رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت22-28جمادى الأولى1422هـ-الموافق11-17-أغسطس2001
العدد 1489

الشعر الليبي·· كلاسيكية الحداثة في جزيرة الملح

صابر الفيتوري/ ليبياü

- مدخل: "عندما سأكبر، أريد أن أركب البحر مثلك وأقود سفناً أجمل وأكبر من سفينتك يا أبي" دينوبوتزاني·

 

(1)

·· التكوينات الشعرية الأولى

انحصر كل ما يتعلق بالفن واللغة العربية منذ القديم في الزوايا الفقهية الصوفية ذات العلاقة الوطيدة بالمغرب العربي·· وكان لديها نفور نسبي للشعر وما لبث أن تغير الأمر لتتحول هذه الزوايا إلى حاضنة للفن والأدب في البلاد فصارت المكان الوحيد الذي وجدت فيه القصيدة واللغة العربية عموماً ما يربطها بجسد العرب· ومن أشهر هذه الفنون "المألوف"، وهو لون فني آتٍ من الأندلس عن طريق المهاجرين العرب وفيه مزج بين الموشح المكتوب باللغة العربية والزجل العامي، حتى إن الاحتلال لم يستطع أن يطفئ هذه الشمعة التي لاتزال متقدة·· في أواخر العهد العثماني بدأ التمهيد لقيام ما يشبه البيئة الأدبية عن طريق بعض الاصدارات الصحافية التي سبقت غيرها في المشرق·

يقول التليسي عن تلك الفترة "انها مرحلة لها ملامح المدرسة التقليدية الحديثة في الشعر بكل ارتباطاتها بالأحداث العامة، وصياغتها التقريرية وفهمها المحدود للتجديد"، إلا أن هذا الملمح لم يكن بذلك الوضوح بل كان مضبباً تائهاً·· لينتهي ما لم يبدأ·

ولتزداد الربكة بقدوم المستعمر وتم القضاء على كل شيء·· ليستلم زمام الأمور الشعر الشعبي "الزجل" وأصبح الوسيلة الأكثر ذيوعاً وتعبيراً، فكان التعبير ناطقاً بذات اللسان الذي تحولت أرضه وشواطئه إلى شاطئ رابع لإيطاليا·

تجربة لم يحظ بها الشعر العربي الفصيح إلا في الجاهلي منه استطاع الشعر الشعبي أن ينسج تراكيبه وأن يعايش المحاكاة فتفوق على الشعر الفصيح حتى النصف الثاني من القرن الماضي·· من أوائل الشعراء الذين كتبوا القصيدة المنظومة آنذاك الشارف- رفيق- قنابة- الفقيه حسن- ميلاد مبارك، وكان تأثرهم واضحاً بشعراء أمثال حافظ وشوقي والزهاوي والرصافي هو من مجايليهم·

 

(2)

·· لا شعر في جزيرة الملح

عرفت ليبيا بجزيرة الملح·· البحر من الشمال والصحراء والسيخة من الجنوب وهذا الموقع جعلها تتمتع بكونها بيئة طاردة، وهي بالتالي قاصرة على التفاعل والشعر ابن التفاعل·· وزاد من الطين بلة تفجر النفط في هذه البقعة المستترة خلف البداوة· كل هذه الأمور خلفت شبه يقين باندثار الشعرية ولكن الأمر يبقى غير (قنومنولوجي) على الرغم من وجود الجامعات في كل أشباه المدن على طول الكيلومترات الأربعة مليون، ولم يتم التلميح لأهمية أي شاعر في الجزيرة، وما يؤكد ذلك أو ينفيه كان من المفترض أن يكون النقد لكنه لم يفعل··

 

(3)

·· اختيار الثقافة والكعب العالي

اثر قيام الثورة في سنة 1969 حاولت الثورة الليبية معالجة السلبيات التي تعانيها الثقافة ونظراً لتفشي الجهل أوفد عدد من الطلاب للدراسة في الخارج ولاعتبارات عدة ذات أبعاد (جيوسياسية) كانت أرض الكنانة مدرسة لهؤلاء وعادوا اثر ذلك إلى  الوطن مستندين على تعليمهم·· وللأسف ضآلة موهبتهم، فنظموا القصائد في الوقت الذي اندثر فيه النظم وكتبوا في الصحف ما سمي بالنقد والأبحاث وبمرجعية بدائية منقولة من مصر آنذاك وهذا ما شكل (كلاسيكية جديدة) وبكعبٍ عالٍ·· فحاولت بأفكارها الوثنية أن تُلبس رداءها الممزق للجميع بشتى السبل·· ولنكشف بعد حين أن جل الشعراء ليسوا من ذوي الموهبة وليسوا سوى زمرة من البحاثة معتنقي الأدب التعليمي، والذي يصفه (فان أوكونور) بأنه يسبب الغثيان·

