رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت22-28جمادى الأولى1422هـ-الموافق11-17-أغسطس2001
العدد 1489

ترجمات

حينما استيقظ فان غوخ لم يتذكر شيئاً عن قطع أذنه

جريمة غوغان الذي فعل أشياء لا يسمح بها ضمير عادي

 

في عام 1888 عاش الفنان العالمي الشهير فان غوغ مع رفيقه الفنان بول غوغان لمدة ثمانية أسابيع ونصف في مسكن في آرل، جنوب فرنسا· وفي إحدى الليالي تقول القصة الرائجة أصيب فان غوغ بانهيار نفسي، وبتر أذنه بسكين· وحتى هوليوود، قامت بتصوير فيلم عن حمام الدم هذا نال فيه انطوني كوين جائزة أوسكار عن دوره في تقمص شخصية غوغان· أما اليوم، فيقدم خبراء الفن ومؤرخوه دليلين جديدين يناقضان القصة الرائجة لهذه المأساة· فلقد بدأ منذ فترة قصيرة، في مؤسسة الفن في شيكاغو، معرض، يتناول تلك المجزرة المرعبة التي حدثت في آرل، بشكل جديد، ومن المتوقع أن يتدفق إلى هذا المعرض مئات آلاف الزوار· وقد تم تجهيز "المشهد" الدموي هذا بالتعاون مع معرض فان غوغ في امستردام· ولمدة عام كامل، قام مدير الديكور دوغلاس درويك، بتشغيل فريق كامل من الخبراء: والآن أصبحت واضحة الدوافع الخلفية لعملية التشوّه التي أصابت فان غوغ!

أما السيناريو الذي كان موضوعاً سابقاً حول المجزرة، فيقول: لفترة طويلة، تعرض التعصب الديني المسيحي عند فان غوغ للازدراء· فالرسام الموهوب، الذي صار مبشراً معاقاً، كان يعتبر نفسه معلقاً بين السماء والجحيم· وكان يحلم "بمستعمرة فنية" أشبه ما تكون بدير فني للرهبان· أما غوغان، بالمقابل، فكان الفنان الوحيد الذي التفت إلى فان غوغ اعتبر ذلك التصريح من غوغان "قتلاً روحياً له" ما دفعه لأن يعتبر نفسه شهيداً مسيحياً، ولأن يبتر أذنه، على مثال بعض القصص التوراتية·

 

سيناريو آخر

أما مؤرخة الفن من هامبورغ ريتا فيلدغانز، 59 عاماً، التي تشارك في معرض شيكاغو، فتقول: "هذا السيناريو ليس صحيحاً إطلاقاً" وتضيف: ان غوغان هو الذي بتر أذن فان غوغ"، لأن فان غوغ، لمدة أسابيع، لم يعد يصغي لغوغان· الثابت ما يلي: الفنانان غوغان وفان غوغ كانا، آنذاك، يعانيان من الفشل الفني، وجربا نشل المال في شوارع مدينة بوردل· ومن وقت لآخر، كانا يتشاجران ويرسمان لوحات تجريبية، كانت مضحكة بالنسبة لهما، ولكنها اليوم لا تقدر بثمن· وفي مساء 23 ديسمبر 1988 انكسرت صداقتهما القائمة على الاكثار من تناول الطعام والمسكرات، وفي اليوم التالي وجد البوليس فان غوغ المسكين غارقاً في الدماء التي تنزف من أذنه المبتورة: كانت أذنه المبتورة غير موجودة إلى جانبه· كان فان غوغ في الليل قد تحامل على نفسه ومضى إلى صديقته العاهرة وسلمها أذنه المبتورة قائلاً: "التقطي هذا الشيء بعناية!" تلك هي الافادة التي قدمها مخفر بوردل·

كان فان غوغ غير قادر على تذكر أحداث الليلة الماضية، إذ كان يعاني من نوبات انهيار عصبي حاد، ما أدى به إلى أن يطلق النار على نفسه بعد عام ونصف لاحقاً·

حسب ريتا فيلدغانز، فان غوغان السكران كان هائجاً جداً بسبب الخوف من الانفصال عن فان غوغ الذي كان سكران أيضاً، في تلك الليلة، ما دفع بغوغان للهجوم على فان غوغ وقطع أذنه· ولقد ذهب فان غوغ إلى قرب بوردل، حاملاً أذنه المبتورة، ليريها لصديقته، ثم عاد إلى البيت· ولهذا السبب لم يعد غوغان إلى البيت في تلك الليلة، بل نام في فندق·

