كان أسبوعاً صعبا" بالنسبة إلى القطارات الروسية ذات المواعيد الدقيقة عادة· فالركاب أنماطهم تأخر القطارات وإلغاء الرحلات بسبب وجود ديكتاتور كوريا الشمالية على خط السكة الحديد· وبالنسبة إلى مشغلي محطات السكك الحديد الروسية لم يكن هناك قط حدث أشد إثارة منذ حملت عربات مقفلة بأحكام لينين إلى محطة بتروغراد (سانت بطرسبرغ) في فنلندا في أبريل عام 1917 حتى ينفخ نار الثورة·
الشخصية الثورية الآتية الآن هي كيم جونغ إيل "القائد العزيز" لكوريا الشمالية الذي عبر الحدود الروسية عند فلاديغوستك في 26 يوليو الماضي في قطاره المصفح المؤلف من 21 عربة· ومذ ذاك قضى تسعة أيام حتى يقطع مسافة خمسة آلاف ميل إلى موسكو·
حين كان يقترب من موسكو ألغيت 13 من خدمات المواصلات المحلية، وتم تأخير عدد من المواصلات بعيدة المدى نحو ثلاث ساعات وكل ذلك حتى يصل "الراكب رقم واحد" بكل عظمة فريدة إلى محطة يارويلافل نهاية الخط السيبيري· وهكذا أخذت الشرطة تبعد أفواج الشحاذين والتجار من المحطة الخميس (قبل الماضي) في حين رفع العمال أعلاماً وصبغوا غرفة "الشخصية المهمة جداً" بصبغ جديد·
خارج المحطة، كانت تنتظر المرسيدس ــــ بنز خاصة كيم جونغ أيل التي نقلت جواً من بيونغ يانغ· وقال المسؤولون إنها كانت لتنقله عبر المدينة إلى قصر كبار الضيوف في الكرملين حين كان مقرراً أن يلتقي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ختام رحلته وهي الثالثة من نوعها (المعروفة) إلى خارج كوريا الشمالية منذ تولية السلطة قبل سبع سنوات والأولى إلى بلد غير الصين·
تابعت الصحافة الروسية اقتراب كيم جونغ إيل من موسكو بقدر ما استطاعت، لما كان ستار من الأفق طوقه، فعند التوقف في المحطات، كانت قطارات بضائع تأتي لتحجب قطاره عن الأنظار، وبرغم ذلك، نشرت صحيفة روسية صورة تظهر، حسب ما تزعم الصحيفة، ثقوب طلقات نارية في المقصورة الرئيسية· لكن مسؤولاً كورياً شمالياً نفى بحزم احتمال أن يجرؤ أحدهم على إطلاق النار على كيم جونغ إيل في طريقه إلى موسكو· وقال: "حتى لو حاولوا لم يكن هناك أي مجال للدنو منه لالتقاط مثل هذه الصورة"·
كان اختيار كيم جونغ إيل السفر بالقطار على الرغم من اختراع الطائرة مصدر إزعاج لكثير من الروس· فالركاب المجمدون عبر أرجاء سيبيريا عندما كان كيم جونغ إيل يعبر الطريق صاروا مادة خصبة في نشرات التلفزيون· وقال رجل من إيكاترينبورغ "إن يظهر ضيف أجنبي ثم يطردونا من طريقه فتلك إهانة حقاً"·
مازالت طريقة كيم جونغ إيل في الانتقال لغزاً، فالرأي الشائع هو أنه لا يحب السفر جواً، وكل من سافر على متن الخطوط الجوية الكورية الشمالية التي تستعمل طائرات روسية الصنع ترقى إلى الستينات يعتقد أن السفر بالقطار هو إجراء احترازي· لكن يعتقد أن كيم جونغ إيل لا يخشى ركوب الطائرة لأنه سافر إلى أندونيسيا عام 1965 عندما كان في الثالثة والعشرين· ويقال أيضاً إنه يستعمل طائرة هليوكبتر في كوريا الشمالية·
يؤكد أحد المعلقين الروس أن هذه الرحلة "كانت مجرد "خبطة" علاقات عامة ناجحة جعلت وسائل الإعلام مشدودة إلى القائد الكوري الشمالي أسبوعاً"· ويرى آخرون أن الزعيم الكوري الشمالي لا يملك طائرة خاصة تحت تصرفه، وأنه يعتقد أن السفر بالقطار أكثر سلامة في حال التعرض إلى هجوم عنيف·
بعض المحللين السياسيين يعتقد أنه أراد مجرد الإشارة إلى أن نظامه مستقر بما يكفي لأن يبقيه في عناية الآخرين لأسابيع· في الواقع، يبدو أنه أبقى الرأي العام في بلاده جاهلاً بشأن غيابه· فاستناداً إلى تقارير الرصد الإذاعي، واصلت وسائل الإعلام الكورية الشمالية بث التصريحات باسم كيم جونغ إيل من دون أي تلميح إلى غيابه·