 

(4)

·· كلاسيكية الحداثة·· بعد (الكلاسيكية الجديدة) ظهرت على أنقاضها (كلاسيكية الحداثة) وانتشرت كالوباء انتشاراً رهيباً وبدأت الدعوة كونها تطوراً و(حداثة) معتمداً على التفعيلة في الشكل وأدى هذا الوجود المكثف لهؤلاء إلى  النفور والملل من قبل المتلقي لما في ذلك من نشازية وشذوذ عن القاعدة العروضية، لم يكن المأخذ الوحيد ما يسمى بالتفعيلة بل دخلنا بسببها في دوامة (خطابية اللاوعي الموجة) واستتر بذلك قبح المقصد خلف الأجراس·· دون أن يكون لذلك منهج ما·

ونجد ناقداً كصلاح عجينة يقول: "إن أشد أنواع التنكيل الذي يتعرض لها الشعر اليوم (كلاسيكية الحداثة) من أبرز الشعراء/ الموجة·· إدريس بن الطيب- مفتاح العماري- سالم العوكلي- السنوسي حبيب- أحمد بللو- وغيرهم ولهم إخفاقات كثيرة·· يقول بطرس ريفيردي: "الشعور بلذة الجهد في الكتابة غير ممكن إلا في النثر أما الشعر فليس به سوى المخاطرة برمية زهر النرد فإما النجاح وإما الاخفاق"، ولا أعتقد أننا مازلنا على استعداد لمواجهة الإخفاق المرافق للتغيير العكسي فعلينا وضع حد لهذا التتبع الذي جعل منا أذيالاً تلهث وراء لا شيء وكي نصنع فكاكنا لا بد من انتزاع الربط من عنق الشعر·· إن التمرد هو الذي أوجد (كلاسيكية الحداثة) غير المجدية وبالتالي خلقت الحداثة ككلمة في الأفواه وطفت في الصالونات والمقاهي الأدبية القليلة جداً- هنا- ولتظل حبيسة الشفوية وليس لها أي سياق مكتوب ولم يصدر أي كتاب يوضحها ويوصف بالنقلة فهل من الممكن الانتقال إلى  (ما بعد الحداثة)؟ الاجابة دون شك ستحملها الأيام القليلة المقبلة·

 

(5)

·· أخيراً·· لا يمكن أن يذكر الشعر الحديث في ليبيا دون ذكر أسماء صنعت حداثتها وعلقت على صدر الوطن نصوصاً شعرية لاتزال تذكر إلى  اليوم·· إنها انطلاقات فردية حداثوية واختراقات هائلة أبرزها: علي صدقي عبدالقادر الذي يستمر ويطوي المراحل بتجربته الفذة، كتب هذا الشاعر وأنشد كل التشكيلات البنائية للقصيدة في كل ترحالاته·· واستوعب النقلة بتلهف·· شاعر آخر لا يقل أهمية عنه وهو علي الرقيعي الذي يجعل من الموضوع ذاتاً لنصه الشعري·· شاعران آخران هما الشلطامي والفزاني اللذان حاولا التفرد عبر التجديد في التجربة الشخصية ولهما امتياز في هذا الصعيد وكذلك بعض الأسماء من جيل الثمانينات والتسعينات ينتظر منها أن تكون لها صولات وجولات في خلق (البعد التحديثي المرتقب)·

 

**********************************************************

 

* صابر الفيتوري: شاعر وناقد، المحرر الثقافي بصحيفة الراية الخضراء الليبية·

 

هوامش:

- بطرس ريفيردي- شاعر وناقد فرنسي، - صلاح عجينة- أديب وناقد ليبي، - دينوبوتزاني- شاعر وناقد إيطالي، - خليفة التليسي- أديب ومؤرخ ليبي·

طباعة  

شعر
 
اضاءات
 
ترجمات
 
إصدارات
 
أفق
 
وتد
 
شهادات في الدور الثقافى الكويتى على هامش الأسبوع((الثانى)) بعد 20 عاما في اليمن·· هل يصلح الثقافي ما أفسده السياسي؟
 
خبر ثقافي
 
المرصد الثقافى
 
مقال