حرب بالتقسيط تشنها إسرائيل على الفلسطينيين· هذه الحرب تخاض في ظروف سياسية ودبلوماسية حساسة، بوتيرة لا تستدعي تدخلا دوليا قويا، إنما تجنب إسرائيل معركة غير مضمونة النتائج·
في الآونة الأخيرة، تكررت الاغتيالات بحق الناشطين الفلسطينيين، وأظهرت أن ما طلبه شارون من السلطة الفلسطينية ورفضته الأخيرة (اعتقال 128 شخصا ضمن قائمة مطلوبين) تكفلت الأجهزة العسكرية الإسرائيلية (بما فيها الجيش) تنفيذ ما يفوقه: القتل عمدا·
هذه الحرب ليست بعيدة عن عقلية وزير الخارجية شيمون بيريس· هذا الأخير مكلف متابعة الاتصالات مع ياسر عرفات، ومع مصر والأردن والاتحاد الأوروبي في حملة دبلوماسية - دعائية، واجتماعه الأخير مع عرفات في القاهرة كان بموافقة تامة من شارون· ذلك أن بيريس اعترض على خوض حرب شاملة، واعترض على اتهام رئيس الأركان شاؤول موفاز للسلطة الفلسطينية بأنها "كيان إرهابي" لكن نفيه لم يخل من تأكيد أن بعض فروع السلطة الوطنية ربما كان متورطا في ما تسميه إسرائيل إرهابا، و"الحرب بالتقسيط" من وجهة نظر بيريس لا تستدعي تدخلا دوليا قويا ولا ترخي بثقلها على قطبي الائتلاف الحكومي الليكود والعمل، إنما تبقيه قويا، طالما بقي الداخل الإسرائيلي في مأمن من عمليات استشهادية كبيرة·
هذه الحرب قد تكون من نتاج عقلية شارون، لكنها أيضا نتاج ظروف دولية - إسرائيلية مجتمعة· فالجولة الأخيرة لشارون في ألمانيا وفرنسا أظهرت استياء الدولتين من السياسة الدموية لشارون، وردات الفعل الأمريكية على "الاغتيالات المقصودة" عبرت عن استياء واشنطن "بحدود معقولة" لكن ذلك لم يرق الى إحداث أزمة بين إسرائيل والغرب·
شارون يستمع أيضا الى ما يدور داخل المجتمع الإسرائيلي، في داخل تكتل ليكود، تبين عقب الاجتماع الأخير للجنة المركزية أن هناك تأييدا متناميا لرئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتانياهو، الذي يدعو الى شن حرب شاملة على الفلسطينيين· لكن التأييد لم يرق الى حد زعزعة مكانة شارون· فالليكود لم يسبق له قط أن أسقط رئيس وزراء منتم إليه وهو على رأس السلطة· وأعضاء الليكود ليست لهم "الآن مصلحة في إسقاط شارون الذي تفوق شعبيته داخل إسرائيل أي زعيم آخر، أما حزب العمل الذي يشارك في الحكم من موقع الشريك القوي فليست له مصلحة، وهو يعاني أزمة قيادة متفاقمة، أن يترك شارون يقطف ثمار الوضع الحالي وحده·
فرفض بيريس لمنطق رئيس الأركان ينم عن شيئين: أن ياسر عرفات ما زال شريكا في عملية السلام، لكنه، في المقابل، لا يفعل ما يكفي لإخماد الانتفاضة، وأن مشاركة بعض أطراف السلطة الفلسطينية في بعض أعمال المقاومة تستدعي توجيه الضربات إليها·
خطورة "الحرب بالتقسيط" تكمن في أنها ترخي بثقلها على قيادة السلطة الفلسطينية· فهذه الأخيرة هي آخر من يستفيد، بل هي أول من يخسر، من أول عملية كبيرة تستهدف الداخل الإسرائيلي· أما حادث غزة الأخير، حين هاجم مسلحون ينتمون الى حركة "حماس" كما الى حركة "فتح" مقر إقامة رئيس الاستخبارات العسكرية موسى عرفات، فكان نذيرا لما يمكن أن يحدث إذا سعت السلطة الفلسطينية الى كبح الهجمات لا على الداخل الإسرائيلي إنما على قوات الاحتلال والمستوطنين في الأراضي المحتلة·
هذه "الحرب بالتقسيط" لا تعني أن شارون تخلى عن خيار الهجمات الواسعة، إنما تعني أنه اختار أسلوبا يرضي الجميع ولا يسوؤه·