تفاعل الرأي العام مع ما طرح حول مشروع استبدال قانون الجزاء الكويتي بقانون آخر يأخذ "بالعقوبات الشرعية" أساساً له· ويستند مقدمو الاقتراح على أن الجرائم في ازدياد ولا يمكن ردعها إلا بتشديد العقوبات وتطبيق الحدود الشرعية· وكما أشرنا في مقال سابق أن جماعات الإسلام السياسي إنما تذهب إلى أبعد من استبدال عقوبات "لينة" كما تراها بأخرى شديدة بل إنها أخذت في تطبيق مشروعها بتحويل الكويت إلى دولة دينية بالتدريج· فهي عندما فشلت بتغيير المادة الثانية من الدستور لتصبح الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع بدلاً من مصدر رئيسي له، اقتنع أعضاء البرلمان من هذه القوى بضرورة تغيير التكتيك وصولاً إلى ذات الهدف· فبدلاً من البدء بالدستور اضطروا للبدء بالقوانين التي لا يحتاج تغييرها إلى أغلبية خاصة بل يمكنها فرض القانون حتى إذا أعاده سمو إلى المجلس بينما في تعديل مواد الدستور لا يمكنها ذلك·
ومن جهة أخرى قامت القوى الدينية بتفعيل القوانين الحالية بطريقتها الخاصة فأقامت دعاوى حسبة على الكتاب والمثقفين وجرجرت بعضهم إلى المحاكم· كما شنوا حملة كبيرة على مظاهر الفرح البريء فأغلقت الخيم الرمضانية ومنعت الحفلات واعترضوا على "هلا فبراير" وكأنما لم يكفهم ذلك فحاولوا إنشاء هيئة تتدخل في شؤون الناس وحياتهم الخاصة أطلقوا عليها "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وعندما فشل مشروعها غيروا الشكل الخارجي وأخرجوها باسم جديد "هيئة الأمن الاجتماعي"·· وهكذا تمضي الكويت في ظل سيطرة هذه القوى ومهادنة الحكومة لهم نحو مصيرها المحتوم كأفغانستان أخرى·
والغريب في الأمر أن من يثير كل هذه المشروعات ليس سوى ظاهرة إزعاج صوتية لكن الأسلوب الذي يستخدمه هذا النائب ومن معه هو الجديد على الكويت، حيث يحرج الجماعات السياسية الدينية بشقيها الطائفيين وبتنظيماتها التي توخينا في بعضها شيئاً من العقلانية· فالنواب الإسلاميون مضطرون للموافقة على هذه المشاريع المثيرة والنواب المحافظون موافقون كذلك أما الحكومة فلها حساباتها الخاصة التي لم تفصح عنها حتى الآن وربما تحت هذه العلاقة الحميمة مع القوى الدينية توافق هي الأخرى أو تسمح لوزرائها بخرق التضامن لتخليص بعضهم من ورطة الموقف· أما النواب المستقلون والليبراليون فيسبدو بعضهم أمام هذا الإرهاب الفكري وكأنه يعترض على الإسلام وليس على تطبيق الحدود فقط·
مؤيدو ومقدمو الاقتراح سيستخدمون كل ما أوتوا من إمكانات لإقراره بما في ذلك التظليل وإرهاب الناس بالتكفير· بل وفي سابقة خطيرة شكلت لجنة الشؤون القانونية والتشريعية في مجلس الأمة لجنة فرعية لاستعجال دراسة المشروع، اللجنة الفرعية مكونة من عضوين، النائب عبدالله الرومي والنائب وليد الطبطبائي مقدم الاقتراح نفسه·
والنتيجة، خطوة أساسية أخرى نحو إلغاء الكويت التي نعرفها وتحويلها إلى دولة دينية بلباس مدني ليس لها من المدنية سوى الاسم ودستور مفرغ من محتواه إذا ما تركت الجماعات الدينية على هواها·
من هنا لابد لنا أن نوضح بعض الحقائق حول هذا المشروع: أولها الأحكام الشرعية لم تطبق في العالم الإسلامي سوى في السعودية، ولفترة قصيرة جداً في السودان أواخر حكم جعفر النميري· حيث ساهم تطبيقها آنذاك في إسقاط حكم النميري ضمن ظروف أخرى، فقد تحالفت القوى الدينية مع من أطلقوا عليه "الرئيس المؤمن" وكان ثمن التحالف تطبيق هذه الأحكام وبعض مطالب جماعة الإخوان المسلمين· بل إن جبهة الإنقاذ الحاكمة في السودان منذ أكثر من 11 عاما جمدت العمل بها مع الإبقاء عليها كنصوص فقط·
