لونا تبحث عن الأمان
لونا سمير سيف طفلة فلسطينية تبلغ من العمر ست سنوات، وتعيش مع والدتها ووالدها وأختها الصغيرة "حلا" (4 سنوات) وشقيقها "سيف" (سنة) في بلدة بيتونيا (غرب رام الله)، وتحديداً على مفترق الطرق المؤدية إلى قرية عين عريك، حيث تعسكر قوات الرئيس الفلسطيني والمعروفة بقوات الـ 17·
حياة لونا حياة حلوة، فهي طفلة لأم نسوية ونشيطة في مجال حقوق الإنسان وحقوق المرأة·· تعمل كمرشدة نفسية واجتماعية للنساء ضحايا العنف، وتبذل كل ما في وسعها من أجل أن تعلو البسمة شفاه لونا وأختها حتى تبعدهما عن كل العنف الذي تراه في عيون النساء المعنفات اللواتي يراجعن مكتبها في جمعية المرأة العاملة للتنمية·
كلنا عرفنا "لونا" من خلال حديث والدتها عنها·· كم هي طفلة جميلة، وسعيدة، وذكية·· وكلنا أحببنا لونا حتى من دون أن يراها الكثير منا·· وكلنا اعتقدنا أن لونا هي من الطفلات المحظوظات لكونها تنعم بأسرة متفهمة لحقوق الطفل وتحديداً الطفلة الأنثى، ولم يخطر في بالنا أبداً أن تكون يوماً ما في موقف الباحثة عن الأمن والأمان في كل الاتجاهات·· أن تكون لونا طفلة خائفة وحائرة كما هي اليوم· ما الذي حصل، وما الذي غيّر حياة لونا؟!·· اعتدال تقول: إنها وحتى وقت قريب وعلى الرغم من كل السياسات القمعية التي تعرض لها الشعب الفلسطيني منذ بداية انتفاضة الاستقلال فقد كانت قادرة هي وسمير على إبعاد شبح الخوف عن لونا·· ولكن ومع بدء التركيز على قصف المناطق القريبة من بيت لونا بدأ الخوف يجد طريقه إلى قلب تلك الطفلة البريئة، حتى كان مساء يوم الخميس 2001/7/26، عندما تعرضت قوات الـ 17 القريبة من بيتهم إلى قصف لم تشهد له المنطقة مثيلاً·· لقد كان البيت يهتز من شدة القصف·· لم نستطع أن نقنع لونا أن بيتنا آمن·· بكت كثيراً·· احتضناها·· بادلناها الأحاديث·· ولكنها لم تقتنع بأنها ستصمد·· وكل ما كانت تردده أنها تريد أن تعيش ولا تريد أن تموت·· هذه كانت كلمات "اعتدال" عندما هاتفتها صباح يوم السبت لمراجعتها في موضوع عمل· لم تنته القصة عند الخوف، فلقد كانت مفاجأة اعتدال في صبيحة يوم الجمعة، حيث استيقظت مع السادسة صباحاً لتجد "لونا" في حال استعداد للرحيل·· لقد جمعت ملابسها وأعلنت بأنها سترحل إلى عمان بحثاً عن الأمن·· لأنها وبكل بساطة متمسكة بالحياة ولا تريد أن تموت·
بعد نقاش طويل مع والديها، كان اتصالها مع عمها الذي يعمل صحافياً، حيث أقنعها بأن الليلة المقبلة لن تشهد قصفاً·· هدأت لونا بعض الشيء ووافقت على النوم في بيتها، ولكن هذه المرة ما كان يقلقها هو عدم عمل والدها كصحافي·· فالصحافي قد يكون أكثر أماناً·· فمن ناحية، وعلى حد تعبيرها هو يعرف ما يجري على الأرض ويستطيع أن يأخذ حذره·· ومن ناحية ثانية فالإسرائيليون وحسب ما فهمت من صور التلفزيون لا يقتلون الصحافيين، حيث ترى الصحافيين يتجولون من خلال الأحداث· ولكن الصدمة كانت كبيرة، عندما علمت "لونا" أن الأردن قد لا يكون آمناً أيضاً لأن أطماع الإسرائيليين كبيرة·· وعندما اقترحت الهجرة إلى أمريكا علمت أيضاً أن أمريكا هي من يدعم الإسرائيليين ويمدهم بالأسلحة لقتل الفلسطينيين، مما يعني أنها غير آمنة أيضاً، والمصيبة الأكبر عندما جاء ابن الجيران ليلعب معها وأصر على أن يكون هو الإسرائيلي الذي يركب الدبابة، بينما هي الفلسطيني الذي يحمل الأسلحة الخفيفة، مؤكداً لها أن اختياره لذلك يكمن في أن القوة هي في يد الإسرائيلي الذي يحمل أسلحة ثقيلة، في الوقت الذي لا يستطيع فيه الفلسطيني بأسلحته البسيطة حماية نفسه أو حماية السكان· يا ويلاه·· الأردن كما الدول العربية الأخرى غير آمن·· أمريكا لا يؤمن لها·· القوات الفلسطينية غير قادرة على حمايتنا·· الصحافي أيضاً يمكن أن يصاب أو يقتل كما أكد لها ابن عمها·· فأين الأمان إذن؟ سماع النشرة الإخبارية قد يفيدها·· صبت جل اهتمامها لسماع النشرة، ولكن المشكلة أن النشرة تتضمن أسماء مناطق هي لا تعرف إن كانت بعيدة أو قريبة·· فهل الباكستان قريبة منا؟ وكم تبعد مقدونيا عن بيتونيا؟ هذه الأسئلة هي ما تركز عليه باستمرار لمعرفة ما إذا كان بيتهم آمناً أم لا عندما تسمع عن اندلاع الأحداث في تلك المناطق؟ ولكنهاحتماً لم تجد الأمن بعد·· فمن منكم سيدلها على الأمان؟ وهل الأمان فعلاً هو حق من حقوقها؟ لنراجع معاً وثيقة حقوق الطفل، ومن ثم لنتحمل معاً مسؤولية توفير الأمن لـ "لونا" ولكل أطفال فلسطين·
ساما عويضة
مركز الدراسات النسوية ـــ القدس
منتدى النساء العربيات ـــ عايشه
2001/7/31a