للأديان أقرت بعض أشكال العبودية حيث يتم التعامل مع الذوات البشرية التي خلقها الله وأوكل إليها خلافته في أرضه على أنها ممتلكات خاصة كالعقار والمنقولات لسيدها الحرية المطلقة فيها، ولذا يصبح مقبولا استنادا الى تلك الثقافة أن يعمد الحكام والملاك والأسياد الى خصي عبيدهم حتى تصبح خدمتهم مأمونة في جناتهم الأرضية الحافلة بالملذات والتي تسرح فيها الشهوات كيفما شاءت في ملكوت الغرائز الفالتة·

ولكن أليس لهذا المستعبد من حرية·· بمعنى ألا يمكن للإسان الواقع تحت أقسى أنواع العبودية أن يمارس نوعا من الحرية·· تلك التي تعطى للوجود·· لحكمة الخلق الإنساني مبررا·· ربما لن يتبقى له من أشكال الحرية سوى الكراهية المكبوتة··· ولكن ذلك مرهون بالوعي·· ولذا فليس بعيدا عن الصواب إن قلنا إن المؤامرة على الوعي هي أبشع أنواع الاستبداد والقهر·

في الإسلام "من رأى منكم منكرا فليغيره···" وأبسط أنواع التغيير هي الكراهية القلبية·· ولكن ليست المشكلة هنا·· إنها في أهلية التعرف على المنكر والمعروف والمقدرة على التمييز بينهما وذلك يتطلب وعيا تسعى المؤسسات الاستبدادية الى القضاء عليه وزعزعته بشتى الطرق، ولذا كانت عبقرية الرسالة الإسلامية في الاهتداء الى الإثم بالإشارة الى أنه "ما حاك في صدرك وخفت أن يطلع عليه الناس"·

ولا أجانب الحقيقة حين أقرر بأن مؤسسات الاستبداد والقهر تسعى للحيلولة بين المرء وقلبه فلا يجد يقينا يقر عليه ولا يرى قناعة تعصمه من الضلال والتشويه، ومن هنا كانت المواجهة الذاتية لأسئلة الوجود ومناقشة الحياة ومسائلها داخل الذات هي العاصم الأول لاستبقاء الحرية والحفاظ على مبررات الوجود·

نعم يمكننا أن نكون أحرارا إذا قارنا الغايات والأهداف بالنتائج·· ففي بلاد العرب تبلور الشكل الجماعي أخيرا في شكل جمهوريات وملكيات وإمارات هي دول انخرطت في منظومة العالم الحديث تحت مسمى دول إلا أنها لم تحقق تقدما في الاقتصاد أو في المعرفة·· نعم لدينا مدارس لكن ليس لدينا علماء أو متعلمون، لدينا محاكم ونظم قضائية لكن العدل والحق عسير المنال إن لم يكن غائبا، لدينا جيوش وعساكر لكننا مهانون وأراضي بلادنا محتلة ومغتصبة، لدينا كل العناوين المؤهلة لإقامة الدولة لكننا بلا قرار·

لدينا احصاءات مكدسة عن إنجازات حكوماتنا في مجالات التنمية والبناء والعمران "لا أحد يصدقها" ولكن ليس لدينا إحصائية واحدة عن عدد المساجين بسبب إبداء رأيهم أو شروعهم في ممارسة حقهم الطبيعي في تناول أمور أوطانهم··!! ألم يقل الله تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم··"·

أليس المختلفون من عباد الله ولهم حق في الوطن والدولة وهم يمارسون هذا الحق؟! فلماذا ينسف المستبدون حياة المختلفين ولماذا يبدو الجميع كأنهم متفرجون لا يعنيهم الأمر؟!

إن الأمر مرتبط بالوعي والحكومات تحول بين المرء وقلبه وتستميت في إغراق مواطنيها في نطاق الضرورة وتلبية متطلبات المأكل والمسكن ومن تبقى فإما أن يشارك في كعكة الاستبداد أو يأسره الإعلام المضلل الذي أصبحت وسائله غابة من المستحيل ألا يتعثر المرء في شباكها المنصوبة ليل نهار ومن كل لون وجنس وعقيدة·

قال الأب لابنه: لم لا تكون كبقية أخوتك مطيعا وأليفا؟

الابن: ولم لا تتأمل قصة الخلق·· هل كان قابيل كهابيل؟

الأب: يا بني·· أخشى عليك من، وأخشى على اخوتك منك·

الابن: وكيف اهتدي بما لا أرى، بل كيف أحس ما ليس موجودا داخلي؟

الأب: إذا عليك احتمال القسوة حتى يسعى أحدكما في اتجاه الآخر·

الابن: كل الآباء يشعلون نارا مقدسة فإما تأكل نفسها أو تأتي على الآخرين، أنا نارك فأيهما تفضل أن يكون طعامي؟

الأب: يبدو أن الأمر كذلك، ولا مفر من تلك العاقبة·

طباعة  

شعر
 
اضاءات
 
ترجمات
 
إصدارات
 
أفق
 
الشعر الليبي·· كلاسيكية الحداثة في جزيرة الملح
 
وتد
 
شهادات في الدور الثقافى الكويتى على هامش الأسبوع((الثانى)) بعد 20 عاما في اليمن·· هل يصلح الثقافي ما أفسده السياسي؟
 
خبر ثقافي
 
المرصد الثقافى