ربما كان هناك أيضاً عنصر البحث عن سوق في هذه الرحلة· فقد كان محتملاً أن يتحدث كيم جونغ إيل مع بوتين بشأن خطة روسية لتطوير الخط الرئيسي للسكة الحديد وتطويله إلى كوريا الشمالية وربطه بشبكة السكك الحديد في كوريا الجنوبية·
فبمثل هذه الخطة تجعل روسيا امتداداً برياً للصادرات الكورية الجنوبية نحو أوروبا فتكون كوريا الشمالية على سبيل الافتراض في وضع يؤهلها للحصول على عوائد الترانزيت·
هناك احتمال آخر مفاده أن كيم جونغ إيل يريد أن يشاهد الريف ويكرر المحاولة التي قام بها مع أبيه كيم إيل سونغ عام 1984· فبرغم الفقر والجوع في بلاده، سافر كيم بأسلوب راقٍ مع طاقم من مئة شخص وحمولة عربة من الأشربة و الأغذية· أما من حملوا الأشربة في قطاره فليس لهم سوى أن يرتجفوا الآن· ذلك أن حراس كيم توقفوا في مدينة بيرم حتى يشتروا مزيداً من صناديق الأشربة·
هذا الاكتفاء الذاتي شبه التام حير المسؤولين الروس عندما امتنع كيم عن الظهور من قطاره في جميع محطات التوقف ففي محطة أولان أودي في منطقة بورياتيا القريبة من محطة بايكال، ترك كيم فرقة راقصة محلية ونحو نصف الحكومة المحلية تنتظر بلا جدوى على رصيف المحطة لتقديم صينية من الضيافة التقليدية وفضل تناول فطور شهي وراء النوافذ المعتمة لعربته·
ثم قفز كيم في القرية التالية، سلوديانكا، حتى لم يكن هناك أحد ينتظره وغطس يده في مياه بحيرة بايكال· حتى أنه رفض بازدراء فرصة تقديم التحية في نوفوسيبريرسك إلى أرملة جندي روسي في الثمانين من عمرها كان زوجها قد أنقد حياة كيم إيل سونغ من موت محتمل عام 1946 عندما ألقى بنفسه على قنبلة يدوية· ثم نزل أحد مرافقيه إلى الرصيف وهو يحمل حقيبة هدايا غير محددة ووعداً غير قابل للتصديق بأن يجري كيم جونغ إيل حديثاً طويلاً مع الأرملة وأبنائها الخمسة في طريق عودته من موسكو·
في أوفسك وحدها، الواقعة في سيبيريا الغربية، أغرت كيم فرصة مشاهدة مصنع للدبابات ومزرعة خنازير فتنازل وخرج من القطار للقيام بجولة في المدينة وليقضي الليل في بيت ريفي للحاكم المحلي، بل أنه حضر حفلة مسائية في بيت الأوبرا إنما بعدما أصر من دون توضيح أن يعدل منظمو الحفلة برنامجهم ويقدموا فرقة مسرحية تابعة لجمعية كورية محلية·
كانت الزيارة لمصنع الدبابات على الأقل زيارة عمل· فالرئيس الكوري الشمالي يريد تحديث التسليح السوفيتي الصنع المتهالك لجيش بلاده· ولما كانت روسيا تريد أموالاً مقابل المبيعات وكوريا الشمالية لا تملك أي أموال فقد صرف الطرفان سنة وهما يناقشان الشروط·
أما بشأن ما يمكن أن يقدمه كيم جونغ إيل إلى روسيا فالجواب هو سياسي أساساً· فكوريا الشمالية هي إحدى "الدول المارقة" حسب التعبير الذي تستعمله الولايات المتحدة لتسويغ خططها بشأن الدفاع المضاد للصواريخ الذي تعارضه موسكو· فربما حاول بوتين تشجيع كيم جونغ إيل على استئناف مفاوضاته مع الولايات المتحدة الرامية إلى تخفيف التوترات، والرئيس الروسي يود لو أن كيم جونغ إيل يعرض ثانية أن توقف بلاده برنامج الصواريخ إذا وافقت بلدان أخرى على إطلاق الأقمار الصناعية لكوريا الشمالي· لكن الرئيس الكوري الشمالية كان قد حط من قدر هذا الاقتراح سابقاً باعتباره مزحة· لكنه ربما أدرك أن بوتين موهوب في إبعاد مثل هذه القضايا عن المزاح·
على الأقل، يأمل بوتين في أن تثبت هذه الرحلة أن كيم جونغ إيل هو زعيم عقلاني ومسؤول، لا كما تميل الولايات المتحدة إلى الاعتقاد أنه انطوائي مهووس بالسلطة· لكن حتى لو كان الأمر كذلك، فالأمور لم تبدأ بداية حسنة تماماً· فغالبية زعماء العالم التقليدي لا تقضي أيامها في قطارات مصفحة لتظهر منها في سترات مموهة حتى تبدي إعجابها بمزارع الخنازير·
(فايننشال تايمز)