أما الاستناد على تجربة السعودية فهذا أمر غريب جداً، فالنظام السياسي والقانوني يختلف اختلافاً كبيراً عن نظيره في الكويت وبالتالي لا يمكن القياس بين نظامين وبلدين مختلفين· فالقياس العلمي عادة ما يكون بين كيانين متشابهين أحدهما تبنى نظاما جديدا والآخر استمر على النظام القديم، فإن وجدت فروق في معدلات الجرائم يمكن أن تعزى للقانون الجديد، وهذا ما لا يوجد في هذه المقارنة، فالسعودية لم تتبنى نظاما قانونيا مدنياً ثم حولته إلى الأحكام الشرعية· النقطة الأخرى التي لابد من الإشارة إليها في هذا السياق هي ما نصت عليه المذكرة التفسيرية للدستور الكويتي في شرحها للمادة 31 من الدستور، حيث "نصت الفقرة الثانية من هذه المادة على عدم تعريض الإنسان الذي كرمه الله، للتعذيب أو المعاملة الحاطة بالكرامة، والمقصود بهذا الإنسان هو الشخص البريء الذي لم تثبت بعد إدانته، فإن أدين بالطريق القانوني والقضائي المقرر كان الأمر أمر عقاب مجرم، مما لا يعتبر تعذيبا أو حطاً بالكرامة ولهذا العقاب ضماناته التي تنص عليها المواد 32، 33، 34 من الدستور·
ولم يجد الدستور ضرورة للنص صراحة على حظر "العقوبات الوحشية" - برغم ورود هذا الحظر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان - وذلك باعتبار هذا النوع من العقوبات لا مكان له أصلاً في المجتمع الكويتي ولا توجد مظنة تقريره مستقبلاً حتى يلزم النص على حظره· فسكوت الدستور بهذا الخصوص يؤكد أصالة حظر "العقوبات الوحشية"·
بل إن المشرع حتى في نقاشه للمادة الثانية من الدستور التي أبقت الباب مفتوحاً للأخذ بأنظمة أخرى من غير الشريعة الإسلامية إنما أشار وبوضوح في المذكرة التفسيرية أيضاً إلى أن وضع المادة في شكلها الحالي يرفع الحرج عن المشرع إذا ما أخذ بأحكام غير شرعية وبخاصة في ما يتعلق بالحدود حيث نصت المذكرة التفسيرية على: "لم تقف هذه المادة عند حد النص على أن "دين الدولة الإسلام" بل نصت كذلك على أن الشريعة الإسلامية - بمعنى الفقه الإسلامي - مصدر رئيسي للتشريع، وفي وضع النص بهذه الصيغة توجيه للمشرع وجهة إسلامية أساسية دون منعه من استحداث أحكام من مصادر أخرى في أمور لم يضع الفقه الإسلامي حكما لها، أو يكون من المستحسن تطوير الأحكام في شأنها تمشياً مع ضرورات التطور الطبيعي على مر الزمن، بل إن في النص ما يسمح مثلاً في الأخذ بالقوانين الجزائية الحديثة مع وجود الحدود في الشريعة الإسلامية، وكل ذلك ما كان ليستقيم لو قيل "الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع"، إذ مقتضى هذا النص عدم جواز الأخذ عن مصدر آخر في أي أمر واجهته الشريعة بحكم مما قد يوقع المشرع في حرج بالغ إذا ما حملته الضرورات العملية على التمهل في التزام رأي الفقه الشرعي في بعض الأمور وبخاصة في مثل نظم الشركات، والتأمين والبنوك، والقروض والحدود، وما إليها"·
والمثير في نص المذكرة التفسيرية أن المشرع لم يدر في خلده أبدا أن يأتي أحد بعد 40 عاما على تطبيق الدستور ليطرح هذا الموضوع·
يبقى أن نذكر الأخوة مقدمي الاقتراح بأنهم يناقضون أنفسهم بقولهم إن الوضع سيئ لدرجة لابد من تطبيق هذه الأحكام كعلاج وضرورة· أليس هذا الوضع هو نتاج "الصحوة" التي قادت فيها الجماعات الدينية الشارع منذ منتصف السبعينات؟ أليست الجماعات الإسلامية هي المسيطرة على المدارس والمساجد ولجمعياتها فروع في كل زاوية من زوايا مناطق الكويت؟ أليست هي التي ملأت أخبار أنشطتها صحف الكويت اليومية عن مخيماتها الصيفية والشتوية ورحلات العمرة والندوات الدينية عن الحب وعلاقة الزوج بالزوجة وعن كل تفاصيل حياة المجتمع؟ أليست هي الجماعة التي لها في كل يوم من أيام الأسبوع صفحة على الأقل في صحيفة يومية ولها مجلاتها وبرامجها الإذاعية والتلفزيونية؟
أبعد هذه الصحوة نحتاج الآن لعقوبات شرعية لتعيد المجتمع إلى وضعه السابق للصحوة حيث لا حاجة إلى عقوبات شرعية؟!!