رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8-14 جمادى الأولى1422هـ الموافق 28 يوليو - 3 أغسطس 2001
العدد 1487

وتد

·· قلبه يمشي على غمامة بيضاء

 

نشمي مهنا

إنسان عادي، لا دخل لوظيفته (الرسمية) بعالم الشعر، بل هو بعيد جدا عن دواوين الشعر، وكلماته ومنمقاته وحرفنته· هذا الصديق - في لحظات التجلي التي اكتشفها بين حين وآخر - يحلم أن ينفرد بعالمه الخاص، ويعيشه بتوحد تام، حلمه أن ينزوي بمزرعته يستمتع بمراقبة شجيراته وهي تمد قاماتها أمام عينيه، يتذكر دائما يوم غرْسها، بعد أن كانت أرضه قاحلة كقلب مليء بالعداوات، ثم سقى هذا الغرس، ورعاه، وحنا عليه بحب، شاهد عن قرب أيام نموه·· اخضرار أوراقه· الى درجة إحساسه بقلق هذه الشجيرات في مواسم الغبار، وشكواها بالوحدة في أول نسائم "المربعانية" القارصة، وفرحها - الذي يراه يتراقص في فروعها - لاستقبال زخات "الوسمي"!

يشير الى تلك الشجيرات ليمحو علامات تعجبنا قائلا: "إنهن بناتي"! علاقة حب غريبة، تنم عن حالات "شاعرية" خاصة جدا، انتقل بها "الشعر" من بياض الصفحات الى تربة مزرعة، ومن نص كتابي الى شجر أخضر ملموس·

يصف صديقنا شعوره - حينما يُنتزع من دوار العمل - أن قلبه في الأماسي الشتائية في ذلك المكان القصي كأنه يمشي على غمامة بيضاء، ويبلله رذاذ مطر·· صديق آخر يرق في حالات الوجد والشوق، حينما يصف محبوبته، كأنما يكتب قصيدة خارجة عن قواعد الوزن والقافية أو النثر وتنميق الكلام··

كلا الصديقين وثالثهما (صاحب المجموعة الشعرية) شاعر، قد يكون الأخير أضعفهم شعرا·

اصطلح أجدادنا وآباؤنا العرب، بالاتفاق مع باقي المجتمعات البشرية على ألا يكون الشعر إلا "كتابة"، فهل بإمكاننا أن نتمرد على ذلك المصطلح حينما يأسرنا مشهد سينمائي تتصاعد فيه الشاعرية الى ذروتها؟! وكذلك في لوحة تشكيلية نصادفها معلقة على جدران أحد المعارض بين لوحات عدة، فنقسم إنها قصيدة"! ألم يتوقف أحدنا عند فصل روائي فتتماهى بقلبه وعينيه مشاهد الرواية بالشعر!

أحيانا - بعجلة حياتنا اليومية - نتوقف أمام منظر رُكّب صدفة أو إهمالا أو بفوضوية لوردة - بين باقة ورد - ذبلت فانحنت قامتها وتدلت على حافة أصيص، ثبت هذا المشهد أمام أعيننا على إحدى طاولات صالاتنا دون أن ننتبه·

ماذا بشأن كلام الحروف عندما "يخطها" قلم محمد سعيد الصكار؟ تتطاوى قاماتها، وتنفرد، ويلتوي "ألِفها" على عنق "اللام" و"الباء"، نكاد نستمع لتأوهات حروف المد "المرسومة"· ألا نجزم بأن لوحات "خطوطه" قصائد، وأنه شاعر (لو اقتصرنا مشاهدتنا على تجربته الخطية، دون الالتفات الى تجربته الشعرية الحقة!)· ماذا نقول عن الصرخات التي تخترق قلوبنا ونحس بعمقها في منحوتات سامي محمد؟

جميعهم·· شعراء·· صديقاي والتشكيلي، والخطاط، وسامي محمد، ومنظر الوردة المنحنية·· أيضا قصيدة·

أعتقد أن هناك "مسمى" أو "مصطلحا" مفقودا، لم يعثر عليه اباؤنا اللغويون - ولم نتابع البحث عنه - يضم بردائه كل هؤلاء·· إلا أنه - في الحقيقة - ليس الشعر تحديدا، بل هو أشمل وأعم· ولأننا نفتقده فإننا نعطيه مسمى "الشعر" لأنه قريب من ملامحه، وتوأم لأجواء الشعر·

ولأن الشعر بموروثنا العربي (أو حتى الإنساني) وُهب بريق مثالي، ومديح قل أن ينلنه شقيقاته من الآداب والفنون الأخرى·

بدليل أننا لا نقول بفورة إعجابنا بنص شعري أبدع صاحبه بكتابته إن هذا "الشاعر·· رسام" مثلا!·

يحدث العكس دائما، نشبه الفنون - جوازا - التي ترق الحواس فيها وتتجلى صورها المبدعة بـ "الشعر"· هل لأن الشعر هو أول اكتشافاتنا الكتابية العربية (الإنسانية) وأول هواياتنا المحببة الى قلوبنا، وديواننا الأثير الذي جمع تاريخنا وحياة شعوبنا وموروثاتها؟

هل لهذه الأسباب جميعها أو لبعضها·· أو لأسباب أخرى نجهلها تدافعت مختلف الفنون للازدحام في باب الشعر؟

وماذا عن "قصيدة النثر"؟! مجرد سؤال··

nashmi@taleea.com

طباعة  

إضاءات
 
ترجمات
 
خبر
 
إصدارات
 
قرءاة في نص
عندما رأى ما رآه الغائب
السبتي يشرخ ليل الحلم·· فتنساب الرؤية

 
يزور بيروت·· لأمسية "البلمند" ولـ "حوارالعمر"·· أم لشيء آخر!
محمود درويش: "هـلأ مِشْ وقت مزح" الإسرائيليون لم ينتهوا بعد من حرب الـ 48

 
المرصد الثقافي