يتابع العالم هذه الأيام اجتماعات زعماء الدول السبع الصناعية وروسيا في مدينة "جنوا" الإيطالية والآثار المترتبة عن هذا الاجتماع والأمور التي نوقشت وطرحت للبحث فيه· أهمية هذا الاجتماع ليست لأن الدول المجتمعة تمثل أهم الدول الصناعية وأقواها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وحسب بل تأتي الأهمية من المتغيرات العالمية التي بدأت تتسارع بعد انتهاء الحرب الباردة بشكلها التقليدي وتحول العالم إلى "النظام العالمي الجديد" الذي يحكمه قطب واحد ويمثل المجتمعون قمة هذا القطب·
هذا الاجتماع ما كان ليأخذ أكثر من كونه جزءاً من الحرب الباردة لو أنه عقد قبل انتهائها ولفسرت المظاهرات والاحتجاجات الشعبية المناهضة له آنذاك على أن المجتمعين ليسو سوى يساريين موالين للاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي لا أكثر· إلا أن الوضع الحالي يمثل تحولاً عالمياً مثيراً وعلى جبهتين: الدول ومنظمات المجتمع المدني (الوطنية والإقليمية والدولية)·
فعلى صعيد الدول تسعى أمريكا والدول الصناعية بكل جهد وعجلة إلى تهيئة الوضع وتسوية الأمور التفصيلية المتبقية بوجه اتفاقية التجارة الدولية المعروفة بـ GAT وهي الاتفاقية التي إن طبقت فستفتح الحدود الجغرافية والسياسية والضريبية أمام الشركات الكبرى لدخول أي جزء من أجزاء القرية الكونية دون معوقات تتمثل في الحماية الجمركية التي تتخذها بعض الدول لحماية إنتاجها الوطني من المنافسة الدولية له ودون قيود على دخول الأموال وخروجها بل تسعى الاتفاقية إلى قيام الدول الأعضاء بتنفيذ منظومة التشريعات الوطنية فيها لتتواءم مـــــــع آليات السوق وتعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي· وهي ذات التعليمات التي كانت تشكو منها كثير مــــن دول العـــــالم الثالث الفقــــــيرة بل هي ذاتها التي أدت إلـــــــى كثير مـــــن الاضطــــرابات الشــــــعبية نتيجة لمـــــــوافـــــقـــــــة بعض الحكـــــــومات عليها مثل ثورة 18/17 يناير 1977 في مصر ضد رفع الدعم عن الخبز·
في ظل النظام الدولي ثنائي القطب كانت الدول الفقيرة تستند إلى الاتحاد السوفييتي إما عن قناعة بالخط الفكري والاقتصادي والسياسي الذي يطرحه أو على الأقل لابتزاز المعسكر الغربي والحصول علي وضع تفاوض أفضل· أما الآن فلا خيار أمام دول العالم الثالث فإما أن تنضم إلى الاتفاقية وبالتالي تدخل في منافسة غير متكافئة أم أن تبقى معزولة خارج "النظام العالمي الجديد" أي أنها خاسرة في الحالتين·
إلا أن التحول الكبير غير المتوقع أتى من جهة المنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني وعلى وجه الخصوص تلك التي تأسست في الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية حيث حرية تشكيل الجمعيات المدنية مكفولة، هذه المنظمات بعضها دخل في أطر تنسيق عالمية حول موضوعات مؤقتة بعينها وبعضها أخذ الطابع المهني والبعض الآخر تخصص في قضايا حقوق الإنسان والحريات· لكن العالم فوجئ بالموقف الجديد لكثير من هذه التنظيمات وعلى اختلاف اهتماماتها فقد تجمعت وبشكل غير مسبوق حول رفض اتفاقية التجارة الدولية بل حاولت ونجحت في إفشال اجتماع سياتل عام 1998 وقامت الشرطة التي لم تتوقع عدد المتظاهرين والمجتمعين باستخدام العنف بشكل سافر للسيطرة على شوارع المدينة وحاول الرئيس كلينتون آنذاك الاعتذار بشكل غير مباشر للمتظاهرين