يستند معرض شيكاغو إلى مذكرات غوغان التي بعنوان "قبل ذلك وبعد ذلك" التي يذكر فيها غوغان "إن فان غوغ قد طارده إلى آرل وهجم عليه بالسكن!" ولكن معرض شيكاغو يبرز جملاً كتبها غوغان يقول فيها ان "من غير الصحيح اعتبار فان غوغ أستاذاً له" ما يعني انه كان ينوي الاستحواذ لنفسه على الشهرة التي كانت قد بدأت بالتنامي لصالح فان غوغ"· ولهذا السبب، ترى فيلدغانز، قام غوغان بالاعتداء على فان غوغ· وتؤكد فيلدغانز ان غوغان اخترع الكذبة التي تقول إن فان غوغ هاجمه بالسكين من أجل ألا يفقد رأسه· لأن المقصلة كانت، آنذاك، لا تزال قيد الاستعمال، وبعد أيام عدة فقط، على هذه الحادثة، شهد غوغان إعدام مجرم مشهور، بالمقصلة، في باريس، كان قد ذبح عاهرة قبل عام· ولم تمض مدة طويلة بعد عملية الاعدام بالمقصلة، إلا وكان غوغان قد رسم صورة شخصية له، بعينين دمويتين، مذبوحاً من الحنجرة، وبلا أذنين! بينما، بعد عملية الاعدام بالمقصلة، كان فان غوغ منكباً على رسم أزهار دوار الشمس، وفي إحدى اللوحات، توجد داخل دوار الشمس عين دامية مخيفة مقتلعة، فهل هذه العين الدامية المقتلعة رمز ضحية هي فان غوغ أم رمز قاتل هو غوغان؟

 

عصابي مهووس

تؤكد فيلدغانز ان غوغان كان مغامراً متهوراً وشريراً لا يحسب حساباً لعواقب أفعاله، وتضيف "لم تؤخذ أبداً بعين الاعتبار حقيقة أن غوغان كان شحاذاً متسلطاً ومتمرساً في فن الشحاذة"· وفي مذكراته "قبل ذلك وبعد ذلك" يقول غوغان:

"يجب ألا أتردد في ارسال من لا يتصدق عليّ، إلى السجن"· وفي رسائل فان غوغ إلى أخيه، يصف فان غوغ غوغان بأنه "عصابي" و"مهووس" و"مشوه" بل وأيضاً "حيوان متوحش"· كان فان غوغ غاضباً جداً مما جرى في تلك الليلة، في رسالة بعثها إلى أخيه يقول فيها: "فلنفترض أنني كنت مجنوناً جداً، كما تريدون، ولكن لماذا لم يتصرف الصديق الحميم غوغان بشكل أكثر هدوءاً"·

مهما يكن، لم يستطع فان غوغ أن يتذكر تفاصيل تلك الليلة الدامية، وكيفية اعتداء غوغان عليه·

ومع ذلك، فإن فان غوغ كان يعتبر، في رسائله إلى أخيه، ان غوغان كان "مجنوناً" و"عدوانياً"، فهو يقول في إحدى رسائله إلى أخيه: "عندما ذهب غوغان إلى باريس، ليفحصه طبيب نفسي مختص، لم أكن أعرف العواقب التي كانت تنتظرني بعد عودته من باريس، شاهدت غوغان يفعل أشياء لا أسمح بها لا أنا ولا أنت، لأن ضميرنا يعمل في شكل مختلف"· هل هي اتهامات كافية لتدين غوغان، أم انها نوع من المناورة لإخفاء جنون فان غوغ الخاص؟ في ما يتعلق بفان غوغ، فإن كل مظاهر جنونه يمكن تفسيرها اليوم، أما في ما يتعلق بجنون "غوغان" وعدوانيته، ومسؤوليته في انتحار فان غوغ، فالمسألة تحتاج لمزيد من البراهين·

وعندما اشترى الملياردير الياباني روي سايتو عام 1990 لوحة فان غوغ التي تصور طبيبه النفسي كاشيت بمبلغ 135 مليون مارك ألماني، أعلن سايتو ان هذه اللوحة ستحرق بعد موته· عام 1996 توفي سايتو· وهذه اللوحة الأغلى ثمناً في كل العصور، سوف لن يكون ممكناً رؤيتها منذ ذلك التاريخ·

 

ترجمة: صفوان حيدر

(عن مجلة در شبيغل الألمانية)

طباعة  

شعر
 
اضاءات
 
إصدارات
 
أفق
 
الشعر الليبي·· كلاسيكية الحداثة في جزيرة الملح
 
وتد
 
شهادات في الدور الثقافى الكويتى على هامش الأسبوع((الثانى)) بعد 20 عاما في اليمن·· هل يصلح الثقافي ما أفسده السياسي؟
 
خبر ثقافي
 
المرصد الثقافى
 
مقال