وتبيان ما يعتقد هو أنه غير مفهوم لدى العامة من "فوائد هذه الاتفاقية"، إلا أن المتظاهرين استمروا في إغلاقهم للشوارع حتى فشل الاجتماع وحدثت مواجهات مماثلة في أكثر من مدينة أوروبية آخرها ما حدث في مدينة جنوا الإيطالية الأسبوع الماضي· هذا الموقف الأهلي والشعبي يذكر بالدور الذي قامت به المنظمات الشعبية الأمريكية في الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي عند معارضتها للحرب في فيتنام والتي أدت في محصلتها النهائية إلى الضغط على الحكومة الأمريكية لوقفها· آنذاك كانت التنظيمات اليسارية وبعض التنظيمات الدينية هي الفاعلة· الآن يشارك اليسار السياسي مع المنظمات غير السياسية وتلك المهتمة بحقوق الإنسان والموضوعات الإنسانية وكثير من المنظمات الأهلية الصغيرة في موقف موحد تطرح فيه القوى الواضحة منها موقفاً معلناً مناهضاً للعولمة· بعض تلك القوى تأخذ موقفاً نابعاً من مصالح الفئات الشعبية التي تعمل في إطارها مثل العمال في أمريكا· وهؤلاء يرون في الانفتاح الاقتصادي الدولي خسارة كبيرة لفرص العمل في أمريكا، وبالتالي خسارة كبيرة عند انتقال المصانع والشركات إلى حيث العمالة الرخيصة في آسيا وأفريقيا· وهذا الموقف مشابه لذلك الذي قامت به المنظمات العمالية الأمريكية ضد اتفاقية "النافتا" NAFTA التي تشمل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك في اتفاقية تجارة حرة بينهم· بينما تقف منظمات وأفراد سواء في الولايات المتحدة وكندا وأوروبا ضد العولمة بسبب ما يرون فيها من أضرار كبيرة على شعوب العالم الفقيرة ولما يرون فيها من سيادة قانون القوي على الضعيف·
الملاحظة الثالثة أن دول العالم الثالث وعلى المستويين الرسمي والشعبي لم تصل ردود أفعالها إلى المستوى المطلوب وذلك ربما يعود إلى ضعف التنسيق بين حكومات دول العالم الثالث وعدم وجود منظمات إقليمية فاعلة لتحديد موقف موحد حول عدد من القضايا الرئيسية التي تهم هذه الدول·
ومن جهة أخرى يتضاءل دور المنظمات الأهلية ربما لعدم وجودها أحياناً ولكون بعضها منظمات رسمية بوجه أهلي ولا يمكنها التحرك إلا في الحدود التي تسمح لها الأنظمة· ومع هذا فقد اجتمعت بعض المنظمات الأهلية في لبنان وأصدرت توصيات ترى ضرورة العمل من خلالها للتنسيق بين المنظمات الأهلية العربية ننشرها في صفحة ( )·
نقطة أخيرة يجدر لفت النظر لها وهي متعلقة بالاجتماع العالمي المزمع عقده في قطر في نوفمبر 2001 حيث سيدعى ممثلون للكيان الصهيوني تحت ذريعة أن الاجتماع دولي وعلى مستوى رفيع ولا يمكن استنثاء أي دولة أو ممثلها·
من الواضح أن قطر سعت وبعد التغيير في القيادة إلى الانتفاح الواضح والمعلن على الكيان الصهيوني بفتحها لمكتب تنسيق إسرائيلي في الدوحة وحماس محطتها الفضائية (الجزيرة) إلى الانفتاح الإعلامي على المسؤولين الصهاينة لطرح وجهة نظرهم على المشاهد العربي· وكذلك اندفاع قطر للعب دور دولي أكبر في رعايتها للمؤتمرات الإقليمية والدولية التي يحضرها ممثلون للكيان الصهيوني· فإذا كانت هذه هي سياسة قطر المعنلة والتي لها أسبابها المرتبطة بتغيير القيادة واستقرارها، وهو شأن خاص بالأشقاء القطريين شعباً وقيادة، إلا أننا نرى ضرورة إعلان الكويت والدول العربية الخليجية الأخرى مقاطعتها لهذا المؤتمر بكل صراحة دعماً لموقف إخوتنا في فلسطين وإغلاقاً للباب الذي فتح للصهاينة على شعوبنا العربية وخصوصاً في الخليج·